تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

المجلس الثالث والسبعون ذكر أقسام أيّ

أىّ منقسمة فى المعانى إلى ضروب:

أحدها: أن تكون شرطيّة، كقولك: أيّهم يكرمنى أكرمه، وأيّهم تكرم أكرمه، نصبت «أيّهم» بالشّرط، كما جاء فى التنزيل: ﴿أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ ما هذه زائدة للتوكيد، زيدت بين منصوب وناصب، ومجزوم وجازم، ومثل ذلك فى انتصاب «أىّ» بما بعدها وكونها شرطا قوله: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ وتقول: على أيّهم تنزل أنزل، تريد: أنزل عليه، فتحذف «عليه» استخفافا، وإن شئت ذكرته.

والقسم الثانى: أن تكون استفهاميّة، كقولك: أيّهم عندك؟ وأيّ القوم لقيت، وبأيّهم مررت، ويعلّقون عنها العلم، فيقولون: قد علمت أيّهم أخوك؟ ومعنى التعليق: أنّ الفعل يعمل فى الموضع دون اللفظ، ومنه فى التنزيل:

﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً﴾ و ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى﴾ وتقول: أيّهم تظنّ منطلقا؟ فتعمل فيها الظّنّ لوقوعه بعدها، وإن شئت ألغيته، فقلت: أيّهم تظنّ منطلق؟ وإنما لم يعمل فيها ما قبلها من الأفعال إذا كانت استفهاما، لأن الاستفهام

له صدر الكلام، /وإعمال الفعل الذى قبلها فيها يخرجها من الصّدر، وكذلك إذا كانت شرطيّة، حكمها فى التصدير حكم الاستفهامية.

ولأيّ فى الاستفهام إذا أضيفت أحكام، فمنها: إذا أضيفت إلى معرفة كانت سؤالا عن الاسم دون الصفة، وهى بعض المعرفة التى تضاف إليها، كقولك:

أيّ الرجلين أخوك؟ وأيّ الرجال قام؟ فأيّ واحد من الاثنين، ومن الجماعة، فالجواب أن تقول: زيد أو عمرو، أو نحو ذلك، فتجيب بأحد الاسمين أو الأسماء.

وإذا أضيفت إلى النكرة فإنها تكون سؤالا عن الصفة، وتكون بعدد النكرة كلّها، فإذا قال: أيّ رجل أخوك؟ وأيّ رجل زيد؟ قلت: طويل أو قصير، أو بزّاز أو صائغ، أو نحو ذلك، فأجبت بصفة الاسم.

فإذا أضيفت إلى نكرتين فقيل: أىّ رجلين أخواك؟ قلت: سمينان أو هزيلان، أو سمين وهزيل، أو نحو ذلك.

فإذا أضيفت إلى جماعة، فقيل: أيّ رجال إخوتك؟ قلت: طوال أو قصار، أو بعضهم طوال وبعضهم قصار، ولا يجوز أن تضيف «أيّا» إلى معرفة واحدة، لا تقول: أيّ الرجل أخوك؟ ولا أيّ زيد خرج؟ لأنها سؤال عن البعض، والواحد لا يتبعّض، وأمّا فى النكرة فإنها سؤال عن الكلّ؛ لأن التنكير يقتضى العموم، فلذلك جاز إضافتها إلى نكرة واحدة، فى نحو: أيّ رجل أخوك؟

والثالث من أقسامها: أن تكون اسما ناقصا بمعنى الذى أو التى أو الذين أو اللاّتى، يلزمه أن يوصل بما يوصل به أحد هذه الأسماء النّواقص، من الجمل أو الظّروف، كقولك: أيّ القوم قامت أخته زيد، أى الذى قامت أخته زيد، وأيّ النّسوة خرج أخوها زينب، أى التى خرج أخوها زينب.

و «أيّ» معربة فى جميع أحوالها، بخلاف نظائرها من الأسماء التى ضمّنت معانى الحروف، كمن وما وأين ومتى، وكم وكيف وأيّان وأنّى، وإنما أعربوها/حملا على نظيرها، وهو بعض، وعلى نقيضها وهو كلّ، وسيبويه يحكم ببنائها على الضمّ إذا كانت اسما ناقصا موصولا بجملة ابتداء، والمبتدأ من الجملة محذوف، وهو العائد منها إلى أيّ، كقولك: أكرمت أيّهم صاحبك.

فإن قلت: أكرمت أيّهم هو صاحبك، نصبتها وفاقا، وذلك لتمام صلتها.

وإنما حكم ببنائها إذا نقصت صلتها؛ لأنه جعل لتضمّنها معنى الحرف تأثيرا فيها، وخصّ بذلك حال النّقص الذى دخلها، كأنها لمّا حذف المبتدأ العائد عليها من صلتها ضعفت فرجعت إلى البناء الذى استحقّه الذى ومن وما، وبقوله قال المازنيّ وجماعة من البصريّين، وإلى بنائها ذهب فى قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا﴾ لأن التقدير عنده: الذى هو أشدّ على الرحمن عتيّا، أو الذين هم أشدّ، فالضّمة على قوله بناء، وقد حكى مع ذلك أنّ هارون الأعور القارئ قرأها بالنّصب.

وفى رفعها قولان آخران، حكاهما سيبويه، أحدهما عن يونس: وهو أنه علّق عنها ﴿لَنَنْزِعَنَّ﴾ فرفعها بالابتداء، و ﴿أَشَدُّ﴾ خبرها، كما ارتفعت فى قوله تعالى:

﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً﴾ والخليل وسيبويه منعا من تعليق ﴿لَنَنْزِعَنَّ﴾ لأنّ النّزع فعل علاجىّ، وإنما يعلّق أفعال العلم والشّكّ، واعتذر بعضهم ليونس، فقال: إنّ النّزع قد يكون بالقول.

والقول الآخر فى رفعها قول الخليل، وهو ارتفاعها على الحكاية، فأيّهم مبتدأ وأشدّ خبره، وتقديره عنده: ثمّ لننزعنّ من كلّ شيعة الذى من أجل عتوّه يقال:

أيّ هؤلاء أشدّ عتيّا، ومثل ذلك عنده قول الشاعر:

ولقد أبيت من الفتاة بمنزلفأبيت لا حرج ولا محروم

وهذا عند سيبويه مرفوع بلا، وهى المشبّهة بليس، وخبرها محذوف تقديره:

/لا حرج ولا محروم فى مكاني، والجملة خبر أبيت، والياء التى فى مكانى هى العائد من الجملة إلى اسم أبيت، ومن جعله حكاية فخبر أبيت محذوف عنده، وهو المقدّر فى قوله: فأبيت بمنزلة الذى يقال له: لا حرج ولا محروم، قال أبو بكر بن السّرّاج، وذكر المذاهب الثلاثة فى الآية: «وأنا أستبعد بناء «أيّ» مضافة، وكانت مفردة أحقّ بالبناء، وما أحسب الذين رفعوا أرادوا إلاّ الحكاية»، يعنى من رفعها من العرب إذا حذف المبتدأ من صلتها.

وممّا خالفت فيه «أيّ» أخواتها الموصولات حسن حذف المبتدأ من صلتها

حتّى كثر ذلك فى الاستعمال، تقول: أكرم أيّهم أفضل، ولا يحسن: أكرم من أفضل، حتى تقول: من هو أفضل، ولا تقول: كل ما أطيب، حتى تقول: ما هو أطيب، ولا يحسن: أكرم الذى أفضل، وإن كان قد قرئ فى الشّذوذ: ﴿تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾.

وفى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ قولان: أحدهما: أن يكون ﴿أَيُّهُمْ﴾ مبتدأ، و ﴿أَقْرَبُ﴾ خبره، والمعنى: يبتغون الوسيلة إلى ربّهم، ينظرون أيّهم أقرب فيتوسّلون به.

والثانى: أن يكون ﴿أَيُّهُمْ﴾ اسما موصولا، والمبتدأ محذوف من صلته، وهو بدل من الواو التى فى ﴿يَبْتَغُونَ﴾ فالتقدير بإيقاعه موقع الواو: يبتغى إلى ربّهم الوسيلة الذى هو أقرب، أو الذين هم أقرب، فالضمّة فى ﴿أَيُّهُمْ﴾ إعراب، إلاّ على مذهب سيبويه، والذى ذهب إليه من بناء «أيّ» إذا حذف المبتدأ من صلتها، رواه عن العرب باجتماع شرطين، أحدهما: اختصاص ذلك بحال الإضافة، فإن نوّنوها أعربوها، فقالوا: لقيت أيّا أفضل.

والثانى: أنهم لا يبنونها إذا كان العامل فيها جارّا، بل يقولون: مررت بأيّهم أفضل. هذا قول بعض النحويّين الأوائل، وخصّ سيبويه بالجارّ الباء دون غيرها.

ومن العرب من يعربها فى كلّ أحوالها، يحملونها على القياس، فيقولون:

كلّم/أيّهم أفضل، يعملون فيها الناصب، ويرفعون الاسم بعدها، على أنه خبر مبتدأ محذوف.

قال سيبويه: وهى لغة جيّدة، نصبوها كما جرّوها، وعلى هذه اللغة قرأ هارون الأعور ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾.

والرابع من أقسامها: أن تكون تعجّبا، فلا تضاف إلاّ إلى النّكرات، تقول:

أيّ رجل زيد! وأيّ رجلين أخواك! وأيّ رجال إخوتك! وإن شئت أدخلت قبلها سبحان الله؛ لئلاّ يلتبس التعجّب بالاستفهام، فقلت: سبحان الله، أيّ رجل زيد!

والخامس: أن تكون مناداة، فيلزمها حرف التنبيه، والوصف بما فيه الألف واللام، تقول: يا أيّها الرجل، وإنما جعلوها وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام؛ لأنهم كرهوا الجمع بين التخصيص بالنداء والألف واللام، ولا يجوز فى صفتها إلاّ الرفع؛ لأنها صفة لا يجوز الوقف دونها، فهى المناداة فى المعنى، بخلاف الصّفة فى قولك: يا زيد الظريف، وفى قوله:

يا حكم الوارث عن عبد الملك

وأجاز المازنىّ نصب صفتها حملا على نصب «الظريف» و «الجواد» فى قول جرير:

فما كعب بن مامة وابن سعدىبأجود منك يا عمر الجوادا
للشاعر جرير، من قصيدة «أبت عيناك بالحسن الرقادا»

والقياس ما أجمع عليه النحويّون، وقد أوضح ما قلته سيبويه، فى قوله:

«وإنما صار وصفه، لا يجوز فيه إلاّ الرفع؛ لأنك لا تستطيع أن تقول: يا أيّ، ولا: يا أيّها، وتسكت؛ لأنه مبهم يلزمه التفسير، فصار هو والرجل بمنزلة اسم واحد، فكأنك قلت: يا رجل». انتهى كلامه.

فإن جئت بعد صفتها بمضاف، فلك فيه الرفع والنصب، تقول: يا أيّها الرجل ذو الجمّة، على الوصف للرجل، وذا الجمّة على البدل من «أيّ» كأنك

قلت: يا ذا/الجمّة، ويجوز نصبه على استئناف نداء، وعلى هذا يحمل قوله:

يا أيّها الجاهل ذا التّنزّىلا توعدنّى حيّة بالنّكز

[ويروى: لا توعدنّ حيّة].

التّنزّى: تسرّع الإنسان إلى الشّرّ، ويقال: نكزته الحيّة نكزا: إذا ضربته بفيها ولم تنهشه.

والسادس: أن تكون «أيّ» نعتا للنكرة، يراد به المدح، كقولك: مررت برجل أيّ رجل، ورأيت رجلا أيّ رجل، وجاءنى رجل أيّ رجل، وجاءنى رجلان أيّ رجلين، ورأيت رجالا أيّ رجال، وإن شئت أظهرت المبتدأ فقلت: وأيّ رجل هو، وتقول: مررت برجل أيّ رجل أبوه، ترفع «أيّا» بأنها خبر مقدّم، وكذلك تقول فى المعرفة: مررت بزيد أيّ رجل أبوه، وتقول فى المؤنّث: مررت بجارية أيّة جارية، كما جاء التأنيث فى التنزيل: ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ وإن شئت اكتفيت بتأنيث الجارية، فقلت: بجارية أيّ جارية، كما جاء فى التنزيل: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ و ﴿بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.