من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
فصل (١٧)
زعم بعض النحويّين أنّ «أن» قد استعملت بمعنى «إذ» فى نحو: هجرنى زيد أن ضربت عمرا، قال: معناه إذ ضربت، واحتجّ بقول الله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ قال: أراد: إذ جاءهم، وبقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ﴾، وبقوله: ﴿إِنّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وبقوله: ﴿وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا﴾، وبقوله: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾، وبقوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ﴾ فى قراءة من فتح الهمزة، وبقول الشاعر:
سالتانىالطّلاق أن رأتانى
قلّ مالى قد جئتمانى بنكر
وبقول جميل:
أحبّك أن سكنت جبال حسمىوأن ناسبت بثنة من قريب
وبقول الفرزدق:
أتغضب أن أذنا قتيبة حزّتاجهارا ولم تغضب لقتل ابن خازم
وهذا قول خال من علم العربيّة. والصواب أنّ «أن» فى الآى المذكورة والأبيات الثلاثة، على بابها، فهى مع الفعل الذى وصلت به فى تأويل مصدر مفعول من أجله، فقوله: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ معناه: لأن جاءهم، ومن أجل أن جاءهم، وكذا التقدير فى جميع ما استشهد به، ثم أقول: إنّ تقدير «إذ» فى بعض هذه الآى التى استشهد بها يفسد المعنى ويحيله، ألا ترى أنّ قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا﴾ لا يصحّ إلاّ بتقدير: من أجل أن يكبروا، ويفسد المعنى بتقدير: إذ يكبروا، ثم إذا قدّرها فى هذه الآية بالظرف الذى هو «إذ» ونصب بها الفعل، فحذف نون «يكبرون» كان فسادا ثانيا.
قول جميل: «ناسبت بثنة» اسم محبوبته بثينة، وإنما كبّرها ضرورة، والبثنة: الزّبدة.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع