من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
ذكر أقسام «أن» المفتوحة الخفيفة
فأحد أقسامها: أن تدخل على الفعل فتكون معه فى تأويل مصدره، إن كان ماضيا أو مستقبلا أو أمريّا. وهذا الحرف أحد الحروف الموصولة، فيكون مع صلته فى تأويل مصدر، فى موضع رفع أو نصب أو خفض، فكونه فى موضع رفع، مثاله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أى وصومكم، ومثله: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ أى وعفوكم. ومن المرفوع بكان: ﴿أَكانَ لِلنّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا﴾ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا﴾ فى قراءة من نصب الجواب.
ومن المنصوب: ﴿يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ و ﴿إِنّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ معناه: بأن أنذر قومك، فلمّا حذفت الباء تعدّى الفعل فنصب، ومنه فى أحد القولين: ﴿ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ﴾.
قوله: ﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ﴾ فى موضع نصب على البدل من قوله: ﴿ما أَمَرْتَنِي بِهِ﴾، ويجوز أن تكون «أن» هاهنا مفسّرة بمعنى «أى» فلا يكون لها موضع من الإعراب.
ومثال المجرور: ﴿قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا﴾ أى من قبل إتيانك.
وتقع بعد «عسى» فتكون مع صلتها فى تأويل مصدر منصوب، إذا كانت عسى ناقصة، كقولك: عسى زيد أن ينطلق، ومثله: ﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾، وتكون فى تأويل مصدر مرفوع إذا كانت عسى تامّة، كقولك: عسى أن أنطلق، ومثله: ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً﴾ ﴿وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً﴾.
والقسم الثانى من أقسامها: أن تكون مخفّفة من الثقيلة، ويليها الاسم والفعل، فإذا وليها الاسم فلك فيه مذهبان: أحدهما أن تنصبه على نيّة تثقيلها، تقول: علمت أن زيدا قائم، قال الشاعر:
فلو أنك فى يوم الرّخاء سألتنىفراقك لم أبخل وأنت صديق
وقال كعب بن زهير:
وقد علم الضيف والمرملونإذا اغبرّ أفق وهبّت شمالا
بأنك ربيع وغيث مريعوقدما هناك تكون الثّمالا
والمرملون: الذين لا زاد معهم. والمريع: الكثير النّبات، غيث مريع، ومكان مريع، وقد مرع المكان وأمرع.
وقوله: «وهبّت شمالا» أضمر الرّيح ولم يجر لها ذكر، فنصب شمالا على الحال، وقد أشبعت الكلام فى هذا النّحو.
و «هناك» فى هذا البيت ظرف زمان، وإنما وضع ليشار به إلى المكان، واتّسع فيه، ومثله فى التنزيل: ﴿هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلّهِ الْحَقِّ﴾ و ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾.
والثّمال: الغياث.
وممّا جاءت فيه «أن» معملة على هذا الوجه من أشعار المحدثين قول المتنبّى:
وأنك بالأمس كنت محتلماشيخ معدّ وأنت أمردها
فى قوله: «محتلما» كلام رأيت إيراده لما فيه من الفائدة، وذلك أنّ «محتلما» حال، وخبر «كان» قوله: «شيخ معدّ»، والعامل فى الحال «كان»، ومن منع من إعمال «كان» فى الأحوال فغير مأخوذ بقوله؛ لأنّ الحال فضلة فى الخبر منكورة، فرائحة الفعل تعمل فيها، فما ظنّك بكان، وهى فعل
متصرّف، تعمل الرفع والنّصب فى الاسم الظاهر والمضمر، وليست «كان» فى نصبها الحال بأسوأ حالا من حرف التنبيه والإشارة، وحكى أبو زكريّا فى تفسيره لشعر المتنبّى، عن أبى العلاء المعرّى أنه قال: زعم بعض النحويّين أنّ «كان» لا تعمل فى الحال. قال: وإذا أخذ بهذا القول جعل العامل فى «محتلما» من قوله:
وأنك بالأمس كنت محتلما
الفعل المضمر الذى عمل فى قوله: «بالأمس».
وأقول: إنّ هذا القول سهو من قائله وحاكيه؛ لأنّك إذا علّقت قوله «بالأمس» بمحذوف، فلا بدّ أن يكون «بالأمس» خبرا لأن أو لكان؛ لأنّ الظّرف لا يتعلّق بمحذوف إلاّ أن يكون خبرا أو صفة أو حالا أو صلة، ولا يجوز أن يكون خبرا لأن ولا لكان؛ لأنّ ظروف الزمان لا توقع أخبارا للجثث، ولا صفات لها، ولا صلات ولا أحوالا منها. وإذا استحال أن يتعلّق قوله «بالأمس» بمحذوف، علّقته بكان، وأعملت «كان» فى «محتلما».
والوجه الثانى من وجهى إعمال «أن»: أنّك تعملها فى مقدّر، وهو ضمير الشأن، وتوقع بعدها الجملة خبرا عنها، كقولك: علمت أن زيد قائم، وأكثر قولى أن لا إله إلاّ الله، ومنه قوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ التقدير: أنه زيد قائم، وأنه لا إله إلاّ الله، وأنّه الحمد لله، ومثله: ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ فى قراءة من خفّف ورفع، ومثله: ﴿وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ. قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ التقدير: أنه قد صدّقت الرّؤيا، أو أنّك قد صدّقت الرؤيا، ومنه
قول الأعشى:
فى فتية كسيوف الهند قد علمواأن هالك كلّ من يحفى وينتعل
وإذا وليها الفعل لم يجمعوا عليها مع النّقص الذى دخلها بحذف إحدى نونيها وحذف اسمها، أن يليها مالا يجوز أن يليها وهى مثقّلة، فكان الأحسن عندهم الفصل بينها وبينه بأحد أربعة أحرف: السّين وسوف ولا وقد، تقول: علمت أن ستقوم، وأن سوف تقوم، وأن لا تقوم، وأن قد تقوم، وفى التنزيل: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى﴾، وفيه: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلاّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً﴾، وقال جرير:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاأبشر بطول سلامة يا مربع
وقال أميّة بن أبى الصّلت:
وقد علمنا لو أنّ العلم ينفعناأن سوف يتبع أخرانا بأولانا
وربما وليها الفعل بغير فصل، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى﴾، وإنّما حسن أن يليها «ليس» لضعف «ليس» فى الفعليّة، وذلك لعدم تصرّفها، وقد وليها الفعل المتصرّف فى الشّعر فى قوله:
إنّى زعيم يا نويقة إن سلمت من الرّزاح
وسلمت من عرض الحتوف من الغدوّ إلى الرّواح
أن تهبطين بلاد قوم يرتعون من الطّلاح
رفع الفعل لأنه أراد: أنّك تهبطين. الرّزاح: الإعياء، يقال: إبل مرازيح ورزحى ورزاحى.
والطّلاح: جمع الطّلح، وهو شجر عظام كثير الشّوك، وأمّا الطّلح فى قوله تعالى: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ فزعم المفسّرون أنه الموز.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع