من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
المجلس السابع والسبعون ذكر معانى «أم» ومواضعها
فمن ذلك أنها تكون عاطفة بعد ألف الاستفهام، معادلة لها، فتكون معها بمعنى أيّهما وأيّهم وأيّهنّ، كقولك: أزيد عندك أم بكر؟ معناه أيّهما عندك؟ جعلت «الهمزة» مع أحد الاسمين المسئول عنهما، وجعلت «أم» مع الآخر، فهذا هو المعادلة، وجواب هذا القول بالتّعيين، وذلك أن يقول: زيد، إن كان عنده زيد، أو بكر، إن كان عنده بكر، ومثله: أزيد فى الدار أم بشر أم خالد؟ بمعنى:
أيّهم فى الدار؟ وكذلك: أهند حاضرة أم زينب أم سعاد؟ بمعنى أيّهن.
فإذا كانت المعادلة بين اسمين ومعهما فعل فالأحسن تقديم الاسم، كقولك: أزيد خرج أم محمد؟ ويجوز: أخرج زيد أم محمد؟ فإن كانت المعادلة بين فعلين، فالأحسن تقديم الفعل، كقولك: أضربت زيدا أم شتمته؟ ويجوز:
أزيدا ضربت أم شتمته؟
والمعنى الثانى: أن تكون «أم» عاطفة بعد ألف التسوية، كقولك: سواء عليّ أقمت أم قعدت، وما أدرى أزيد فى الدار أم بشر، وما أبالى أسافر زيد أم أقام، فاللفظ على الاستفهام والمراد به الخبر، /وإنما تريد تسوية الأمرين عندك، قال الله سبحانه: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أى سواء عليهم
استغفارك لهم وترك استغفارك، ومثله: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا﴾ ومن ذلك قول زهير:
وما أدري وسوف أخال أدرىأقوم آل حصن أم نساء
وقال الحارث بن كلدة الثّقفىّ:
فما أدرى أغيّرهم تناءوطول العهد أم مال أصابوا
وقال حسّان:
ما أبالى أنبّ بالحزن تيسأم لحانى بظهر غيب لئيم
النّبيب: صوت التّيس عند النّزو.
والثالث: أن تكون مقدّرة ببل مع همزة الاستفهام، فتسمّى منقطعة، ومن شرائطها أن يقع بعدها الجملة دون المفرد، وأن تأتى بعد الاستفهام بهل وبعدها الخبر، وقد تأتى بعد الهمزة، فمجيئها بعد «هل» كقوله:
هل ما علمت وما استودعت مكتومأم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم
التقدير: بل أحبلها مصروم؟ ثم قال بعد هذا:
أم هل كبير بكى لم يقض عبرتهإثر الأحبّة يوم البين مشكوم
جمع بين أم وهل، ولا يجوز الجمع بين استفهامين، ولا يجوز تقدير «هل» هاهنا بقد، كما قدّرت بها فى قوا، الآخر:
سائل فوارس يربوع بشدّتناأهل رأونا بسفح القفّ ذى الأكم
وكما قدّرت بها فى ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ و ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ﴾ وإنما لم تقدّر فى البيت بقد؛ لوقوع الجملة المبتدئيّة بعدها.
/وإذا لم يجز تقديرها بقد، ولم يجز الجمع بين استفهامين، وجب حمل اجتماعهما على ما يصحّ، وفى ذلك قولان: أحدهما للكوفيّين، وهو أنهم يحكمون على «أم» المنقطعة بأنها تكون بمعنى «بل» مجرّدة من الاستفهام، فالتقدير على هذا: بل هل كبير بكى؟ والبصريّون مجمعون على أنها لا تكون بمعنى «بل» إلاّ بتقدير همزة الاستفهام معها.
والقول الآخر: أن يكون أحد الحرفين زائدا، دخوله كخروجه، وإذا حكمنا بزيادة أحدهما، فالأولى أن نحكم بزيادة «هل» لوقوعها حشوا؛ لأن الأغلب أن لا يكون الزائد أوّلا، فالتقدير: بل أكبير بكى؟
ومعنى «لم يقض عبرته»: لم ينفد ماء شئونه.
ومعنى «مشكوم» مثاب مجازى.
وأما مجىء المنقطعة بعد الهمزة فكقولك: أزيد فى الدار أم جعفر حاضر؟ فالجواب: لا، أو نعم، لأنّ المعنى: بل أجعفر حاضر؟
ووقوعها بعد الخبر، كقولك: قام أخوك أم محمد جالس؟ ومن كلامهم:
إنها لإبل أم شاء؟ كأنه رأى أشخاصا من البعد فقال متيقّنا: إنها لإبل، ثم أدركه
الشكّ فأضرب عن ذلك، فقال: أم شاء، على معنى: بل أهى شاء؟ وإذا ورد فى التنزيل شيء من هذا سمّى تركا لكلام وأخذا فى كلام آخر، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿الم. تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ. أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ﴾ المعنى: بل أيقولون افتراه؟ فهو استفهام أريد به تعنيف المشركين، فأمّا قول الأخطل:
كذبتك عينك أم رأيت بواسطغلس الظّلام من الرّباب خيالا
فإنه أراد: أكذبتك؟ فحذف الهمزة وهو ينويها، ومثله قول عمر بن أبى ربيعة:
لعمرك ما أدرى وإن كنت داريابسبع رمين الجمر أم بثمان
أراد: أبسبع؟
والرابع: أن تكون «أم» زائدة، واستشهدوا على هذا بقول ساعدة بن جؤيّة:
/يا ليت شعرى ولا منجا من الهرمأم هل على العيش بعد الشّيب من ندم
التقدير: ليت شعرى! هل على العيش من ندم؟ وقال أبو زيد، فى قوله تعالى جدّه:
﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾: أم زائدة، قال: والتقدير:
أفلا تبصرون، أنا خير من هذا الذى هو مهين، وأنشد قول الراجز:
يا دهن أم ما كان مشيى رقصابل قد تكون مشيتى توقّصا
قال: المعنى: ما كان مشيى.
وقول سيبويه في الآية: أنّ «أم» منقطعة، قال: «كأنّ فرعون قال:
أفلا تبصرون أم أنتم بصراء، فقوله: أم أنا خير، بمنزلة قوله: أم أنتم بصراء، لأنهم لو قالوا: أنت خير منه، كان بمنزلة قولهم: نحن بصراء، فكذلك أم أنا خير بمنزلة قوله لو قال: أم أنتم بصراء»، وهذا التأويل فى «أم» هاهنا أحسن من الحكم بزيادتها.
قول الراجز: «يا دهن» ترخيم دهناء.
والرّقص: الخبب، عن ابن فارس. وقال ابن دريد: الرّقص: شبيه بالنّقزان من النّشاط، والقولان متقاربان.
والتّوقّص: تقارب الخطو، وقيل: شدّة الوطء، وكلاهما من فعل الهرم.
ومن مسائل الفرق بين «أم» و «أو» أنه إذا قال: أخرج زيد أو عمرو؟ فمعناه: أخرج أحدهما؟ فجوابه: لا أو نعم، فإن قلت: نعم، فقد أخبرته
بخروج أحدهما من غير تعيين، فإذا أراد التعيين سأل بأم فقال: أزيد الخارج أم عمرو؟ فالجواب: زيد، إن كان زيد هو الخارج، أو عمرو، إن كان عمرو هو الخارج؛ لأنّ المعنى: أيّهما خرج؟ وكذلك إذا قال: أتصدّقت بدرهم أو دينار؟ فجوابه: لا أو نعم، لأن المعنى: أتصدّقت بأحدهما؟ فإن قلت: نعم، وطلب منك التعيين قال: أبدرهم تصدقت أم دينار؟ أراد بأيّهما تصدّقت؟
ومن مسائل الإيضاح: آلحسن أو الحسين أفضل أم ابن الحنفيّة؟
/فالجواب: أحدهما، بهذا اللفظ؛ لأنه أراد: أأحد هذين أفضل أم ابن الحنفيّة؟ ومن هذا قول صفيّة بنت عبد المطّلب، وقد جاءها صبيّ يطلب الزّبير ليصارعه فصرعه الزّبير، فقالت له:
كيف رأيت زبراأأقطا أو تمرا
أم قرشيّا صارما هزبرا
هذه رواية سيبويه، وروى غيره:
أم قرشيّا صقرا
وإنما أدخلت «أو» بين الأقط والتمر؛ لأنها لم ترد أن تجعل التمر عديلا للأقط، بمعنى أيّهما؟ ولكنها جعلتهما كاسم واحد، وعادلت بينه وبين قرشىّ، أى: أحد هذين رأيته أم قرشيّا؟
و «زبر» مكبّر الزّبير، ويحتمل أن يكون مصدر زبرت الكتاب: إذا كتبته، وأن يكون مصدر زبرت الرجل: إذا انتهرته، وأن يكون مصدر زبرت البئر: إذا طويتها، وأن يكون الزّبر الذى هو العقل، يقال: ما لفلان زبر: أى عقل.
والأقط: اللّبن الرائب يطبخ حتى ينعقد، ثم يجعل أقراصا ثم يجفّف فى الشمس.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع