تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

المجلس السادس والسبعون الكلام فى قول الله ﷿: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ. وَوَضَعْنا﴾

يتوجّه فى قوله ﴿لَكَ﴾ سؤال، فيقال: لو قيل: ألم نشرح صدرك، كان الكلام مكتفيا، ومثله: ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ فلأىّ معنى ذكر ﴿لَكَ﴾؟

والجواب عن هذا السؤال: أن اللام فى ﴿لَكَ﴾ لام العلّة التى تدخل على المفعول من أجله، فى نحو قولك: فعلت ذاك لإكرامك، فإن حذفتها قلت: فعلته إكرامك، كما قال:

متى تفخر ببيتك فى معدّيقل تصديقك العلماء جير

الأصل: لتصديقك، فلما حذف اللام نصب، فإن حذفت المصدر رددت اللام فقلت: فعلت ذاك لك، ومثله: جئت لمحبّة زيد، ومحبّة زيد، ولزيد، ومنه قول عمر بن أبى ربيعة:

وقمير بدا ابن خمس وعشرين له قالت الفتاتان قوما
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «ذكرتني الديار شوقا قديما»

أراد: لأجله قالت الفتاتان: قوما.

وإذا عرفت هذا فالمعنى: ألم نشرح لهداك صدرك؟ كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ﴾

﴿يُرِدِ اللهُ/أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ فلمّا حذف المصدر وجب إثبات اللام، وكذلك قوله: ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ أراد: رفعنا لتشريفك ذكرك.

وقوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً. إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ إنّما كرّرت الجملة توكيدا كقول الشاعر:

وكلّ حظّ امرئ دونى سيأخذهلا بدّ لا بدّ أن يحتازه دونى

وكقول الخنساء:

هممت بنفسى بعض الهمومفأولى لنفسى أولى لها

وقد جاءت الجملة مكرّرة فى القرآن بالعاطف، فى قوله تعالى: ﴿أَوْلى لَكَ فَأَوْلى. ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى﴾.

وإنما كان «العسر» معرّفا و «اليسر» منكّرا؛ لأنّ الاسم إذا تكرّر منكّرا فالثانى غير الأوّل، كقولك: جاءنى رجل فقلت لرجل جاء بعده: كذا وكذا، وكذلك إن كان الأوّل معرفة والثانى نكرة، كقولك: حضر الرجل فقلت لرجل:

كيت وكيت، فإن كان الأوّل نكرة والثانى معرفة، فالثانى هو الأول، كقولك:

مررت برجل فقلت للرجل: افعل كذا، ومثله فى التنزيل: ﴿كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً. فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ ومثله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها﴾

﴿مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ فذكر المعرفة بعد النّكرة يجرى مجرى ذكر المعرفة بعد المعرفة، كقولك: حضر الرجل فأكرمت الرجل، ولذلك قال ابن عباس رضوان الله عليه: «لن يغلب عسر يسرين» وقد روى هذا الكلام عن رسول الله ﷺ.

وقوله: ﴿وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ جامعت الفاء الواو، متعلقة بما بعد الفاء، ولو وضعت ﴿إِلى﴾ فى محلّها الذى تستحقّه لقيل: وفارغب إلى ربّك، ومثله: ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ. وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ انتصب ما قبل الفاء بما بعدها، وهذا من عجيب كلام العرب؛ /لأنّ الفاء إنما تعطف، أو تدخل فى الجواب وما أشبه الجواب، كخبر الاسم الناقص، نحو ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ وهى هاهنا خارجة عمّا وضعت له، ومثل ذلك دخولها فى الأمر المصوغ من «كان» مع تقدّم الخبر، كقول أبى الطيّب:

ومثل سراك فليكن الطّلاب

وإنما جاءوا بها فى هذا النحو ليعلموا أن المفعول أو الخبر وقع فى غير موقعه، فإذا لم يكن فى الكلام الواو ولا غيرها من حروف العطف، كقولك: زيدا فاضرب، فقد قال أبو عليّ: زيد منصوب بهذا الفعل، وليس تمنع الفاء من العمل، وقال:

وتسمّى هذه الفاء معلّقة، كأنها تعلّق الفعل المؤخّر بالاسم المقدّم، وكأنها هنا شبيهة بالزائد، ويدلّ على أن العامل هو هذا الفعل قولك: بزيد فامرر، لو لم تكن معلّقة بامرر هذا لم يجز؛ لأنه لا بدّ للباء من شيء تتعلّق به، ولو علّقتها بفعل آخر لاحتجت لهذا الفعل إلى باء أخرى. انتهى كلامه.

وأقول: إنها زائدة لا محالة فى قوله تعالى: ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ. وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾؛ لأنك إن لم تحكم بزيادتها أدّى ذلك إلى دخول الواو العاطفة عليها وهى عاطفة، وكذلك «ثمّ» زائدة فى قول زهير:

أرانى إذا ما بتّ بتّ على هوىفثمّ إذا أصبحت أصبحت غاديا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «ألا ليت شعري: هل يرى الناسُ ما أرى»

قال الفراء: ألم نشرح صدرك: ألم نليّن قلبك، ﴿وَوَضَعْنا عَنْكَ﴾

﴿وِزْرَكَ﴾ قال: إثم الجاهليّة. وقال الزجّاج: غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر.

﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ فى كلّ التفاسير: أثقل ظهرك، وزاد بعضهم:

فتنقّضت له العظام، كما يتنقّض البيت إذا صوّت للوقوع، وزاد آخر فقال: نقص من لحمه، وهو من قولهم للبعير الذى أتعبه السفر والعمل فنقص لحمه: بعير نقض.

﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قال الفراء: لا أذكر إلاّ ذكرت معى.

وقال الزجّاج: جعل ذكره عليه/السلام مقرونا بذكر توحيد الله فى الأذان، وفى كثير مما يذكر الله فيه.

وقال قتادة بن دعامة: رفع الله ذكره، فليس خطيب ولا متشهّد إلاّ يبدأ «بأشهد أن لا إله إلاّ الله» وبعده «وأشهد أنّ محمدا رسول الله».

﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ قال الزّجاج: كان أصحاب النبيّ ﵇ فى ضيق شديد، فأعلمهم الله أنّهم سيوسرون، وأنهم سيفتح عليهم، ففتح الله عليهم، وأبدلهم بالعسر يسرا.

﴿فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قال الزّجاج: معناه: إذا فرغت من صلاتك فانصب فى الدعاء إلى ربّك.

﴿وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ أى اجعل رغبتك إلى الله وحده، وكذلك قال قتادة، ثم قال: وقال الحسن: أمره الله بأنّه إذا فرغ من غزوة أن يجتهد فى العبادة.

قول المتنبّى:

يا من لجود يديه فى أموالهنقم تعود على اليتامى أنعما
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفي أراني ويك لومك ألوما»
حتى يقول الناس ماذا عاقلاويقول بيت المال ماذا مسلما
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفي أراني ويك لومك ألوما»

قال فيه أبو زكريّا يحيى بن علىّ التّبريزيّ: عظّم الممدوح تعظيما وجب معه ألاّ يكون خاطبه بقوله:

حتى يقول الناس ماذا عاقلا

وإنما تبع فى ذلك قول أبى نواس:

جاد بالأموال حتّىقيل ما هذا صحيح

فظنّ أنه أراد: ما هذا صحيح العقل، ولعلّ أبا نواس لم يرد ما ظنّه أبو الطيّب، وإنما أراد: ما هذا الفعل صحيح. انتهى كلامه.

وأقول: إن أبا نواس لم يرد بقوله: «ما هذا صحيح» إلاّ ما ذهب إليه أبو الطيّب؛ وإنما أراد: ما هذا الفعل صحيح. انتهى كلامه.

وأقول: إن أبا نواس لم يرد بقوله: «ما هذا صحيح» إلاّ ما ذهب إليه أبو الطيّب؛ لأن أبا نواس قد صرّح بهذا المعنى فى قصيدة أخرى، وأتى بلفظة أقبح من اللفظة التى فى البيت الأول، فقال:

جاد بالأموال حتّىحسبوه الناس حمقا

وتبعه فى ذلك أبو تمّام فقال:

ما زال يهذر بالمكارم والنّدىحتى ظننّا أنه محموم

الهذر: الهذيان، يقال: رجل مهذار.

فعلى هذا المنوال نسج أبو الطيّب بيته، فأراد أنه يفرط فى الجود حتى ينسبه الناس إلى الجنون، ولو كان بيت المال ممّا يصحّ منه الكلام لقال: ماذا مسلما؛ لأنه فرّق أموال المسلمين، ويجوز أن يكون أراد: ويقول خزّان بيت المال، فحذف المضاف، كما حذف فى قوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾.

والأصل فى هذا قول أعرابىّ، فيما أنشده الجاحظ فى كتاب الحيوان:

حمراء تامكة السّنام كأنّهاجمل بهودج أهله مظعون
للشاعر يزيد بن الطثرية، من قصيدة «حمراء تامكة السنام كأنها»
جادت بها عند الوداع يمينهكلتا يدى عمر الغداة يمين
للشاعر يزيد بن الطثرية، من قصيدة «حمراء تامكة السنام كأنها»
ما كان يعطى مثلها فى مثلهإلاّ كريم الخيم أو مجنون

الخيم: السّجيّة. والهاء فى «مثله» تعود على الوداع، أى فى مثل ذلك الوقت.

من العرب من يذكّر السّماء، وفى تذكيرها وجهان: أحدهما أنها جمع سماوة، كسحاب وسحابة، ونخل ونخلة. وهذا الضّرب من الجمع قد ورد فيه التذكير والتأنيث، فالتذكير فى قوله تعالى: ﴿وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ﴾ و ﴿أَعْجازُ نَخْلٍ﴾

﴿مُنْقَعِرٍ﴾، والتأنيث فى قوله: ﴿أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾.

ويدلّ على أن السماء جمع إعادة ضمير الجمع إليها فى قوله: ﴿ثُمَّ اِسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ﴾ كما دلّ وصف السحاب بالجمع فى قوله: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ على أنه جمع.

والوجه الآخر أن السماء سقف الدّنيا، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً﴾ فمن ذكّرها، لأنه ذهب بها هذا المذهب، فهو قول حسن كالأوّل، وعليهما يحمل قوله تعالى: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ وقول الشاعر:

فلو رفع السماء إليه قومالحقنا بالسماء مع السّحاب

ممّا أوقعته العرب موقع غيره لاتّفاقهما فى المعنى، الحوادث فى قول الشاعر:

فإمّا ترينى ولى لمّةفإن الحوادث أودى بها

أعاد إلى الحوادث ضميرا مذكّرا؛ لأنه حمله على الحدثان، من حيث وافقه فى المعنى، كما حمل الآخر الحدثان على الحوادث فى قوله:

ألا هلك الشّهاب المستنيرومدرهنا الكمىّ إذا نغير
وحمّال المئين إذا ألمّتبنا الحدثان والأنف النّصور

إنما منع الأول أن يقول: «فإن الحوادث أودت» كراهية إفساد القافية؛ لأن ألف «أودى» تأسيس، والتأسيس يلزم أبيات القصيدة كلّها، والحرف الذى بعده يسمّى الدّخيل، والذى بعد الدّخيل هو الروىّ، والألف المتطرّفة حرف إطلاق القافية.

وقال آخر:

بال سهيل فى الفضيخ ففسدوطاب ألبان اللّقاح وبرد

ذكّر الضمير الذى فى «برد» لأنه أعاده إلى اللّبن، فأمّا ما جاء فى التنزيل من عود الضمير مذكّرا بعد جمع فى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِهِ﴾ فإن الضمير أعيد إلى النّعم وهو واحد الأنعام، وهو مع تذكيره يوقع على جماعة من الإبل، فيقال: لمن هذا النّعم؟ كما يقال: لمن هذا القطيع؟

قال ابن فارس: الفضيخ: أن يشدخ الرّطب ثم ينبذ. والمدرة: السّيّد.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.