من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
فصل (١٣)
قول الله تعالى: ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يحتمل عامل النصب فى ﴿خالِدِينَ﴾ على الحال وجهين، أحدهما: أن يكون ناصبه ما فى ﴿أُولئِكَ﴾ من معنى أشير، فتكون الحال على هذا حالا مقدّرة، مثلها فى قوله: ﴿فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ أى مقدّرين الخلود.
والوجه الآخر: أن تنصب ﴿خالِدِينَ﴾ بأصحاب، فلا تكون حالا مقدّرة، كأنه قيل: أولئك مالكو الجنّة خالدين فيها.
/وأمّا قوله: ﴿جَزاءً﴾ فيحتمل أن يكون مصدرا وقع موضع مجزيّين، فيكون حالا من الضمير فى ﴿خالِدِينَ﴾ لأن المصادر قد تقع أحوالا فى مواضع أسماء الفاعلين والمفعولين، فاسم الفاعل كقولك: جاء زيد مشيا، تريد ماشيا، واسم المفعول كقولهم: «قتلوه صبرا» أى مصبورا.
ويحتمل ﴿جَزاءً﴾ أن يكون مصدرا مؤكّدا، أى يجزون الخلود فى الجنة جزاء بأعمالهم.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ﴾ العامل فى الظّرف الذى هو ﴿يَوْمَ﴾ قول مضمر عامل فى موضع الجملة، فالتقدير: ويوم يعرض الذين كفروا على النار نقول: أليس هذا بالحقّ.
ومثله فى إضمار العامل في الظّرف، وإن لم يكن قولا، إضماره فى قوله ﷿: ﴿حَتّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ثم قال: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ﴾ قيل: التقدير: الآن آمنت، ومثله ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ وقد قدّمت ذكر إضمار القول فى التنزيل، فى أكثر مواضعه.
ومن أغرب ما جاء من ذلك قوله فى سورة الواقعة، وقد ذكرته فيما سلف، وهو قوله: ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ أى تندمون ﴿إِنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أى تقولون إذا رأيتم زرعكم حطاما لا حنطة فيه: إنا لمغرمون، فهذا من الغرم، أى لمثقلون دينا ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾.
وقد قيل إن معنى ﴿لَمُغْرَمُونَ﴾ لمعذّبون عذابا لازما، من قوله: ﴿إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً﴾ والوجه ما ذكرته هاهنا، وإن كان ما قدّمته قول أهل العلم بالتفسير.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنّاكُمْ فِيهِ﴾ اختلف فى «إن» هذه، فزعم قطرب أنها بمعنى «قد» وزعم الأخفش أنها زائدة، وقوله أمثل من قول قطرب.
/وقال غيرهما: إنها نافية، مثلها فى قوله تعالى: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا﴾ وهذا القول أسدّ ما قيل فيها؛ لأن «ما» بمعنى الذى، والمعنى: ولقد مكنّاهم فى الذى ما مكنّاكم فيه، فهذا مطابق لقوله ﷿: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وقوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ﴾ وقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيّامَ اللهِ﴾.
اختلف فى جزم ﴿يَقُولُوا﴾ و ﴿يَغُضُّوا﴾ و ﴿يَغْفِرُوا﴾ فذهب الأخفش إلى أنهنّ أجوبة ﴿قُلْ﴾ وذهب غيره إلى أنهنّ أجوبة أمر آخر مضمر، تقديره: قل لعبادى: قولوا التى هى أحسن يقولوا، وقل للمؤمنين: غضّوا من أبصاركم يغضّوا، وقل للذين آمنوا: اغفروا للذين لا يرجون أيام الله يغفروا، وهذا أوجه القولين، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾.
والذى يوضّح إضمار أمر آخر، أن «قل» لا بدّ له من جملة تحكى به، فالجملة المحكيّة به هى التى ذكرناها، لأن أمر الله لنبيّه بالقول ليس فيه بيان لهم بأن
يقيموا الصلاة حتى يقول لهم النبيّ: أقيموا الصلاة، فلا يجوز أن تكون هذه المجزومات أجوبة لقل.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع