من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
مسألة (٢٠)
سئلت عن ﴿تَرَيِنَّ﴾ فى قول الله سبحانه: ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً﴾ وذكر/السائل لى أنّ الواعظ المعروف بالشّعرىّ، امتحن الناس بهذه اللفظة على الكرسىّ، فقال: ما المحذوف منها؟ وما وزنها؟ فرأيت أن أقدّم أسّا يبنى الكلام فيها عليه.
فأول ذلك أن العرب بنت الفعل مع النون المؤكّدة على الفتح، لأنّ الفعل فى الأصل ثقيل، وزاده اتصاله بهذه النون ثقلا، فاستحق البناء كما استحقّته الأسماء المركّبة، وخصّوه بالفتحة لخفّتها، كما بنوا عليها خمسة عشر، وبعلبكّ، وهو جارى بيت بيت، ولا رجل فى الدار، فقالوا: لتخرجنّ، وهل ينطلقنّ؟ كما قال:
هل ترجعنّ ليال قد مضين لناوالعيش منقلب إذ ذاك أفنانا
وكما جاء فى التنزيل: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ وكذلك الفعل المعتلّ كقولك: هل تدعونّ، ولا ترمينّ، فإن كان الفعل لجماعة ذكور، أو واحدة
مخاطبة، نحو: تخرجون وتجلسين، حذفت للبناء هذه النون التى هى علم الرفع، كما حذفت الضمة للبناء فى قولك: يا زيد هل تخرجنّ، وإذا حذفت نون تخرجون وتجلسين، حذفت الواو والياء لسكونهما وسكون النون المدغمة من نون التوكيد الثقيلة، وجاز حذف الواو والياء لدلالة الضمّة والكسرة قبلهما عليهما، فقلت:
هل تخرجنّ؟ وتالله لتجلسنّ، كما جاء فى التنزيل: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ وقال تأبّط شرّا:
لتقرعنّ عليّ السّنّ من ندمإذا تذكّرت يوما بعض أخلاقى
فإن اتّصل الفعل المعتلّ اللام بواو الضمير أو يائه، وما قبل الواو مضموم، وما قبل الياء مكسور، حذفت الواو والياء لسكونهما وسكون النون، فقلت: هل تدعنّ يا قوم، وهل ترمنّ يا مرأة، فمثال تدعنّ وترمنّ، من الفعل: تفعنّ وتفعنّ، لأن الأصل فيهما: تدعوون، وترميين، مثل تخرجون وتجلسين، فحذفت/ضمّة الواو وكسرة الياء استثقالا لحركتين ثقيلتين فى حرفين معتلّين، ثم حذفت الواو والياء اللامان لسكونهما وسكون الواو والياء الضميرين، فصارا إلى تدعون وترمين، فلما اتّصلا بنون التوكيد سقطت النون التى هى علم الرفع، لبناء الفعل مع النون المؤكّدة، فكرهوا أن يقولوا: تدعونّ وترمينّ؛ لسكون الواو والياء، فيجمعوا بين ساكنين، الثانى منهما مدغم، فحذفوا الواو لدلالة الضمّة عليها، والياء لدلالة الكسرة عليها، فصار إلى تدعنّ وترمنّ.
فإن قيل: فهلاّ احتملوا اجتماع الساكنين فيهما؛ لأن الأول حرف مدّ، والثانى مدغم، كما جمعوا بين الساكنين باجتماع هذين الشرطين فى فعل الاثنين، فقالوا: تدعوانّ وترميانّ، وجاء فى التنزيل: ﴿وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾.
فالجواب: أنهم لم يفعلوا ذلك؛ لأنهم لو أسقطوا الألف، كما أسقطوا الواو والياء صار اللفظ إلى تدعونّ وتتّبعنّ، فالتبس المثنّى بالواحد، فاحتملوا الجمع بين ساكنين، الأول منهما ألف والثانى مدغم، وهذا كثير فى كلامهم، فى نحو: العامّة والطامّة، فى قوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ﴾ ونحو الشابّة، و ﴿ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ﴾ و ﴿اُدْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ وإنما احتملوا هذا فى الألف؛ لأنها أمكن فى المدّ من الواو والياء الساكنتين المتحرّك ما قبلهما بالحركة التى تجانسهما؛ من حيث كان المدّ يلزم الألف دونهما، فهى مباينة فى ذلك لهما، فلذلك خصّت دونهما باستعمالها تأسيسا، وبانفرادها فى القصيدة ردفا.
والتأسيس: كلّ ألف وقعت فى القافية وبينها وبين الرّويّ حرف، كألف سالم وعالم ونازل وبازل، والحرف الفاصل بين الألف والرّويّ، يقال له: الدّخيل.
وأمّا الرّدف فكلّ حرف لين وقع قبل الرّوىّ بغير فصل، كألف كلام، وياء كليم، وواو كلوم، ولا اعتداد بالجمع بين الواو الساكنة والساكن المدغم فى نحو:
تمودّ/الثوب، وكذلك الياء فى أصيم، ومديق، ونحوهما لقلّة ذلك فى الاستعمال.
فإن كان ما قبل الواو والياء مفتوحا، كواو ترضون، وياء تخشين، لم يجز حذفهما إذا اتّصلا بنون التوكيد؛ لأنهما لو حذفا لم تدلّ الحركة التى قبلهما عليهما؛ لأنّ الفتحة مجانسة الألف، كما أن الضمّة مجانسة الواو، وكما أنّ الكسرة مجانسة الياء، فكلّ واحدة منهنّ-أعنى الحركات-إنّما تدلّ على الحرف المجانسها، فوجب لذلك تحريك الواو والياء فى هذا النحو، إذا اتّصلا بنون التوكيد واستحال حذفهما، فحرّكوا الواو بالضمّة والياء بالكسرة، خصّوا كلّ واحدة منهما بالحركة المجانسة لها، فقالوا: لترضونّ، وهل تخشينّ؟ والأصل: ترضيون وتخشيين، فاستثقلت الضمة فى ياء ترضيون، والكسرة فى ياء تخشيين، فحذفتا، أعنى الحركتين، ثم حذفت الياءان بعد حذف حركتيهما، لسكونهما وسكون الواو والياء الضميرين بعدهما، فصارا إلى ترضون وتخشين، فلما اتّصلا بنون التوكيد سقطت النون التى زيدت علما للرفع؛ لأن الفعل صار مع نون التوكيد إلى البناء، فصار فى التقدير إلى: ترضونّ وتخشينّ، بسكون الواو والياء، فوجب تحريكهما لسكونهما وسكون النون، فحرّكت الواو بالضمّة، والياء بالكسرة، فقيل:
ترضونّ وتخشينّ، فمثال الواو فى التنزيل: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ﴾ و ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ ومثال الياء: ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ﴾ فالمحذوف من ترونّ وترينّ عين الفعل ولامه، فعينه همزة، ولامه ياء، وذلك أن الهمزة التى فى «رأيت» اعتزمت العرب على حذفها من أرى ونرى ويرى وترى، فلم يقولوا: نرأى ولا ترأى، إلاّ فى ضرورة، كما قال:
أرى عينىّ ما لم ترأياهكلانا عالم بالتّرّهات
فأصل ترونّ وترينّ قبل اتصالهما بنون التوكيد، وقبل اعتزام العرب على
حذف/عينهما: ترأيون وترأيين، بوزن تفعلون وتفعلين، فحذفت العين التى هى الهمزة بعد إلقاء فتحتها على الراء، فصار إلى تريون وتريين، بوزن تفلون وتفلين، فاستثقلت الضمّة على ياء تريون، والكسرة على ياء تريين، فحذفت الحركتان منهما، فسقطت الياءان لمّا سكنتا وبعدهما واو الضمير وياؤه ساكنتين، فبقى ترون وترين، بوزن تفون وتفين.
فأمّا ترون، فإنه لما اتصل بنون التوكيد سقطت النون التى هى علامة رفعه، فصار ترونّ، بواو ساكنة ونون مشدّدة، فلم يجز أن تحذف الواو لالتقاء الساكنين؛ لأن قبلها فتحة، فلو حذفت لم يدلّ عليها دليل، فلما امتنع حذفها وجبت حركتها لالتقاء الساكنين؛ فحرّكت بالضمّة، فقيل: ترونّ، بوزن تفونّ.
وأمّا ترين، فإن النون التى هى علامة الرفع سقطت لدخول الجازم الذى هو «إمّا» فبقى: تري، بوزن تفي، فلمّا اتّصلت به نون التوكيد لم يجز حذف الياء لالتقاء الساكنين؛ لأنها لو حذفت مع انفتاح ما قبلها عدم دليل عليها، فحرّكت حينئذ بالكسر، فصار: ترينّ، بوزن تفينّ. فأحسن تأمّل ما ذكرته، فقد بالغت فى إيضاح المسئول عنه، بتوفيق الله.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع