من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
فصل (١١)
قول الحباب بن المنذر الأنصارىّ: «أنا جذيلها المحكّك، وعذيقها المرجّب» الجذيل: تصغير الجذل، وهو أصل شجرة يغرز فى حائط، فتحتكّ به الجربى من الإبل، فأراد أنه يستشفى برأيه، كما تستشفى الإبل بالاحتكاك بالجذل.
/والعذق بفتح العين: النخلة، والعذق بكسرها: الكباسة، ومراده هاهنا النخلة. وأصل التّرجيب: التعظيم، يقولون: إنّ فلانا لمرجّب، أى معظّم، ومنه اشتقاق «رجب» لأنهم كانوا يعظّمونه، والتّرجيب أيضا: الدّعم، وكانوا إذا مالت النخلة الكريمة رجّبوها، دعموها لئلاّ تسقط.
والأفكل: الرّعدة.
والأجدل: الصّقر.
والحضب فى بيت العجّاج: الحيّة.
والصّيد: داء يصيب البعير فى عنقه فيميلها، ويسيل من أنفه ماء أصفر.
ويقال: أغيلت المرأة، وأغالت: إذا أرضعت ولدها وهى حامل، وذلك مذموم؛ لأنه يضعف المرضع، ويسمّى اللّبن الذى يسقاه: الغيل.
المجلس الموفى الستّين
يتضمّن [ذكر] الخلاف فى «نعم وبئس» بين البصريّين وبين الفرّاء
وأصحابه.
أجمع البصريّون من النحويّين على أن «نعم وبئس» فعلان، وتابعهم علىّ بن حمزة الكسائىّ.
وقال أبو زكريا يحيى بن زياد الفرّاء: هما اسمان، وتابعه أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب، وأصحابه، على اسميّتهما، وإن كان لهما لفظ الفعل الماضى، وذلك لأنهما نقلا إلى المدح والذمّ عن النعمة والبؤس اللذين يكون فيهما نعم وبئس فعلين، كقولهم: نعم الرجل: إذا أصاب نعمة، وبئس: إذا أصاب بؤسا.
واحتجّ الفرّاء بقول العرب: ما زيد بنعم الرجل، وبقول حسّان بن ثابت:
ألست بنعم الجار يؤلف بيتهأخا قلّة أو معدم المال مصرما
وبقول بعض فصحاء العرب: «نعم السّير على بئس العير»، فدخول الباء و «على» عليهما يحقّق لهما الاسميّة.
وقال أبو بكر محمد بن القاسم بن بشّار الأنبارىّ: سمعت أحمد بن يحيى يحكي/عن سلمة بن عاصم، عن الفرّاء: أن أعرابيّا بشّر بابنة ولدت له، فقيل له: نعم الولد هى! فقال: والله ما هى بنعم الولد، نصرها بكاء، وبرّها سرقة، فهذا أحد احتجاجاتهم.
وقال أبو بكر بن الأنبارىّ، فى كتابه الذى لقبه «بالواسط»: ممّا يؤيّد قول الفراء قول العرب: «يا نعم المولى ويا نعم النصير» فنداؤهم «نعم» يدلّ على الاسميّة فيها؛ لأن الفعل لا ينادى.
جواب البصريّين: قالوا: ليس فيما أوردوه من دخول حرف الجرّ على «نعم وبئس» حجّة؛ لأنه مقدّرة فيه الحكاية، وقد دخلت الباء فى هذا التقدير على فعل لا شبهة فيه، وذلك فى قول الراجز:
والله ما ليلى بنام صاحبهولا مخالط اللّيان جانبه
فيجب أن يحكموا للفعل الذى هو «نام» بالاسميّة لدخول الباء عليه، وليس ذلك من قولهم، وإذا كان الجارّ قد دخل على «نام» وهو فعل بإجماع، فكذلك لا يكون «نعم وبئس» اسمين بدخول الجارّ عليهما، ولولا ما ذكرته لك من تقدير
الحكاية فيما تعلّقوا به، وفى البيت الذى أوردته، لم يسغ دخول حرف الجرّ على «نعم وبئس» و «نام» ولكن التقدير: نعم السّير على عير مقول فيه، أو يقال فيه: بئس العير.
وكذلك قول حسّان، التقدير فيه: ألست بجار مقول فيه: نعم الجار، ومثل ذلك التقدير فى البيت الذى ذكرته: ما ليلى بليل مقول فيه: نام صاحبه، ولكنهم حذفوا هذه الموصوفات، وأقاموا أوصافها مقامها، كما حذف الموصوف فى قوله تعالى: ﴿أَنِ اِعْمَلْ سابِغاتٍ﴾ وقوله: ﴿وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ أراد: دروعا سابغات، ودين الأمّة القيّمة، أو الملّة القيّمة، فصار التقدير: نعم السير على مقول فيه: بئس العير، وأ لست بمقول فيه: نعم الجار، وما ليلى بمقول فيه: نام صاحبه، /ثم حذفوا الصّفة التى هى مقول، وأوقعوا المحكيّ بها موقعها؛ لأن القول قد كثر استعماله محذوفا كثرة استعماله مذكورا، فوليت الجملة حرف الجرّ على هذا التقدير، كما وليت المضاف فى قول القائل:
مالك عندى غير سوط وحجروغير كبداء شديدة الوتر
جادت بكفّى كان من أرمى البشر
أراد: بكفّى رجل كان من أرمى البشر، فحذف الموصوف بالجملة،
وأقامها مقامه، فوقعت الإضافة إلى الفعل لفظا، كما دخل الجارّ عليه فى اللفظ، وهو فى التقدير داخل على غيره.
ونظير ذلك فى وقوع الجملة الاستفهاميّة وصفا فى شعر قديم، والاستفهام ممّا لا يسوغ الوصف به، كما لا يجوز الوصل به، والصّفة محمولة على الصّلة، من حيث كانت الصفة موضّحة للموصوف، كإيضاح الصّلة للموصول، وإنما استحال الوصف بالاستفهام لما فيه من الإبهام، ولكنه وقع صفة مقدّرا فيها الحكاية، فى قول الراجز:
أقبلت أسعى معهم وأختبطحتى إذا جنّ الظّلام المختلط
جاءوا بضيح هل رأيت الذّئب قط
أى يقول من رآه: هل رأيت الذئب قطّ؟ والمعنى: جاءوا بلبن ممذوق أغبر فى لون الذّئب.
والضّيح يضرب لونه إلى الخضرة والطّلسة.
ومثل ذلك إيقاع الآخر الجملة الأمريّة حالا فى قوله:
بئس مقام الشّيخ أمرس أمرس
أراد: بئس مقام الشيخ مقولا له: أمرس أمرس، ذمّ مقاما يقال له ذلك فيه.
ومعنى أمرس أمرس: أعد أعد الحبل إلى موضعه من البكرة، يقال: مرس الحبل: إذا وقع فى أحد جانبي البكرة، وأمرسته: إذا أعدته إلى مكانه منها.
فقد ترى هذه الأشياء كيف وقعت لسعة اللّغة، فى غير مواقعها، ووليت ما ليس/من شأنها أن تليه، وحسّن ذلك شيئا، ما ذكرته لك من اتّساع إضمار القول، حتى إنه فى الإضمار بمنزلته فى الإظهار، ألا ترى إلى كثرة إضماره فى الكتاب العزيز، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ﴾ أى يقولون: ما نعبد هؤلاء الآلهة إلاّ للقربة إلى الله، وكقوله:
﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أى يقولون ذلك، وكقوله: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ. إِنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أى يقولون: إنّا لمغرمون، أى معذّبون. وتفكّهون: تندمون، وكقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ﴾ أى: فيقال لهم: أكفرتم؟ وكقوله: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا﴾ التقدير: يقولون: ربّنا أبصرنا وسمعنا، ومثله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾ أى يقولان ذلك.
فلما اتّسع حذف القول فى كلامهم، استحسنوا إيقاعه على هذه الأشياء محذوفا.
فقد بان لك بما ذكرته، واتّضح بما قررته أن الذى تشبّثوا به من دخول الجارّ
على «نعم وبئس» ليس بحجّة يستند إليها، ولا يعوّل عليها.
وأمّا احتجاجهم بقول العرب: «يا نعم المولى ويا نعم النصير» فالقول فيه أن المقصود بالنداء محذوف للعلم به، فالتقدير: يا الله نعم المولى ونعم النصير أنت، فحذفوا المنادى، إذ كان حرف النداء دليلا عليه، كما حذفوا حرف النداء لدلالة المنادى عليه فى نحو:
أوفى على الماء كعب ثم قيل لهرد كعب إنّك ورّاد فما وردا
أراد: يا كعب، ومثله فى التنزيل: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا﴾ و ﴿فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي﴾.
ومثل قولهم: «يا نعم المولى» فى إيلاء حرف النّداء الفعل قول ذى الرمة:
/ألا يا اسلمى يا دارميّ على البلىولا زال منهلاّ بجرعائك القطر
وقول الآخر:
ألا يا اسلمى يا هند هند بنى بدروإن كان حيّانا عدى آخر الدّهر
أراد: ألا يا هذه اسلمى، ومثله للنّمر بن تولب:
*فقالت ألا يا اسمع أجبك بخطّة
وعلى هذا قرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع المدنيّ، وأبو الحسن علىّ بن حمزة الكسائى: ﴿أَلاّ يَسْجُدُوا لِلّهِ﴾ على الأمر بالسجود، وخفّفا اللام من «ألا» لأنهما جعلاه استفتاحا، دخل على جملة ندائيّة، فالتقدير: ألا يا هؤلاء اسجدوا، ولكن حذف المنادى لدلالة الكلام عليه، وحذف ألف «يا» من اللفظ لسكون السين، ثم حمل الخطّ على اللفظ، فحذفت الألف خطّا كما حذفت لفظا، فإن وقفت على حرف النداء وقفت «ألا يا» ثم ابتدأت: اسجدوا.
فقد علمت بهذه الشواهد أن الذى اعتقدوه من نداء «نعم» ليس بصواب.
وممّا يشهد شهادة قطع بفعليّة «نعم وبئس» اتصالهما بتاء التأنيث الساكنة التى ليس أحد من العرب يقلبها هاء، كما فعلوا ذلك فى تاء غرفة وغزالة وظريفة، إذا وقفوا عليهنّ، وذلك قولهم: نعمت جارية هند، وبئست حاضنة جمل، ألا ترى أن هذه التاء مخصوص بها الماضى لا تتعدّاه، فلا يسوغ الحكم باسميّة ما اتصلت به.
جواب الفرّاء ومن تابعه فى هذه المسألة، يتضمّن اعتراضين واحتجاجات ثلاثة.
قالوا: إنما ولى حرف النداء من الفعل ما كان أمرا لمواجه، أو ما جرى مجرى الأمر، ولم يله فيما علمناه فعل خبريّ، وإنما حسّن حذف المنادى إذا صاحبه الأمر شيئان:
/أحدهما: أن المنادى مخاطب والمأمور مخاطب، والخطاب فى الجملتين الندائيّة والأمريّة يتوجّه إلى واحد، فحذفوا الاسم الأول من الاسمين المخاطبين استغناء بالثانى، والدليل على أن المنادى مخاطب أنك إذا وصفته بالاسم الموصول جاز أن تعيد إلى الموصول ضمير الخطاب، كقول أبى النجم العجلىّ:
يا أيّها الذّكر الذى قد سؤتنىوفضحتنى وطردت أمّ عياليا
وكقول الآخر:
ألا أيّ هذا المنزل الدارس الذىكأنّك لم يعهد بك الحيّ عاهد
ونظير ذلك عود ضمير المتكلّم إلى الموصول إذا أوقع الموصول خبرا عن ضمير متكلّم، كقول أمير المؤمنين ﵇:
أنا الذى سمّتن أمّى حيدره
فهذا أحد الأمرين اللذين حسن لهما حذف المنادى.
والثانى: أن النداء يصحب فى الأكثر الأغلب الأمر، وما جرى مجراه من الطّلب والنّهى، فلذلك قلّ فى القرآن نداء لا تصحبه جملة أمريّة أو نهييّة، فاتسعت مصاحبته للأمر والنهى جدّا، كقوله: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اُعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ و ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اِتَّقِ اللهَ﴾ و ﴿يا عِبادِ فَاتَّقُونِ﴾ ﴿وَيا قَوْمِ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ و ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ و ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾ و ﴿يا هامانُ اِبْنِ لِي صَرْحاً﴾.
وربّما تقدمت جملة الأمر جملة النّداء كقوله: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ ولمّا جاءت جملة الخبر بعد النداء شفعتها جملة الأمر فى قوله تعالى:
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ فلمّا كان النداء والأمر جملتى خطاب تصطحبان أبدا حسن حذف أحد الجزأين من الجملة الأولى للدلالة عليه، فى نحو قوله: «ألا يا اسلمى» وقول الآخر «ألا يا اسمع» وليس كذلك قولهم: «يا نعم المولى» لأن «نعم/المولى» خبر، فلا يسوغ تقدير المنادى فيه محذوفا، كما ساغ ذلك فى نحو: «ألا يا اسمع» و «ألا يا اسلمى» وعلى أن ذا الرّمّة لمّا حذف المنادى من الجملة الأولى ذكره فى جملة النداء الأخرى، فقال: «يا دارمىّ» ليدلّ به على المحذوف، وكذلك قول الآخر: «ألا يا اسلمى يا هند» فليس فيما استشهدتم به حجّة قاطعة.
وأمّا استدلالكم بأن تاء التأنيث التى ليس أحد من العرب يبدل منها فى الوقف هاء، مخصوص بها الماضى من الفعل، فغير مقبول؛ لأنها قد اتّصلت بالحرف فى قولهم: ربّت وثمّت، قال هبيرة بن أبى وهب:
ثمّت رحنا كأنّا عارض بردوقام هام بنى النّجّار يبكيها
وقال آخر:
ثمّت قمنا إلى جرد مسوّمةأعرافهنّ لأيدينا مناديل
وقال آخر:
ماوىّ بل ربّتما غارةشعواء كاللّذعة بالميسم
فقد نقض لحاقها للحرف الأصل الذى بنيتم عليه، فما الذى يبعد أن يكون «نعم وبئس» اسمين، لحقتهما هذه التاء كما لحقت ربّ وثمّ، وكان اتّصالها بالاسم شاذّا، كاتصالها بالحرف، هذا على أن «نعم وبئس» ليست التاء لازمة لهما بوقوع المؤنّث بعدهما، كما تلزم الأفعال الماضية، ألا ترى أن قولك: قام المرأة وجلس الجارية، ممتنع فى سعة الكلام، وقبيح استعماله فى الشّعر مع الفصل، كقوله:
*لقد ولد الأخيطل أمّ سوء
وكقول الآخر:
إنّ امرأ غرّه منكنّ واحدةبعدى وبعدك فى الدّنيا لمغرور
وقولنا: نعم المرأة، وبئس الجارية، حسن يقوله أكثر العرب، وهذا دليل على انتقالهما عن الفعلية، بدخولهما فى باب المدح والذمّ، وإنما ألحقهما التاء من/ قال: نعمت الجارية، وبئست الخصلة، مراعاة لأصلهما.
ثم نستدلّ بعد ما قدّمناه على أنهما اسمان بثلاثة أشياء، أحدها: ما جاء عن العرب من قولهم: نعيم الرجل زيد، وليس فى أمثلة الأفعال فعيل، ألبتّة.
والثانى: أنهما غير متصرّفين، فقد فارقا وباينا، بعدم تصرفهما، الأفعال.
والثالث: أنهما لو كانا على أصلهما من الفعليّة لحسن اقتران الزّمان بهما، كسائر الأفعال، ولما لم يقولوا: نعم الرجل غدا، علم أن مذهب الفعليّة قد زايلهما.
هذا الاستدلال والذى قبله ذكرهما أبو بكر الأنبارىّ فى [كتابه الذى سمّاه] (الواسط).
جواب البصريّين، يتلوه باقى حججهم: أمّا قولكم إنه لم يأت من الفعل ما ولى حرف النداء إلاّ أمر المواجه، فلا فرق بين الفعل الأمرىّ والخبرىّ فى استحالة وقوع كلّ واحد منهما بعد حرف النداء، إلاّ أن يفصل بينهما فى التقدير اسم، فيتوجّه النداء إليه، كما أنّ الفعل غير جائز أن يلى الفعل، إلاّ أن يحجز بينهما فاعل فى النّية، كقولك: زيد ليس يخرج، وعبد الله كان يزورك، فالفعلان متلاصقان لفظا ومنفصلان تقديرا، فليس ما ألزمتمونا من مجىء الخبر بعد حرف النداء بواجب، على أنه قد وليت الجملة الخبريّة حرف النداء، بتقدير حذف المنادى، من قوله:
يا لعنة الله والأقوام كلّهموالصالحين على سمعان من جار
أراد: يا هؤلاء، لعنة الله على سمعان، فهذا فى كونه جملة خبريّة بمنزلة:
نعم المولى.
ونقول بعد: قد اتّفقنا وإيّاكم على أن الجمل لا تنادى، وأجمعنا على أنّ قولنا: نعم الرجل، جملة، وإن اختلفنا فى نعم، فحكمنا بأنها فعل، وحكمتم بأنها
اسم، وإذا كان قولنا: يا زيد منطلق، ممتنعا، فكذلك يمتنع: يا نعم الرجل، إلاّ أن تريد: يا هذا نعم الرجل أنت، على ما قدّرناه فى قولهم: يا نعم المولى.
وإذ قد ثبت هذا، علم أن الذى/ذهبتم إليه لا يستقيم على وجه.
وأمّا قولكم: إن النداء الذى لم تصحبه جملة أمريّة أو نهييّة ليس بمتّسع فى القرآن، فغير صحيح، بل مجىء الجمل الاستفهامية والخبرية مع النداء، يكثر كثرة مجىء الأمر والنهى، كقوله تعالى فى الخبر: ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ و ﴿يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً﴾ و ﴿يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ﴾ و ﴿يا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً﴾ و ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللهِ﴾.
وقال فى الاستفهام: ﴿يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ﴾ و ﴿يا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ﴾ و ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ و ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ فقد تكافأت هذه المعانى فى الكثرة، فليس لبعضها مزيّة على بعض.
وأما اعتراضكم بربّت وثمّت، فمدفوع مردود، لأنّ هذه التاء، وإن كانت للتأنيث، ولم تنقلب فى الوقف، ليست التاء فى نعمت، من حيث كانت
مباينة لها من وجهين، أحدهما: أن التاء التى فى قولك: قامت المرأة، لحقت الفعل لتأنيث الاسم المسند إليه الفعل، وعلى هذا الحدّ لحقت «نعم وبئس»، والتاء التى فى ربّت وثمّت، لحقت لتأنيث الحرف نفسه، لا لتأنيث جزء آخر، وكأنهم آثروا تأنيث شيء من الحروف، كما آثروا ذلك فى الظّروف، فأنّثوا قدّاما وأماما ووراء، ودلّوا على تأنيثهنّ بظهور الهاء فى قوله: «قديديمة التجريب» وفى نحو:
جلست أميمة زيد، وقمت وريّئة أخيك، فهذا فرق.
والفرق الآخر: أن التاء اللاحقة للفعل، أحد أوصافها السكون، والتاء اللاحقة هذين الحرفين، وإن كانت لا تنقلب فى الوقف، ليست موافقة للتاء فى قولك: قامت ونعمت، فى سكونها.
وأمّا اعتراضكم بأن التاء لا تلزم «نعم وبئس» مع وقوع المؤنّث بعدهما، فليس/بصحيح؛ لأنها تلزمهما فى لغة شطر العرب، كلزومها باب قام، فلا فرق عندهم بين نعمت المرأة وقامت المرأة، وإنما استحسن حذفها الذين قالوا: نعم
المرأة، وإن لم يجز عندهم: قام المرأة، إلاّ مع الفصل فى الشّعر؛ لأن المرأة فى قولهم: نعم المرأة، واقعة على الجنس وقوع الإنسان على الناس، فى قوله تعالى:
﴿وَإِنّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾ ألا ترى أنه قال بعد فى الآية الأولى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ﴾ وقال فى الآية الثانية: ﴿إِلاَّ الْمُصَلِّينَ﴾ ولو قلت: قام زيد إلاّ إخوتك، كان محالا؛ لأن حدّ الاستثناء عكس هذا.
وإذا كان ما يرتفع بنعم وبئس واقعا على الفريقين، وكان التقدير فى قولنا: نعم الرجل زيد، وبئس الغلام خالد: زيد محمود فى الرجال، وخالد مذموم فى الغلمان، فمعلوم أن أسماء الأجناس والجموع تذكّر أفعالهما وتؤنّث، كما جاء فى آية ﴿إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ﴾ وفى أخرى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ﴾ وجاء فى وصف اسم الجمع:
﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾، و ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ فذكّر فعل الجمع وأنّث، وذكّرت صفة [اسم] الجنس وأنّثت، فنعم المرأة إذن بمنزلة ﴿وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ ونعمت المرأة بمنزلة قول الشاعر:
آمت نساء بنى أميّة منهموبناتهم بمضيعة أيتام
ولهذه العلّة أسقط العلامة فى هذا الباب من أسقطها، وإذا كانوا قد أسقطوها فى حال السّعة من فعل المؤنّث الحقيقىّ، فى قولهم: حضر القاضى اليوم امرأة، فليس بمستنكر سقوطها من فعل المؤنّث الواقع على الجنس، وقد قالوا:
ما قام إلاّ هند، وما خرج إلاّ المرأة، فاختاروا طرح العلامة، فلم يثبتوها إلاّ لضرورة شعر.
فإن قلتم: إنما طرحت العلامة فى هذا، تنبيها على المعنى، لأن التقدير:
ما قام أحد/إلاّ هند، وما خرج أحد إلا المرأة.
قلنا: كذاك هو، ولكنّ اللفظ على أنّ هندا والمرأة غير بدل، وإن كان المعنى على أنهما مبدلتان من «أحد» المقدّر، كما أن اللفظ على أن عرقا، فى قولنا:
تصبّبت عرقا، غير فاعل، والمعنى على أنه فاعل.
فهذا كلّه ممّا يزيل الاستيحاش من قولهم: نعم المرأة، ويدلّ على أن «نعم» لا يكون بحذف العلامة منه منتقلا عن الفعليّة.
وأمّا استدلالكم بقولهم: نعيم الرّجل زيد، فهذا ممّا رواه قطرب وحده.
وإذا صحّ ذلك عن العرب، فليس بحجّة لكم، لأن «نعم» أصله نعم، مثل علم، وكلّ ما جاء على مثال فعل وثانيه حرف حلقىّ، فلهم فيه أربعة أوجه، أحدها: استعماله على أصله كفخذ، وقد ضحك.
والثانى: إسكان عينه وإقرار فائه على الفتح، تقول: [فخذ]، وقد ضحك زيد.
والثالث: إتباع فائه عينه فى الكسر، تقول: فخذ، وقد ضحك.
والرابع: إسكان عينه بعد كسر فائه، تقول: فخذ، وقد ضحك بكر.
وقرأ بعض القرّاء: «فنعمّا هي» بفتح النون وكسر العين، وقرأ آخرون:
﴿فَنِعِمّا﴾ بكسرهما، وقرأ يحيى بن وثّاب: ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ بفتح النون وسكون العين، وأنشدوا لطرفة:
ففداء لبنى قيس علىما أصاب الناس من سرّ وضرّ
ما أقلّت قدمى إنّهمنعم السّاعون فى الأمر المبرّ
وإذا ثبت هذا فالياء فى قولهم: نعيم الرجل، إشباع، كما أشبع الفرزدق كسرة الراء من الصيارف، والهاء من الدراهم، فنشأت عن الكسرة الياء، فى قوله:
/تنفى يداها الحصى في كلّ هاجرةنفى الدّراهيم تنقاد الصّياريف
وكما أشبع الآخر الضّمّة، فنشأت عنها الواو، فى قوله:
من حيث ما سلكوا أدنو فأنظور
أراد: فأنظر، وأنشد أبو علىّ وغيره:
عيطاء جمّاء العظام عطبولكأنّ في أنيابها القرنفول
وكما أشبع الآخر الفتحة فنشأت عنها الألف، فى قوله:
وأنت من الغوائل حين ترمىومن ذمّ الرجال بمنتزاح
أراد بمنتزح، أى بمكان نازح، فمنتزح مفتعل من النّزوح، ومثله لعنترة:
ينباع من ذفرى غضوب جسرة
أراد ينبع، يعنى العرق، فأشبع فتحة الباء.
وأمّا احتجاجكم بعدم التصرّف فى هاتين اللفظتين، وأنّ العرب لم يقرنوا بهما الزمان، فيقولوا: نعم الرجل أمس، ولا نعم الرجل غدا.
فالجواب عن ذلك أنّ امتناعهما من الاقتران بأمس، لكم أن تتعلّقوا به؛ لأنهما عندنا فعلان ماضيان، وأمّا امتناعهما من الاقتران بغد، فغير مستنكر ذلك فى الأفعال الماضية، فما أبعد من الصواب استنكاركم أنّ العرب لم تقل: نعم الرجل غدا، حتى جعلتم ذلك حجّة لكم، وبجح به أبو بكر محمد بن القاسم، فضمّنه
كتابه، وإنما امتنع «نعم وبئس» من الدلالة على الزّمان الماضى، وسلبا التصرّف، فلم يصوغوا منهما مضارعا، ولا اشتقّوا من لفظهما اسم فاعل؛ لأن «نعم» موضوع لغاية المدح، «وبئس» موضوع لغاية الذّمّ، فجعلت دلالتهما على الزّمان مقصورة على الآن؛ لأنك إنما تمدح أو تذمّ بما هو موجود فى الممدوح أو المذموم، ولا تمدح ولا تذمّ بما كان فزال، ولا بما سيكون ولم يقع، فلذلك استحال اقترانهما بالزمان الماضى، وبعدا غاية البعد من المستقبل، فلم يبنوا لهما مضارعا؛ لأن المضارع إنما يتكلّف [له] فى بنائه زيادة حروف المضارعة، للحاجة إلى دلالته على الزمان الحاضر أو المستقبل، فإذا كان «نعم وبئس» وهما على لفظ المضىّ قد أفادا الدلالة على الحاضر من الزمان باقتضاء المعنى، وكان المدح والذمّ/بما لم يقع مستحيلين، وجب أن لا يصاغ لهما مضارع؛ لأن الاحتياج إلى اشتقاق المضارع قد سقط، ومن هاهنا وجب أن لا يبنى منهما اسم فاعل؛ لأنّ اسم الفاعل لا يعيّن الزّمان؛ ألا ترى أنك إذا قلت: زيد ضارب جعفر، جاز أن يكون ضربه فى وقت إخبارك، وجاز أن يكون ماضيا، وجاز أن يكون متوقّعا، فلمّا كان عامّا للأزمنة الثلاثة استحال بناؤه منهما.
فقد وضح بهذه الجملة أنّ هذين الفعلين، إنما جمدا بنقلهما إلى معنى لم يكن لهما فى أصل وضعهما، فترك تصريفهما للمعنى المراد بهما، فليس عدم تصرّفهما بدليل على انتقالهما عن الفعليّة.
وإذا كان كذلك علم أنّ ما أخلدتم إليه ليس بدليل يعوّل عليه
هذا على أنّ لنا حجّة ثانية وثالثة ورابعة.
فالثانية: ما رواه الكسائىّ، من اتصال الضمير بهما على حدّ اتصاله بالفعل المتصرّف، وذلك فى قولهم: نعما رجلين، ونعموا رجالا.
والثالثة: بناؤهما على الفتح من غير عارض لهما، فمن ادّعى أنهما اسمان لزمه أن يوضّح العلّة فى فتحهما.
والرابعة: أنهما رافعان ناصبان، يرفعان المعارف، من نحو: ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ و ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ﴾ وينصبان النّكرات، من نحو: زيد نعم رجلا و ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً﴾ فنعم الرجل، بمنزلة كرم الرجل، وفلان بئس رجلا، بمنزلة لؤم رجلا.
فهذه أدلّة كلّها تشهد لهما بانتفاء الاسميّة، ورسوّ قدمهما فى الفعليّة. وبالله التوفيق.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع