تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

المجلس الثانى والسبعون ذكر مواضع تاء التأنيث التى تنقلب فى الوقف هاء

فمن ذلك دخولها للفرق بين المذكّر والمؤنّث، فى الصّفات وغيرها، فالصّفات كفاضل وفاضلة، ومحبوب ومحبوبة، وظريف وظريفة، ومكّىّ ومكّيّة، وأشر وأشرة، وقتّال وقتّالة، ومطراب ومطرابة.

وغير الصفات كمرء ومرأة، وامرئ وامرأة، ألحقوهما ألف الوصل، كما فعلوا ذلك فى ابن وابنة، وأصلهما بنو وبنوة، وقيل: بل بنى وبنية؛ لأنّ الابن مبنيّ على أبيه، فحذفوا لاميهما وأسكنوا فاءيهما واجتلبوا لهما همزة الوصل عوضا ممّا حذف منهما، كما فعلوا ذلك فى اثنين واثنتين واسم واست.

فإن قيل: فامرؤ وامرأة لم يدخلهما حذف، فما الذى أوجب اجتلاب/ همزة الوصل لهما؟

قيل: إنّ الهمزة حرف عليل، يحذف لاستثقاله تارة، ويبدل تارة، ويليّن تارة، فهو موجود كمعدوم، والألف واللام لا يدخلان على امرئ وامرأة، استثقالا لكسرة لام التعريف فيهما لو قالوا: الامرؤ والامرأة، ولم يستثقلوا المرء والمرأة، وفى التنزيل: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ وقد ألحقوا الرّجل الهاء، فقالوا: رجلة، قال:

خرّقوا جيب فتاتهملم يبالوا حرمة الرّجله

وكذلك قالوا: شيخ وشيخة، وغلام وغلامة، قال:

ومركضة صريحيّ أبوهاتهان لها الغلامة والغلام

وقال الآخر:

كأنّها شيخة رقوب

الرّقوب من النّساء: التى لا يعيش لها ولد، ومثلها المقلات، وقالوا فى ذوات الحافر: برذون وبرذونة، وبغل وبغلة، وحمار وحمارة، ومن السّباع: ذئب وذئبة، وكلب وكلبة، وأسد وأسدة، ومن الطير: قمريّ وقمريّة، ومن ذوات.

الخفّ: بختىّ وبختيّة، ألحقوا فى هذه الأسماء وفيما قدّمته من الصّفات وفى نظائرهما التاء علما للتأنيث، وكان المؤنّث أحقّ بأن تلحقه العلامة؛ لأن المذكّر هو الأصل، والقياس أن الأصل لا يحتاج إلى علامة.

والضّرب الثانى: عكس هذا الضّرب، وذلك إلحاقهم تاء التأنيث اسم العدد من الثلاثة إلى العشرة، علامة للتذكير، وحذفهم إياها علامة للتأنيث، كقولهم:

ثلاثة رجال، وثلاث نسوة، وأربعة أحمرة، وأربع آتن، وخمسة أبغل، وخمس بغلات، وستّة أثواب، وستّ ملاحف، وعشرة أرطال، وعشر أواق، كما جاء فى التنزيل، فى العدد المضاف إلى جمع الذكور: ﴿لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾، وجاء/بعكسه: ﴿فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللهِ﴾ وقال: ﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾، وقال فى عدد اللّيالى:

﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ﴾ وعلّة ذلك أن أسماء العدد الخالية من علامة التأنيث كذوات العلامة فى التأنيث، فثلاث كأتان وعناق، كما أنّ ثلاثة كزرافة وبغاثة.

وإذا عرفت هذا فالأصل فى التأنيث أن تكون له علامة، فتأنيث أتان وعناق فرع على تأنيث حمامة وقطاة، ولمّا كان إلحاق علامة التأنيث أصلا، والتذكير أصلا

للتأنيث، أعطوا المذكّر الذى هو الأصل إلحاق علامة التأنيث الذى هو أصل، فأثبتوها علما للتذكير فى هذا الضّرب من العدد.

الزّرافة: الجماعة؛ قال:

طاروا إليه زرافات ووحدانا

والبغاثة: واحدة البغاث، وهو ما لا يصيد من الطير، ولا يمتنع أن يصاد، قال:

بغاث الطّير أكثرها فراخاوأمّ الصّقر مقلات نزور
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «ترى الرجل النحيف فتزدريه»

قد تقدّم تفسير المقلات، والنّزور: فعول من الشىء النّزر، وهو القليل.

والثالث من ضروب التاء: أن تلحق الواحد للفرق بينه وبين الجمع، نحو تمرة وتمر، وشعرة، وشعر، وحمامة، وحمام، وجرادة وجراد، وسحابة وسحاب، وشجرة وشجر، وبقرة وبقر، ونخلة ونخل، ونبلة ونبل، وهذا الضرب إنما هو فى الحقيقة اسم للجمع يدلّ على الجنس، يجوز تذكيره وتأنيثه، فقد وصفوه بالواحد المذكّر،

وبالواحد المؤنّث، ووصفوه بالجمع، فمثال وصفه بالواحد المذكّر قوله تعالى:

﴿وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ﴾، ومثال وصفه بالجمع قوله: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ وقال تعالى فى وصفه بالواحد المؤنّث: ﴿أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾، وبالمذكّر: ﴿أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ و ﴿جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾، و ﴿مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ﴾ /وجاء فى وصفه بالجمع، وبالواحد المذكّر قول النابغة:

واحكم كحكم فتاة الحىّ إذ نظرتإلى حمام شراع وارد الثّمد

قوم يغلطون فيكتبون «واردى الثّمد» بالياء، يريدون: واردين.

الثّمد: الماء القليل الذى لا مادّة له.

وإنما وصفوا هذا الضّرب بالمذكّر؛ لأنه اسم جنس، لا جمع تكسير، ووصفوه بالمؤنّث حملا على معنى الجماعة.

والضّرب الرابع: نقيض هذا الضّرب، وهو أن يدلّ لحاق التاء على الجمع، كقولهم: رجل جمّال ورجال جمّالة، وبغّال وبغّالة، وحمّار وحمّارة، وسيّار وسيّارة، قال الهذلىّ:

حتّى إذا أسلكوهم فى قتائدةشلاّ كما تطرد الجمّالة الشّردا
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «حتى إذا أسلكوهم في قتائدة»

قتائدة: اسم مكان، والبيت آخر القصيدة، فلا يجوز أن تنصب «شلاّ» بأسلكوهم لئلاّ تبقى «إذا» بغير جواب ظاهر ولا مقدّر، ولكن تنصبه بفعل تضمره، فيكون جواب «إذا» فكأنك قلت: حتى إذا أسلكوهم شلّوهم شلاّ، ومثله فى التنزيل: ﴿إِنّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ. وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ أراد: وحفظناها حفظا، ومثله: ﴿وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً﴾.

ومن هذا الضّرب فى أحد القولين قولهم: كمء للواحد، فإذا أرادوا الجمع قالوا: كمأة، وهو الذى حكاه أبو زيد عن منتجع ورؤية بن العجّاج، والقول الآخر نقيضه، وهو يروى عن أبى خيرة الأعرابىّ، قال: الكمأة للواحدة، والكمء للجمع، فكمأة إذن وكمء كنخلة ونخل.

والخامس: لحاق التاء لغير فرق، بل لتكثير الكلمة، وذلك نحو غرفة وبرمة وعمامة وإداوة وقرية وكلية وبهيمة ومدينة وبرّيّة وعلّيّة وموماة ومرضاة.

/والسادس: أن تلحق الكلمة للمبالغة فى المدح والذمّ، كقولهم فى المدح:

رجل علاّمة ونسّابة وراوية للأخبار، وكقولهم فى الذمّ: رجل لحّانة وهلباجة، وهو الأحمق، ومثله جخابة، بوزن غزالة، وكذلك فقاقة، على زنته، وهو الأحمق المخلّط فى كلامه، وقيل فى قوله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ وفى قوله: ﴿ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا﴾ إنّ المراد بالتاء فيهما المبالغة، وكذلك قالوا فى قولهم: خليفة، إن الأصل خليف، والهاء للمبالغة، وقد أشبعت الكلام فى هذا الفنّ فيما قدّمته.

والسابع: إلحاقها لفظ الجمع توكيدا لتأنيثه، وتغليبا للحمل على الجماعة، كما ألحقت نحو ناقة ونعجة، وذلك على ضربين: ضرب تطّرد فيه فتلزمه، وضرب لا تلزمه، فلزومها جاء فى مثالين: أفعلة وفعلة، فأفعلة كأجربة وأقفزة وأرغفة وأغربة، قال:

من فوقه أنسر سود وأغربةوتحته أعنز كلف وأتياس
للشاعر مالك الهذلي، اقرأ القصيدة

وفعلة كإخوة وغلمة وصبية وخصية وعلية، جمع خصيّ وعليّ، ومنه نيرة وجيرة، وقيعة، فى جمع نار وجار وقاع، كما جاء فى التنزيل: ﴿كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ﴾ وقالوا فى جمع شيخ: شيخة.

والضّرب الذى لا تلزمه مثالان أيضا: فعال وفعول، فدخولها فى فعال نحو قولهم: حجارة وجمالة وذكارة وفحالة، وفى التنزيل: ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ وفيه: «كأنّه جمالات صفر» ودخولها فى فعول نحو قولهم فى جمع عمّ وخال وبعل: عمومة وخئولة وبعولة، وفى جمع صقر: صقورة، وقالوا أيضا: فحولة وذكورة، وفى التنزيل: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ وقال الشاعر:

يدفّنّ البعولة والأبينا

وهى فى بعض هذه الكلم أكثر استعمالا، فاستعمالها فى العمومة والخؤولة والبعولة أكثر، وكذلك الحجارة والذّكارة.

/والضّرب الثامن: لحاقها على ما كان من الجمع على مثال مفاعل كيلا للدّلالة على معنى النّسب، كقولهم: المهالبة والأزارقة والأشاعثة والمناذرة، فى النّسب إلى المهلّب بن أبى صفرة، ونافع بن الأزرق، ومحمد بن عبد الرحمن بن الأشعث بن قيس، والمنذر بن الجارود، وكذلك المسامعة والأشاعرة، فى النّسب إلى مسمع

والأشعر، جمعوا المهلّبىّ والأزرقىّ والأشعريّ والأشعثىّ والمنذرىّ والمسمعىّ، بحذف ياء النسب، وعوّضوا منها تاء التأنيث، وقد فعلوا ذلك فى جمع التصحيح، فقالوا: الأشعرون والأشعثون، ونحو ذلك، وعليه جاء فى التنزيل:

﴿وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ قيل: أراد الأعجميّين.

والتاسع: لحاقها ما كان على هذا المثال من الأعجميّة المعرّبة للدّلالة على العجمة، نحو الجواربة والموازجة، جمع الجورب والموزج، وهو الخفّ، وكذلك الطّيالسة والصّوالجة، والكرابجة، جمع الكربج، وهو الحانوت، وأصله بالفارسيّة كربه، كما أنّ الموزج أصله موزه.

وقد جاء فى هذا الضّرب اسمان، اجتمع فيهما ما افترق فى المهالبة والكرابجة من النّسب والعجمة، وهما السّبابجة والبرابرة، فأفادا معنى السّبيجيّين والبربريّين، واحدهم سبيجىّ وبربرىّ، فلحاق تاء التأنيث لهما أوكد من لحاقها لما لم يجتمع فيه المعنيان.

والسّبابجة: قوم من السّند يستأجرون ليكونوا فى السفينة كالبذرقة.

وإنما اجتمع التعريف والنّسب فيما ذكرناه من لحاق تاء التأنيث؛ لاتّفاقهما فى النّقل من حال إلى حال، فالنّسب يصير به الاسم وصفا بعد أن لم يكن كذلك، ويصير به بعد تعريف العلميّة نكرة، والتعريف ينقل الأعجمىّ إلى حيّز العربىّ.

ونقول بعبارة أخرى: لحقت تاء التأنيث مفاعل دالّة على النّسب، نحو المهالبة، ولحقت الأعجميّ المعرّب، نحو الموازجة؛ لمشابهة العجمة للنّسب، من حيث كان/النّسب ينقل الاسم من العلميّة إلى الوصفيّة، والعجمىّ منقول بالتعريف إلى العربيّة.

والعاشر: ما دخلته التاء من الجمع الذى جاء على مثال من هذه الأمثلة، عوضا من يائه، كقولهم فى جمع زنديق وفرزان وجحجاح، وهو السيّد، وتنبال، وهو القصير: زنادقة وفرازنة وجحاجحة وتنابلة، فالتاء فى هذا الضرب معاقبة للياء التى فى زناديق وفرازين وجحاجيح وتنابيل، فهى عوض منها، فلا يجوز إخلاؤه منهما معا، ومنه قولهم فى جمع إنسان: أناسية، التاء بدل من ياء أناسىّ، هذا أصله، كما جاء فى التنزيل: ﴿وَأَناسِيَّ كَثِيراً﴾.

والحادى عشر: ضرب من الجمع جاء على مثال مفاعل كيلا، ودخلته التاء تغليبا لمعنى الجماعة، ولم تلزمه، وذلك قولهم فى جمع صيقل وصيرف وقشعم:

صياقلة وصيارفة وقشاعمة، والصّياقل والصّيارف والقشاعم أكثر. والقشعم:

المسنّ، وأكثر ما يستعمل فى النّسور.

وهذا الضّرب نظير فعال وفعول، فى قولهم: جمالة وبعولة، إلاّ أنّى أفردته لمقاربته للأمثلة التى جاءت على مثال مفاعيل، ومنه الملائكة والملائك، والملائكة أكثر، قال أميّة بن أبى الصّلت.

وكأنّ أجنحة الملائك حوله

وللنّحويّين فى أصل «ملك» قولان، قال بعضهم: أصله ملأك، واحتجّ بقول الشاعر:

فلست لإنسيّ ولكن لملأكتنزّل من جوّ السّماء يصوب
للشاعر أبو وجزة السعدي، اقرأ القصيدة

وقال آخرون: أصله مألك، مأخوذ من الألوك والمألكة [والمألكة] وهى الرّسالة، وقول الشاعر: «لملأك» كان الوجه أن يقول: لمألك، ولكنّه قلب فقدّم اللام وأخّر الهمزة، فوزنه معفل.

والثانى عشر: أربعة أمثلة من المصادر، لحقتها تاء التأنيث عوضا من محذوف:

/فالأوّل: مصدر وعد يعد، ووزن يزن ونظائرهما، فهذا الضّرب له مصدران، الأصل منهما وزنه فعل: وعد ووزن، والآخر وزنه فى الأصل فعل، مثل جذع، وعد ووزن، فأعلّوه بحذف فائه لأمرين، أحدهما كسر واوه، والآخر كونه مصدر فعل معتلّ محذوف الفاء، فصار إلى عل: عد وزن، فعوّضوه من فائه التاء، فقالوا: عدة وزنة.

والمصدر الثانى: مصدر أفعل المعتلّ العين، نحو أقام وأعان، وأباع فرسه: إذا عرّضه للبيع، أصل مصدر هذا الضّرب البناء على إفعال، قياسا على الصحيح:

إقوام وإعوان وإبياع، كإكرام وإحسان، فحملوه على فعله فى الإعلال؛ لأنّ من شأن المصادر أن تتبع أفعالها فى التصحيح والإعلال، فألقوا فتحة عينه على فائه، ثم قلبوا العين ألفا لتحرّكها فى الأصل وانفتاح ما قبلها الآن، فاجتمع ألفان؛ المنقلبة عن العين، وألف إفعال، فحذفوا ألف إفعال؛ لأنها زائدة، فصار إلى إقام وإعان وإباع،

فألحقوه تاء التأنيث عوضا من المحذوف، فقالوا: إقامة وإعانة وإباعة، وربّما أسقطوا هذه التاء إذا أضافوه، كما جاء فى التنزيل: ﴿وَأَقامَ الصَّلاةَ﴾.

والمصدر الثالث: مصدر استفعل، المعتلّ العين، نحو استقام واستعان واستبان، كان قياسه: استقوام واستعوان واستبيان، فأتبعوه فعله فى الإعلال، فألقوا فتحة العين على الفاء، ثم قلبوا العين ألفا لتحرّكها فى الأصل وانفتاح ما قبلها الآن، فاجتمع ألفان، المنقلبة عن العين وألف استفعال، فحذفوا الزائدة وعوّضوه منها التاء، فقالوا: استقامة واستعانة واستبانة.

والمصدر الرابع: مصدر فعّلت المعتلّ اللام، يجيء على التّفعلة، نحو غطّيته تغطية، وعدّيته تعدية، وفدّيته تفدية، جاءوا به على هذا المثال مخالفة لمصدر فعّلت الصحيح اللام؛ لأنه جاء على التفعيل، نحو قطّعته تقطيعا، وكسّرته تكسيرا، ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً﴾ وكذلك المعتلّ الفاء، نحو وجّهته توجيها، والمعتلّ العين نحو عوّدته تعويدا، وغيّبته تغييبا، فكرهوا التفعيل فى المعتلّ اللام فلم يقولوا: التّغطّى والتعدّى، استثقالا لتضعيف الياء، فحذفوا ياء التفعيل وعوّضوا منها تاء التأنيث، كما عوّضوها فى باب الإقامة والاستقامة.

وقد جاء لبعض أبنية الأفعال مصدران، مذكّر، ومؤنّث، ولم تدخله التاء عوضا من محذوف، وذلك مثالان: فعللت وفاعلت، ففعللت نحو دحرجته دحرجة، وسرهفته سرهفة، والمصدر الآخر: الدّحراج والسّرهاف، قال:

سرهفته ما شئت من سرهاف

ومعنى سرهفته: حسّنت غذاءه.

ومصدر فاعلت المذكّر: الفعال، والمؤنّث: المفاعلة، نحو خاصمته خصاما ومخاصمة، وسابقته سباقا ومسابقة، وكذلك المعتلّ الفاء، نحو واجهته مواجهة، وواعدته مواعدة. والمعتلّ العين، نحو غاورته مغاورة، وحاورته محاورة، والمعتلّ اللام، نحو راميته مراماة، وساميته مساماة. والمضاعف نحو راددته مرادّة، وعاززته معازّة.

وقال بعض التّصريفيّين: إنّ تاء التأنيث المزيدة فى نحو الدّحرجة والسّرهفة زيدت عوضا من ألف الدّحراج والسّرهاف؛ لأنّ التذكير هو الأصل.

والضّرب الثالث عشر: كلّ مصدر دخلته التاء لتبيين عدد المرّات، فجاء على مثال فعلة، نحو جلست جلسة، وضربت ضربة، وأكلت أكلة، ولبست الثوب لبسة، وركبت فرسك ركبة، كلّ هذا يراد به المرّة الواحدة، فإن كسرت أوّل شيء منه، فقلت: هو حسن الجلسة والرّكبة، فإنّما تريد الهيئة التى هو عليها فى الجلوس والرّكوب، وكذلك إذا قلت: خطوت خطوة، وغرفت غرفة، بفتح أوله، أردت المرّة، كما جاء فى التنزيل: ﴿إِلاّ مَنِ اِغْتَرَفَ غُرْفَةً/بِيَدِهِ﴾ فإن

ضممت فقلت: الخطوة والغرفة، فالخطوة: ما بين القدمين، والغرفة: ما تأخذه المغرفة.

والرابع عشر: ما دخلته التاء للازدواج، وذلك فى قولهم: «لكلّ ساقطة لاقطة» قال أبو بكر محمد بن بشّار الأنبارىّ: معناه: لكلّ كلمة تسقط من متكلّم لا قط لها، يتحفّظها، فقيل: لاقطة، لتزدوج الكلمة الثانية مع الأولى، كما قالوا: «إنّ فلانا يأتينا بالعشايا والغدايا» فجمعوا الغداة غدايا، لتزدوج مع العشايا.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.