من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
فصل يتضمّن أقسام «من»
وهى أربعة، أحدها: أنها تكون شرطيّة، فيحكم عليها بالرفع وبالنصب وبالخفض، فالرفع كقولك: من يكرمنى أكرمه، فمن مبتدأ، والفعلان بعده/ مجزومان بكونهما شرطا وجزاء، والجملة من الشرط والجزاء خبر «من» وقد قيل إنّ الشرط هو الخبر، ومثله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً﴾ والنصب كقولك: من تكرم أكرم، فمن مفعول به، والناصب له الشرط دون الجزاء، كما نصب الشرط «أيّا» فى قوله: ﴿أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ فإن أضفت إلى «من» اسما يظهر فيه الإعراب نصبته إذا لم تشغل الفعل بغيره، كقولك: صاحب من تكرم أكرم، فإن شغلت الفعل عنه رفعته بالابتداء، فقلت: صاحب من تكرمه أكرمه.
فأمّا الجرّ فى «من» ونظائرها فبحرف جرّ أو بإضافة اسم إليها، وإنما جاز للجارّ أن يتقدّم على ما لا يتقدّم عليه الفعل؛ لأنّ الجارّ كالجزء من المجرور.
والقسم الثانى: أن تكون استفهاميّة، فتحكم عليها بالرفع والنصب والخفض، كما حكمت على الشرطيّة، تقول: من جاءك؟ فتحكم عليها بالرفع بالابتداء، فإن قلت: من أكرمت؟ حكمت عليها بالنصب؛ لأنك لم تشغل عنها الفعل، فإن قلت: من أكرمت أخاه؟ حكمت عليها بالرفع؛ لأنك شغلت الفعل عنها.
وتقول فى الجرّ: بمن مررت؟ وصاحب من أكرمت؟ فتعمل أكرمت فى
المضاف، فإن قلت: صاحب من أكرمت أخاه؟ رفعته بالابتداء، وتقول: من ضرب أخاك إلاّ زيد؟ فمن هاهنا استفهام فى تأويل النّفى، كأنك قلت: ما ضرب أخاك إلاّ زيد، ومثله فى التنزيل: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ﴾ كأنه قيل: ليس يغفر الذنوب إلاّ الله، وجاز هذا لما بين الاستفهام والنفى من المضارعة، بإخراجهما الكلام إلى غير الإيجاب، تقول: هل زيد إلاّ صاحبك؟ كما جاء فى التنزيل: ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾.
وتقول: أبا من تكنى؟ فتنصب الأب؛ لأنه مفعول مقدّم، ووجب تقديمه لإضافته إلى «من» لأن الاستفهام صدر أبدا، لا يجوز تقدّم الفعل العامل فيه عليه.
والثالث من أقسامها: أن تكون موصولة، فتؤدّى لإبهامها معنى الذى/والتى وتثنيتهما وجمعهما، ويفرق بين هذه المعانى الضّمير العائد إليها من صلتها، تقول:
جاءنى من أكرمته، ومن أكرمتها، ومن أكرمتهما، ومن أكرمتهم، ومن أكرمتهنّ، فمثال المفرد المذكّر فى التنزيل قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾، ومثال المجموع قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ ومثله: ﴿وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾ وجاء فى المثنّى قول الفرزدق، وقد ألقى إلى ذئب طرقه كتف شاة مشويّة:
تعشّ فإن عاهدتنى لا تخوننىنكن مثل من يا ذئب يصطحبان
وقد توقع «من» على جماعة فيعاد عليها ضمير مفرد على لفظها، وضمير
مجموع على معناها، كقولك: جاءنى من أكرمته ولهم عليّ حقّ، ومثله فى التنزيل: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وكذلك يعاد إليها ضمير مذكّر، حملا على لفظها، ثم يعاد بعده ضمير مؤنّث حملا على المعنى، كما جاء فى التنزيل: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ﴾ وقال: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها﴾ وكذلك حكم الإفراد والتثنية، تقول:
أكرمت من أكرمته وأجزلت عطاءهما.
والقسم الرابع: أن تكون «من» نكرة بمعنى إنسان أو ناس، وتلزمها الصّفة بمفرد أو بجملة، قال عمرو بن قميئة:
يا ربّ من يبغض أذوادنارحن على بغضائه واغتدين
أراد: يا ربّ إنسان يبغض أذوادنا، وقال حسّان:
فكفى بنا فضلا على من غيرناحبّ النبيّ محمّد إيّانا
ويروى: «غيرنا» بالرفع، فمن فى هذه الرواية معرفة؛ لأنها موصولة، والتقدير: على/الذين هم غيرنا، وقال الفرزدق:
إنّى وإيّاك إذ حلّت بأرحلناكمن بواديه بعد المحل ممطور
فمن هاهنا نكرة؛ لأنه وصفها بممطور، كأنه قال: كإنسان ممطور.
وزاد الكسائىّ فى معانى «من» قسما آخر، فزعم أنها قد جاءت صلة، يعنى زائدة، وأنشد فى ذلك:
إنّ الزّبير سنام المجد قد علمتذاك العشيرة والأثرون من عددا
قال: أراد: والأثرون عددا، وقال غيره: معناه: والأثرون من يعدّ عددا، فحذف الفعل واكتفى بالمصدر منه، كما تقول: ما أنت إلاّ سيرا، فمن فى هذا القول نكرة موصوفة بالجملة المحذوفة، فالتقدير: والأثرون إنسانا يعدّ.
وتقول: غلام من تضرب أضرب، فتجزم الفعلين، وتنصب الغلام بالفعل الأوّل، لأنّ الثانى جواب، فإن جعلت «من» استفهاما رفعت الفعل الأول،
وجزمت الثانى، فقلت: غلام من تضرب أضرب؟ ووجه جزمه أنك جعلته جوابا للاستفهام، كقولك: من الذى أكرمك أحسن إليه؟ فإن جعلت «من» بمعنى الذى، رفعت الفعلين، فقلت: غلام من تضرب أضرب، تنصب الغلام بالفعل الثانى، لأمرين: أحدهما أنّ الموصول لا يتقدّم عليه شيء من صلته، والآخر: أن الفعل الأول واقع على ضمير غيبة يعود على «من».
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع