تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

المجلس الموفى الثمانين [في ذكر زلاّت مكّىّ بن أبى طالب المغربىّ، فى «مشكل إعراب القرآن:]

يتضمّن ما وعدت به من ذكر زلاّت مكّىّ بن أبى طالب المغربىّ، فى «مشكل إعراب القرآن».

فمن ذلك أنه قال فى قول الله سبحانه: ﴿أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾:

واحد أولئك: ذلك، فإذا كان للمؤنّث فواحده ذى أو ذه أو تى. انتهى كلامه.

وأقول: إن أسماء الإشارة منها ما وضع للقريب، ومنها ما وضع للمتراخى البعيد، ومنها ما وضع للمتوسّط، فالموضوع للقريب المذكّر ذا، والمؤنّث ذى وذه وتا، وللاثنين ذان، وللاثنتين تان، وللجماعة الذّكور والإناث: ألاء، ممدود، وألا، مقصور.

وقالوا للمتوسّط: ذاك، فزادوا الكاف، وتيك، وذانك وتانك، وألاك وألائك.

وقالوا للمتباعد الغائب: ذلك، فزادوا اللام، وتلك وتالك، قال القطامىّ:

فإنّ لتالك الغمرانقشاعا

وقالوا: ألالك، وعلى هذا أنشدوا:

ألالك قومى لم يكونوا أشابةوهل يعظ الضّلّيل إلاّ ألالكا

وقالوا فى المثنّى: ذانّك وتانّك، فشدّدوا النون. فكان الصواب أن يذكر مع أولئك: ذاك وتيك، فذكره ذى وذه خطأ، والصحيح أنّ نظير ذى وذه للمؤنّث «تا»، فأمّا «تى» فمجهولة فى أكثر الرّوايات.

وقال فى قوله: ﴿وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ﴾: أصل محيط: محيط، ثم ألقيت حركة الياء على الحاء.

والصّحيح أنّ أصل محيط: محوط؛ لأنه من حاط يحوط، والحائط أصله

حاوط؛ لأنك تقول: حوّطت المكان، إذا جعلت عليه حائطا، فألقيت كسرة الواو على الحاء، فصارت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، كما صارت واو الوزن والوقت والوعد ياء، فى ميزان وميقات وميعاد.

وقال فى قوله تعالى: ﴿كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾: كلّما نصب على الظرف بمشوا، وإذا كانت «كلّما» ظرفا فالعامل فيها الفعل الذى هو جواب لها، وهو ﴿مَشَوْا﴾؛ لأنّ فيها معنى الشّرط، فهى تحتاج إلى جواب، ولا يعمل فيها ﴿أَضاءَ﴾ لأنه فى صلة «ما»، ومثله: ﴿كُلَّما رُزِقُوا﴾ الجواب: ﴿قالُوا﴾، وهو العامل فى «كلّ» و «ما» اسم ناقص، صلته الفعل الذى يليه. انتهى كلامه.

وأقول: إنه لا يجوز أن تكون «ما» فى «كلّما» هذه ونظائرها اسما ناقصا؛ لأنّ التقدير فيها إذا جعلتها ناقصة: كلّ الذى أضاء لهم البرق مشوا فى البرق؛ لأن الهاء التى فى «فيه» تعود على البرق، فلا ضمير إذن فى الصّلة يعود على الموصول، ظاهرا ولا مقدّرا، والصحيح أنّ «ما» هاهنا نكرة موصوفة بالجملة، مقدّرة باسم زمان، فالمعنى: كلّ وقت أضاء لهم البرق مشوا فيه.

فإن قيل: فإذا كانت نكرة موصوفة بالجملة، فلا بدّ أن يعود عليها من صفتها عائد، كما لا بدّ أن يعود على الموصول عائد من صلته.

فالجواب: أنّ الجملة إذا وقعت صفة بخلافها إذا وقعت صلة؛ لأنّ الصّلة مع الموصول بمنزلة اسم مفرد، فلا معنى للموصول إلاّ بصلته، وليس كذلك الصّفة مع الموصوف.

وإذا عرفت هذا فالعائد من الجملة الوصفيّة إلى الموصوف محذوف.

التقدير: كلّ وقت أضاء لهم البرق فيه مشوا فيه، فحذفت «فيه» هاهنا، كما حذفت من الجملة الموصوف بها فى قوله تعالى: ﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً﴾ التقدير: لا تجزى فيه، كما قال: ﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾.

وقال فى قوله: ﴿إِلاّ إِبْلِيسَ﴾: إبليس: نصب على الاستثناء المنقطع، ولم ينصرف لأنه أعجمىّ معرفة. وقال أبو عبيدة: هو عربىّ، مشتقّ من أبلس: إذا يئس من الخير، ولكنّه لا نظير له فى الأسماء، وهو معرفة فلم ينصرف لذلك.

قلت: إن كان يريد بقوله: «لا نظير له» فى وزنه، فليس هذا بصحيح؛ لأنّ مثال «إفعيل» كثير فى العربيّة، كقولهم للطّلع: إغريض، وللعصفر: إحريض، وللسّنام الطّويل: إطريح. ولا خلاف فى أنّك لو سمّيت بإغريض ونحوه لصرفت.

وإن كان يريد أنه لا نظير له فى هذا التركيب على هذا المثال، فكذلك إغريض منفرد بهذا التركيب على هذا المثال، ولو انضمّ التعريف إلى ذلك لم يمتنع من الصّرف، وأبو عبيدة إنما كان صاحب لغة.

وقال فى قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ﴾

﴿إِيمانِكُمْ كُفّاراً﴾: قوله: ﴿كُفّاراً﴾ مفعول ثان ل ﴿يَرُدُّونَكُمْ﴾، وإن شئت جعلته حالا من الكاف والميم فى ﴿يَرُدُّونَكُمْ﴾.

قلت: لا يجوز أن يكون قوله: ﴿كُفّاراً﴾ مفعولا ثانيا ل ﴿يَرُدُّونَكُمْ﴾؛ لأن «ردّ» ليس مما يقتضى مفعولين، كما يقتضى ذلك باب «أعطيت» بدلالة أنه إذا قيل: أعطيت زيدا، قلت: ماذا أعطيته؟ فيقال: درهما، أو الدّرهم الصّحيح، أو نحو ذلك. ولو قيل: رددت زيدا، لم تقل: ماذا رددته؟ فبهذا يعتبر الفعل المتعدّى وغير المتعدّى، ويزيد ذلك وضوحا أنّ منصوب «رددت» الثانى يلزمه التّنكير والاشتقاق، وأن يكون هو الأوّل، كقولك: رددت زيدا مسرورا، ورددته ماشيا، ورددته راكبا، ولو كان مفعولا لم تلزمه هذه الأشياء؛ ألا ترى أنك تقول:

أعطيت زيدا الدّرهم، فتجد فى المنصوب الثانى التعريف والجمود، وأنه غير الأول، ثم يجوز مع هذا أن يكون المنصوب الثانى فى هذا الباب مضمرا، تقول: الدّرهم أعطيتكه، وأعطيتك إيّاه، وجميع هذه الأوصاف لا يصحّ منها وصف واحد فى قولك: رددت زيدا راكبا ونحوه، حتى إنّ التعريف وحده ممتنع، تقول: رددتكم ركبانا، ولا تقول: رددتكم الرّكبان، ولا رددتك الراكب.

وقال فى قوله: ﴿حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾: من متعلّقة بحسد، فيجوز الوقف على ﴿كُفّاراً﴾، ولا يجوز الوقف على ﴿حَسَداً﴾ وقيل: هى متعلّقة ب ﴿وَدَّ كَثِيرٌ﴾، ولا يوقف على ﴿كُفّاراً﴾ ولا على ﴿حَسَداً﴾.

قلت: إنّ قول النحويّين: هذا الجارّ متعلّق بهذا الفعل، يريدون أنّ العرب وصلته به، واستمرّ سماع ذلك منهم، فقالوا: رغبت فى زيد، ورضيت عن جعفر، وعجبت من بشر، وغضبت على بكر، ومررت بخالد، وانطلقت إلى محمد، وكذلك قالوا: حسدت زيدا على علمه وعلى ابنه، ولم يقولوا: حسدته من ابنه، وكذلك «وددت» لم يعلّقوا به «من»، فثبت بهذا أنّ قوله: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ لا يتعلّق ب ﴿حَسَداً﴾ ولا ب ﴿وَدَّ﴾، ولكنه يتعلّق بمحذوف يكون وصفا لحسد، أو وصفا لمصدر ﴿وَدَّ﴾، فكأنه قيل: حسدا كائنا من عند أنفسهم، أو ودّا كائنا من عند أنفسهم.

وقال فى قوله: ﴿كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ و ﴿كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: الكاف فى الموضعين فى موضع نصب، نعت لمصدر محذوف، أى قولا مثل ذلك قال الذين لا يعلمون، وقولا مثل ذلك قال الذين من قبلهم، ثم قال: ويجوز أن يكونا فى موضع رفع على الابتداء، وما بعد ذلك الخبر. انتهى كلامه.

وأقول: لا يجوز أن يكون موضع الكاف فى الموضعين رفعا كما زعم؛ لأنك إذا قدّرتها مبتدأ احتاجت إلى عائد من الجملة، وليس فى الجملة عائد.

فإن قلت: أقدّر العائد محذوفا، كتقديره فى قراءة من قرأ: «وكلّ وعد الله الحسنى» أى وعده الله، فأقدّر: كذلك قاله الذين لا يعلمون، وكذلك قاله الذين من قبلهم. لم يجز هذا؛ لأنّ ﴿قالَ﴾ قد تعدّى إلى ما يقتضيه من منصوبه، وذلك قوله ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ فلا يتعدّى إلى منصوب آخر.

وقال فى قوله ﷿: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا﴾: أن تبرّوا فى موضع نصب، على معنى: فى أن تبرّوا، فلمّا حذف حرف الجرّ تعدّى الفعل، وقيل: تقديره: كراهة أن، وقيل: لئلاّ أن. انتهى كلامه.

وأقول: إنّ ما حكاه من أن التقدير: لئلاّ أن، خطأ فاحش؛ لتكرير «أن» وتبرّوا مراد بعدها، فالتقدير: لئلاّ أن تبرّوا. وأن تبرّوا معناه: برّكم، فالتقدير: لئلاّ برّكم.

وممّا أهمل ذكره، ولم يفعل ذاك متعمّدا، ولكنه خفى عليه، وهو من مشكل الإعراب؛ لأنّ عامله محذوف: وجه النصب فى ﴿فَرِجالاً﴾ من قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً﴾. والقول فيه أن ﴿فَرِجالاً﴾ هاهنا ليس بجمع رجل، وإنما هو جمع راجل، كصاحب، وصحاب، وصائم وصيام، ونائم ونيام، وقائم وقيام، وتاجر وتجار، وقد قالوا فى جمعه: رجل، كما قالوا: صحب وتجر وركب، ولكونه جمع راجل، عطف عليه جمع راكب، وانتصابه على الحال، بتقدير: فصلّوا رجالا، ودلّ على هذا الفعل قوله: ﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ﴾ ثم قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ فصلّوا رجلا أو على الرّكائب. ومن شواهد هذا الجمع قول عمرو بن قميئة:

ونكسو القواطع هام الرجالوتحمى الفوارس منّا الرّجالا

الرجال الأولى: جمع رجل، والثانية: جمع راجل.

وقال فى قوله تعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ﴾: الكاف فى موضع نصب، نعت لمصدر محذوف، تقديره: إبطالا كالذى. هذا منتهى كلامه.

ومن عادته أن يقف على الموصولات بغير صلاتها، كما وقف على «أن» فى قوله: لئلاّ أن، وكراهة أن.

وأقول فى قوله: إنّ الكاف نعت لمصدر محذوف، تقديره إبطالا كالذى ينفق: إنه قول فيه بعد وتعسّف؛ لأنّ ظاهره تشبيه حدث بعين، ولا يصحّ إلاّ بتقدير حذفين بعد حذف المصدر، أى إبطالا كإبطال إنفاق الذى ينفق ماله.

والوجه أن يكون موضع الكاف نصبا على الحال من الواو فى ﴿تُبْطِلُوا﴾ فالتقدير: لا تبطلوا صدقاتكم مشبهين الذى ينفق ماله رئاء الناس. فهذا قول لا حذف فيه، والتشبيه فيه تشبيه عين بعين.

ومن زلاّته فى سورة آل عمران: أنه قال فى قوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾: الكاف فى موضع نصب على النّعت لمصدر محذوف، تقديره عند الفرّاء: كفرت العرب كفرا ككفر آل فرعون. قال: وفى هذا القول إبهام للتفرقة بين الصّلة والموصول. أراد أنّ الكاف فى هذا القول قد دخلت فى صلة ﴿الَّذِينَ﴾

من قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النّارِ﴾. فبعدت من الناصب لها، وهو ﴿كَفَرُوا﴾، وكان الواجب على هذا المعرّب حيث أنكر قول الفرّاء، أن يعتمد على قول غيره، ولا يقتصر على ذكر قول مناف لقياس العربيّة.

قال أبو إسحاق الزّجّاج: كدأب آل فرعون: أى كشأن آل فرعون. كذا قال أهل اللغة. ويقال: دأبت أدأب دأبا ودأبا ودءوبا: إذا اجتهدت، وموضع الكاف رفع؛ لأنها فى موضع خبر ابتداء. المعنى: دأب هؤلاء كدأب آل فرعون والذين من قبلهم، أى اجتهادهم فى كفرهم وتظاهرهم على النبىّ، كاجتهاد آل فرعون فى كفرهم وتظاهرهم على موسى.

ولا يصلح أن تكون الكاف فى موضع نصب بكفروا، لأنّ كفروا فى صلة الذين، فلا يصلح: إنّ الذين كفروا ككفر آل فرعون؛ لأنّ الكاف خارجة من الصّلة، فلا يعمل فيها ما فى الصّلة. انتهى كلام الزّجّاج.

وهذا القول منه قول من نظر فى كتاب الفرّاء؛ لأنه حكى كلامه بلفظه.

وقال علىّ بن عيسى الرّمّانىّ: كدأب آل فرعون: كعادتهم فى التكذيب بالحقّ، وقيل: كعادتهم فى الكفر، وقيل: شأنهم كشأن آل فرعون فى عقاب الله إيّاهم، والكاف فى ﴿كَدَأْبِ﴾ يتّصل بمحذوف، تقديره: عبادتهم كدأب آل فرعون، فموضع الكاف رفع؛ لأنها فى موضع خبر الابتداء، ولا يجوز أن يعمل فيها ﴿كَفَرُوا﴾؛ لأنّ صلة ﴿الَّذِينَ﴾ قد انقطعت بالخبر. وهذا الكلام أيضا كلام من نظر فى كتاب الفراء.

وقال فى نصب اليوم، من قوله: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً﴾: يوم منصوب ب ﴿يُحَذِّرُكُمُ﴾ أى: ويحذّركم الله نفسه فى يوم تجد، ثم قال: وفيه نظر. وقال: ويجوز أن يكون العامل فيه فعلا مضمرا، أى:

واذكر يا محمد يوم تجد، ويجوز أن يكون العامل فيه ﴿الْمَصِيرُ﴾ أى: وإليه المصير فى يوم تجد، ويجوز أن يكون العامل فيه ﴿قَدِيرٌ﴾، أى قدير فى يوم تجد.

انتهى كلامه.

وأقول: إنه لا يجوز أن يكون العامل فيه ﴿يُحَذِّرُكُمُ﴾؛ لأنّ تحذير الله للعباد إنما يكون فى الدّنيا دون الآخرة، ولا يصحّ أن يكون مفعولا به، كما كان كذلك فى قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾، وقوله: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾، وقوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾، وإنما لم يجز أن يكون اليوم فى هذه الآيات ظرفا؛ لأنّ الإنذار لا يكون فى يوم القيامة. فانتصب اليوم فيهنّ انتصاب الصاعقة فى قوله: ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً﴾، وإنما لم يصحّ أن يكون اليوم فى قوله: ﴿يَوْمَ تَجِدُ﴾ مفعولا به؛ لأنّ الفعل من قوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ قد تعدّى إلى ما يقتضيه من المفعول به، ولا يجوز أن يعمل فيه المصدر الذى هو ﴿الْمَصِيرُ﴾ للفصل بينهما، ولا يعمل فيه أيضا ﴿قَدِيرٌ﴾؛ لأنّ قدرة الله على الأشياء كلّها لا تختصّ بزمان دون زمان، فبقى أن يعمل فيه المضمر الذى هو «اذكر»،

وإن شئت قدّرت: احذروا يوم تجد كلّ نفس، فنصبته نصب المفعول به، كما نصبته فى تقدير: اذكر، على ذلك.

وقال فى قول الله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزاً﴾:

قوله: ﴿إِلاّ رَمْزاً﴾ استثناء ليس من الأول، وكلّ استثناء ليس من جنس الأوّل فالوجه فيه النّصب. انتهى كلامه.

وأقول: إنّ «إلاّ» فى قوله: ﴿إِلاّ رَمْزاً﴾ إنما هى لإيجاب النفى، كقولك:

ما لقيت إلاّ زيدا، فليس انتصاب ﴿رَمْزاً﴾ على الاستثناء، ولكنه مفعول به، منتصب بتقدير حذف الخافض، والأصل: ألاّ تكلّم الناس إلاّ برمز، أى بتحريك الشّفتين باللفظ من غير إبانة بصوت، فالعامل الذى قبل «إلاّ» مفرّغ فى هذا النّحو للعمل فيما بعدها، بدلالة أنك لو حذفت «إلاّ» وحرف النفى استقام الكلام، تقول فى قولك: ما لقيت إلاّ زيدا: لقيت زيدا، وفى قولك: ما خرج إلاّ زيد: خرج زيد، وكذلك لو قيل: آيتك أن تكلّم الناس رمزا، كان كلاما صحيحا، وليس كذلك الاستثناء فى نحو: ليس القوم فى الدار إلاّ زيدا، وإلاّ زيد، فلو حذفت النّافى والموجب فقلت: القوم فى الدار زيدا، أو زيد، لم يستقم الكلام. وكذلك: ما خرج إخوتك إلاّ جعفر، لو قلت: خرج إخوتك جعفر، لم يجز، وكذلك الاستثناء المنقطع، نحو: ما خرج القوم إلاّ حمارا، لو قلت:

خرج القوم حمارا، لم يستقم، فاعرف الفرق بين الكلامين.

ثم أقول: إنّ المستثنى الذى ليس من جنس الأوّل يصحّ أن يقع به الفعل الذى عمل فى الأول، تقول: ما لقيت أحدا إلاّ حمارا، فيصحّ أن تقول: لقيت حمارا، وكذلك: ما مرّ بى أحد إلاّ غزالا، يصحّ أن تقول: مرّ بى غزال، ولا يصحّ أن توقع التكليم بالرّمز فتقول: كلّمت رمزا، كما تقول: كلّمت زيدا.

وقال فى قوله تعالى: ﴿تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ﴾: أن فى موضع خفض، بدل من ﴿كَلِمَةٍ﴾، وإن شئت فى موضع رفع، على إضمار مبتدأ، تقديره: هى أن لا نعبد، ويجوز أن تكون مفسّرة بمعنى أى، على أن تجزم ﴿نَعْبُدَ﴾ و ﴿نُشْرِكَ﴾ بلا، ولو جعلت «أن» مخفّفة من الثقيلة رفعت ﴿نَعْبُدَ﴾ و ﴿نُشْرِكَ﴾ وأضمرت الهاء. انتهى كلامه.

وأقول: أغرب الوجوه التى قد ذكرها فى إعراب ﴿نَعْبُدَ﴾ وما عطف عليه الجزم. قال الزجّاج: لو كان ﴿أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ﴾ بالجزم، ﴿وَلا نُشْرِكَ﴾ لجاز، على أن تكون «أن» مفسّرة فى تأويل أى، ويكون ﴿أَلاّ نَعْبُدَ﴾ على جهة النّهى، والمنهىّ هو الناهى فى الحقيقة، كأنهم نهوا أنفسهم. انتهى كلام أبى إسحاق.

وأقول: إنّ النّهى قد يوجّهه الناهى إلى نفسه، إذا كان له فيه مشارك، كقوله لواحد أو لأكثر: لا نسلّم على زيد، ولا ننطلق إلى أخيك، وكذلك الأمر، كقولك: لنقم إلى زيد، ولننطلق إلى أخيك، كما جاء فى التنزيل: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾.

وليس لمكّىّ فيما أورده من الكلام فى هذه الآية زلّة، وإنما ذكرت ما ذكرته فيها لما فيه من الفائدة.

وقال فى قوله جلّ وعزّ: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاّ أَذىً﴾: أذى فى موضع نصب، استثناء ليس من الأوّل.

وهذا القول نظير ما قاله فى قوله تعالى: ﴿إِلاّ رَمْزاً﴾ إنما ﴿أَذىً﴾ موضعه نصب بتقدير حذف الخافض، أى لن يضرّوكم إلاّ بأذى؛ لأنك لو حذفت «لن» و «إلاّ» فقلت: يضرّونكم بأذى، كان مستقيما.

وقال فى قوله: ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظّالِمِ أَهْلُها﴾: إنّما وحّد الظالم لجريانه على موحّد.

قوله: «وحّد لجريانه على موحّد» قول فاسد؛ لأنّ الصّفة إذا ارتفع بها ظاهر وحّدت، وإن جرت على مثنّى أو مجموع، نحو: مررت بالرجلين الظريف أبواهما، وبالرجال الكريم آباؤهم؛ لأنّ الصفة التى ترفع الظاهر تجرى مجرى الفعل الذى يرتفع به الظاهر، فى نحو: خرج أخواك، وينطلق غلمانك.

وحكى عن الفراء أنّ ﴿الصّابِئُونَ﴾ من قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصّابِئُونَ وَالنَّصارى﴾ معطوف على المضمر فى ﴿هادُوا﴾، فنسب إليه ما لم يقله عن نفسه، وإنما حكاه عن الكسائىّ، وأبطله الفراء من وجه غير وجه

أبطله به مكّىّ، فقال فى كتابه الذى ضمّنه معانى القرآن: قال الكسائىّ:

ترفع ﴿الصّابِئُونَ﴾ على إتباعه الاسم الذى فى ﴿هادُوا﴾ وتجعله من قوله: ﴿إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ﴾ أى تبنا، ولا تجعله من اليهوديّة.

قال الفرّاء: وجاء التفسير بغير ذلك؛ لأنه أراد بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾:

الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، ثم ذكر اليهود والنصارى والصابئين، فقال: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ منهم فله كذا وكذا، فجعلهم منافقين ويهودا ونصارى وصابئين. انتهى كلام الفرّاء.

يعنى أنه إذا صار معنى ﴿هادُوا﴾: تابوا هم والصابئون، بطل ذكر اليهود فى الآية. وأمّا الوجه الذى أبطل به مكّىّ قول الكسائىّ وعزاه إلى الفرّاء، فقوله:

وقد قال الفرّاء فى ﴿الصّابِئُونَ﴾: هو عطف على المضمر فى ﴿هادُوا﴾، قال:

وهذا غلط؛ لأنه يوجب أن يكون الصابئون والنصارى يهودا، وأيضا فإنّ العطف على المضمر المرفوع قبل أن يؤكّد أو يفصل بينهما بما يقوم مقام التوكيد، قبيح عند بعض النحويّين.

ثم ذكر وجوها فى رفع الصابئين. وأقول: إنك إذا عطفت على اسم «إنّ» قبل الخبر، لم يجز فى المعطوف إلاّ النّصب، نحو إنّ زيدا وعمرا منطلقان، ولا يجوز أن ترفع المعطوف حملا على موضع إنّ واسمها؛ لأنّ موضعهما رفع بالابتداء، فتقول: إنّ زيدا وعمرو منطلقان؛ لأن قولك: عمرو رفع بالابتداء، ومنطلقان خبر عنه وعن اسم إنّ، فقد أعملت فى الخبر عاملين: الابتداء وإنّ، وغير جائز أن يعمل فى اسم عاملان، وإن لم تثنّ الخبر فقلت: إنّ زيدا وعمرو منطلق، ففى ذلك قولان: أحدهما أن يكون خبر إنّ محذوفا، دلّ عليه الخبر المذكور، فالتقدير: إنّ

زيدا منطلق وعمرو منطلق، وإلى هذا ذهب أبو الحسن الأخفش، وأبو العباس المبرّد.

والآخر قول سيبويه، وهو أن يكون الخبر المذكور خبر إنّ، وخبر المعطوف محذوفا، فالتقدير: إنّ زيدا منطلق وعمرو كذلك. فالتقدير فى الآية على المذهب الأول: إنّ الذين آمنوا والذين هادوا من آمن بالله-أى من آمن منهم بالله-واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم، [والصابئون والنّصارى من آمن منهم بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم] فحذف الخبر الأول لدلالة الثانى عليه.

وعلى المذهب الآخر، وهو أن يكون الخبر المذكور خبر إنّ، وخبر الصابئين والنصارى محذوفا، كأنه قيل: والصابئون والنصارى كذلك.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.