من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
المجلس الحادى والثمانون يتضمّن ذكر ما لم نذكره من زلاّت مكّىّ
فمن ذلك غلطه فى قوله تعالى، فى سورة الأنعام: ﴿وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ قال: من قرأ بالتاء ونصب ال ﴿سَبِيلُ﴾ جعل التاء علامة خطاب واستقبال، وأضمر اسم النبىّ فى الفعل.
ومن قرأ بالتاء ورفع ال ﴿سَبِيلُ﴾ جعل التاء علامة تأنيث واستقبال، ولا ضمير فى الفعل، ورفع ال ﴿سَبِيلُ﴾ بفعله. حكى سيبويه: استبان الشىء، واستبنته أنا.
فأمّا من قرأ بالياء ورفع ال ﴿سَبِيلُ﴾ فإنّه ذكّر ال ﴿سَبِيلُ﴾ لأنه ممّا يذكّر ويؤنّث، ورفعه بفعله.
ومن قرأ بالتاء ونصب ال ﴿رَحِيمٌ﴾ أضمر اسم النبىّ ﵇ فى الفعل، ونصب ال ﴿سَبِيلُ﴾ لأنه مفعول به، واللام فى ﴿لِتَسْتَبِينَ﴾ متعلّقة بفعل محذوف، تقديره: ولتستبين سبيل المجرمين فصّلناها. انتهى كلامه.
وأقول: إنه غلط فى قوله: «واستقبال» بعد قوله: «جعل التاء علامة خطاب، وجعل التاء علامة تأنيث»؛ لأنّ مثال «تستفعل» لا شبه بينه وبين مثال الماضى فتكون التاء علامة للاستقبال، فقولك: تستقيم أنت وتستعين هى، لا يكون إلاّ للاستقبال، تقول: أنت تستقيم غدا، وهى تستعين بك بعد غد، ولا تقول: تستقيم أمس، ولا تستعين أوّل من أمس، فهو بخلاف «تفعّل»؛ لأنك إذا قلت: أنت تبيّن حديثها، وهى تبيّن حديثك، أردت: تتبيّن، فحذفت التاء الثانية استثقالا للجمع بين مثلين متحرّكين، كما حذفت [من قوله]: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ الأصل: تتنزّل، ففعل فيه ما ذكرنا من حذف الثانية، ولمّا حذفت التاء من قولك: تتبيّن، صار بلفظ الماضى فى قولك: قد تبيّن الحديث، وفى قوله تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ فحصل الفرق بين الماضى والمستقبل باختلاف حركة آخرهما، ففى هذا النّحو يقال: التاء للخطاب والاستقبال، أو للتأنيث والاستقبال.
السّبيل ممّا ذكّروه، وأنّثوه، فالتأنيث فى قوله تعالى: ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي﴾، والتذكير فى قوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾.
وقال فى ﴿جَنّاتٍ﴾ من قوله ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ﴾: من نصب ﴿جَنّاتٍ﴾
عطفها على ﴿نَباتَ﴾، وقد روى الرفع عن عاصم، على الابتداء، بتقدير: ولهم جنّات، ولا يجوز عطفها على ﴿قِنْوانٌ﴾؛ لأنّ الجنّات لا تكون من النخل.
أراد أنك لا ترفع ﴿جَنّاتٍ﴾ بالعطف على ﴿قِنْوانٌ﴾، من قوله: ﴿قِنْوانٌ دانِيَةٌ﴾؛ لأن القنوان جمع قنو، وهو العذق التامّ، ويقال له أيضا: الكباسة، فلو عطفت ﴿جَنّاتٍ﴾ على ﴿قِنْوانٌ﴾ صار المعنى: ومن النّخل من طلعها قنوان دانية وجنّات من أعناب.
فقوله: لأن الجنّات لا تكون من النخل، فيه لبس؛ لأنه يوهم أنها لا تكون إلاّ من العنب دون النخل، وليس الأمر كذلك، بل قد تكون الجنّة من العنب على انفراده، وتكون من النخل على انفراده، وتكون منهما معا، فدلالة كونها منهما معا قوله: ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ﴾، ودلالة كونها من النخل بانفراده قول زهير:
كأنّ عينىّ فى غربى مقتّلةمن النّواضح تسقى جنّة سحقا
قوله: «سحقا» صفة لمضاف محذوف، فالتقدير: تسقى نخل جنّة سحقا؛ لأنّ السّحق جمع سحوق، وهى النخلة الباسقة، فكان الصواب أن يقول:
لأنّ الجنّات التى من الأعناب لا تكون من النّخل.
قول زهير:
كأنّ عينىّ فى غربى مقتّلة
الغربان: الدّلوان الضّخمان. والمقتّلة: المذلّلة، وإنما جعلها مذلّلة؛ لأنّ المذلّلة تخرج الغرب ملآن يسيل من نواحيه، والصّعبة تنفر فتهريقه، فلا يبقى منه إلاّ صبابة، وكلّ بعير استقى عليه فهو ناضح، والرجل الذى يستقى عليه ناضح.
ومن أغاليطه قوله فى قوله تعالى، فى سورة الأعراف: ﴿حَتّى إِذَا اِدّارَكُوا فِيها﴾: أصل ﴿اِدّارَكُوا﴾ تداركوا، ثم أدغمت التاء فى الدال، فسكن أوّل المدغم، فاحتيج إلى ألف الوصل، فثبتت الألف فى الخطّ، ولا تستطاع على وزنها مع ألف الوصل؛ لأنّك تردّ الزائد أصليّا، فتقول: وزنها افّاعلوا، فتصير تاء «تفاعلوا» فاء الفعل؛ لإدغامها فى فاء الفعل، وذلك لا يجوز، فإن وزنتها على الأصل جاز فقلت: تفاعلوا. انتهى كلامه.
وأقول: إنّ عبارته فى هذا الفصل مختلّة، ورأيت فى نسخة من هذا التأليف:
«لا يستطاع على وزنها» بالياء. والصحيح استعماله بغير الجارّ: لا يستطاع وزنها؛ لأن «استطعت» ممّا يتعدّى بنفسه، كما جاء: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾، و «تستطاع» بالتاء جائز على قلق فيه، وكان الأولى أن يقول:
ولا يسوغ وزنها مع التلفّظ بتاء «تفاعلوا» فاء، ثم إنّ منعه أن توزن هذه الكلمة وفيها ألف الوصل غير جائز؛ لأنك تلفظ بها مع إظهار التاء، فتقول: وزن ادّاركوا: اتفاعلوا، وإن شئت قلت: ادفاعلوا، فلفظت بالدال المبدلة من التاء.
وقال فى قوله تعالى: ﴿ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ﴾: فى ﴿ساءَ﴾ ضمير الفاعل، و ﴿مَثَلاً﴾ تفسير، و ﴿الْقَوْمُ﴾ رفع بالابتداء، وما قبلهم خبرهم، أو رفع على
إضمار مبتدأ، تقديره: ساء المثل مثلا هم القوم الذين كذّبوا، مثل نعم رجلا زيد.
وقال الأخفش: تقديره: ساء مثلا مثل القوم.
قلت: ساء بمنزلة بئس، وهذا الباب لا يكون فيه المقصود بالذمّ أو المدح إلاّ من جنس الفاعل، فلا يجوز: بئس مثلا غلامك، إلاّ أن يراد: مثل غلامك، فيحذف المضاف. فقول الأخفش هو الصّواب، ومن زعم أن التقدير: ساء مثلا هم القوم، فقد أخطأ خطأ فاحشا.
ومن الأغاليط الشنيعة أقوال حكاها فى سورة الأنفال، فى قوله تعالى: ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ قال: الكاف من ﴿كَما﴾ فى موضع نصب، نعت لمصدر ﴿يُجادِلُونَكَ﴾ أى جدالا كما، وقيل: هى نعت لمصدر يدلّ عليه معنى الكلام، تقديره: الأنفال ثابتة لله والرسول ثبوتا كما أخرجك، وقيل: هى نعت لحقّ، أى هم المؤمنون حقّا كما. وقيل: الكاف فى موضع رفع، والتقدير: كما أخرجك ربّك من بيتك بالحقّ، فاتّقوا الله، فهو ابتداء وخبر. وقيل: الكاف بمعنى الواو للقسم، أى الأنفال لله والرسول والذى أخرجك. انتهى كلامه.
وهذه أقوال رديئة منحرفة عن الصّحة انحرافا كلّياّ، وأوغلها فى الرّداءة القول الرابع والخامس. فقوله: الكاف من ﴿كَما﴾ فى موضع رفع بالابتداء، وخبره ﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾ قول ظاهر الفساد، من وجوه، أحدها أن الجملة التى
هى ﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾ مع تقديمها على الكاف، بينها وبين الكاف فصل بثلاث آيات، وبعض آية رابعة، وهذا الفاصل مشتمل على عشر جمل، وليس فى كلام العرب، ولا فى الشّعر الذى هو محلّ الضّرورات خبر قدّم على المخبر عنه، مع الفصل بينهما بعشر جمل أجنبيّة.
والثانى: دخول الفاء فى الجملة التى زعم أنها الخبر، والفاء لا تدخل فى خبر المبتدأ إلاّ أن يغلب عليه شبه الشّرط، بأن يكون اسما موصولا بجملة فعليّة، أو يكون نكرة موصوفة، كقولك: الذى يزورنى فله درهم، وكلّ رجل يزورنى فله درهم، أو يكون خبر المبتدأ الواقع بعد «أمّا».
والثالث: أن الجملة التى هى قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾ خالية من ضمير يعود على الكاف الذى زعم أنه مبتدأ، وهى مع ذلك جملة أمريّة، والجمل الأمريّة لا تكاد تقع أخبارا إلاّ نادرا، وتمثيل هذا الذى قد قرّره قائله-وهو تقرير باطل- قولك: فاتّق الله كما أخرجك زيد من الدار، وأىّ فائدة فى انعقاد هذين الكلامين؟ والقول الآخر التابع لما قبله فى الرّذالة، والآخذ بالحظّ الوافر من الاستحالة قول من زعم أن الكاف للقسم، بمنزلة الواو، وهذا ممّا لا يجوز حكايته، فضلا عن تقبّله، وما علمت فى مذهب أحد ممّن يوثق بعلمه فى النحو؛ بصرىّ ولا كوفىّ، أنّ الكاف تكون بمنزلة الواو فى القسم، فلو قال قائل: كالله لأخرجنّ، يريد: والله لأخرجنّ، لاستحقّ أن يبصق فى وجهه. ثم إنه جعل هذا
القسم واقعا على أوّل السّورة، وجعل «ما» التى فى قوله: ﴿كَما أَخْرَجَكَ﴾ بمعنى الذى، وجعلها واقعة على القديم تعالى جدّه، مع جعله الكاف بمعنى الواو، فقال فى حكايته: الأنفال لله والرسول والذى أخرجك. وهذا لو كان على ما تلفّظ به لوجب أن يكون فاعل ﴿أَخْرَجَكَ﴾ مضمرا عائدا على «الذى»، وكيف يكون فى ﴿أَخْرَجَكَ﴾ ضمير، والفاعل ﴿رَبُّكَ﴾؟ فكأنه قيل: الأنفال لله والرسول والذى أخرجك ربّك. ثم تعليقه لهذا الذى زعم أنه قسم، بأوّل السّورة يجرى مجرى القول الذى قبله فى تباعد المتعاقدين.
وأمّا قوله: إن موضع الكاف نصب على أنها نعت لمصدر ﴿يُجادِلُونَكَ﴾ فإنه أيضا قول فاسد؛ لأنّ قوله: ﴿يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾ معناه: فى إخراجك من بيتك وخروجهم معك، فلهذا قال: ﴿كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ﴾ فيكون المعنى على هذا التأويل: يجادلونك فى إخراجك من بيتك جدالا مثل ما أخرجك ربّك من بيتك. فهذا تشبيه الشىء بنفسه؛ لأنه تشبيه إخراجه من بيته بإخراجه من بيته.
وقوله: إن الكاف تكون نعتا لمصدر يدلّ عليه معنى الكلام، تقديره: قل الأنفال ثابتة لله والرسول ثبوتا كما أخرجك. فهذا أيضا ضعيف لتباعد ما بينهما.
وأقرب هذه الأقوال إلى الصحّة قوله: إن الكاف تكون نعتا للمصدر الذى هو ﴿حَقًّا﴾ لأمرين: أحدهما تقارب ما بينهما، والآخر: أنّ إخراجه من بيته كان حقّا، بدلالة وصفه له بالحقّ فى قوله: ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾.
وإيراد مكّىّ لهذه الأقوال الفاسدة، من غير إنكار شيء منها دليل على أنه كان مثل قائليها فى عدم البصيرة.
والقول فى تحقيق إعراب هذا الحرف: أن قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ﴾ الآية، نزلت فى أنفال أهل بدر، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه لمّا رأى قلّة أصحابه وكراهيتهم للقتال قال ليرغّبهم فى القتال: «من قتل قتيلا فله كذا، ومن أسر أسيرا فله كذا». فلما فرغ من أهل بدر قام سعد بن معاذ، فقال: يا رسول الله، إن نفّلت هؤلاء ما سمّيت لهم بقى كثير من المسلمين بغير شيء. فأنزل الله: ﴿قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ فى قسمة الغنائم، فهى له يصنع فيها ما يشاء. فسكتوا وفى أنفسهم من ذلك كراهية، وهو قوله: ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ على كره منهم من المسلمين، فامض لأمر الله فى المغانم، كما مضيت على مخرجك وهم له كارهون. فموضع الكاف على هذا رفع، بأنها مع ما اتّصلت به خبر مبتدأ محذوف، فالتقدير: كراهيتهم لقسمتك الأنفال كما أخرجك ربّك من بيتك بالحقّ وإن فريقا من المؤمنين لكارهون، فقوله: ﴿كَما أَخْرَجَكَ﴾ معناه: مثل إخراجك. وإن قدّرت المبتدأ «هذا» وأشرت به إلى كراهيتهم لقسمة النبىّ للأنفال، فأردت: هذا كما أخرجك ربّك من بيتك بالحقّ، فحسن. وبالله التوفيق.
ومن أغاليطه فى سورة براءة، ما قاله فى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾
﴿الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾ قال: ﴿وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ﴾ فى موضع خفض، عطف على ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾، ولا يحسن عطفه على ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾؛ لأنه لم يتمّ اسما بعد؛ لأنّ ﴿فَيَسْخَرُونَ﴾ عطف على ﴿يَلْمِزُونَ﴾ هكذا ذكر النّحاس فى الإعراب له، وهو عندى وهم. انتهى كلامه.
يعنى أنّ النّحاس ذكر أن قوله: ﴿وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ﴾ عطف على ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾ ومنع هو من هذا؛ لأن ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾ بزعمه لم تتمّ صلته، وليس الأمر على ما قال، بل صلة الألف واللام من ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾ آخرها قوله: ﴿فِي الصَّدَقاتِ﴾، واحتجّ بأنّ ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾ لم تتمّ صلته بعطف ﴿فَيَسْخَرُونَ﴾ على ﴿يَلْمِزُونَ﴾ وأىّ حجّة فى هذا، و ﴿يَلْمِزُونَ﴾ قبل ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾؟ وزعم أن ﴿الَّذِينَ لا يَجِدُونَ﴾ عطف على ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾، وهذا غير صحيح؛ لأن تقدير الكلام على قوله: يلمزون من تطوّع من المؤمنين، ومن الذين لا يجدون إلاّ جهدهم، فيكون الذين لا يجدون إلاّ جهدهم غير مؤمنين؛ لأنّ المعطوف يلزمه أن يكون غير المعطوف عليه، تقول: جاءنى أصحابك والرجال النّصارى، فيكون النّصارى غير أصحابه، وجاءنى الرجال النصارى وأصحابك، فيكون أصحابه غير نصارى.
والصواب عطف ﴿الَّذِينَ لا يَجِدُونَ﴾ على ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾، فالتقدير:
يلمزون الأغنياء المتطوّعين، ويلمزون ذوى الأموال الحقيرة، الذين لا يجدون إلاّ جهدهم، وذلك أن عبد الرحمن بن عوف أتى بصرّة من ذهب تملأ الكفّ، وأتى رجل يقال له: أبو عقيل بصاع من تمر، فعابه المنافقون بذلك، فقالوا: ربّ محمد غنىّ عن صاع هذا. فالنّحّاس إذن مصيب، والرادّ عليه هو المخطئ.
وقال فى قوله تعالى، فى سورة يونس: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اِسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ قوله: ﴿اِسْتِعْجالَهُمْ﴾ مصدر، تقديره: استعجالا مثل استعجالهم، ثم أقام الصفة، وهى «مثل» مقام الموصوف، وهو الاستعجال، ثم أقام المضاف إليه، وهو «استعجالهم» مقام المضاف، وهو «مثل» هذا مذهب سيبويه. وقيل: تقديره: كاستعجالهم، فلمّا حذف حرف الجرّ نصب. ويلزم من قدّر حذف حرف الجرّ منه أن يجيز: زيد الأسد، فينصب الأسد، على تقدير:
كالأسد.
قلت: لا يلزم من قدّر الكاف فى قوله: ﴿اِسْتِعْجالَهُمْ﴾ أن يجيز: زيد الأسد؛ لأن الكاف حرف شاعت فيه الاسميّة، حتى دخل عليه الخافض، وأسند إليه الفعل، وليس من الحروف الخافضة التى إذا أسقطتها نصبت ما بعدها، وإنما هى أداة تشبيه، إذا حذفت جرى ما بعدها على إعراب ما قبلها، كقولك: فينا رجل كأسد، ورأيت رجلا كأسد، ومررت برجل كأسد، تقول إذا ألقيتها: فينا رجل أسد، ورأيت رجلا أسدا، ومررت برجل أسد، فلا يجوز: زيد الأسد، بالنصب؛ لأنّ منزلتها منزلة «مثل» فى قولك: زيد مثل بكر، تقول إذا حذفت
«مثلا»: زيد بكر، كما قال تعالى: ﴿وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾، ولعمرى إن قول سيبويه فى الآية هو الوجه. ومن قدّر الكاف وحذفها، فنصب ما بعدها، فلأنّ ما قبلها منصوب.
وقال فى قوله تعالى: ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾: هو فعّلنا، من زلت الشىء عن الشىء، فأنا أزيله: إذا نحّيته، والتشديد للتكثير، ولا يجوز أن يكون فيعلنا، من زال يزول؛ لأنه يلزم فيه الواو، فيقال: زوّلنا. وحكى الفرّاء أنه قرئ:
«فزايلنا» من قولهم: لا أزايل فلانا، أى لا أفارقه. ومعنى زايلنا وزيّلنا واحد.
انتهى كلامه.
أمّا قوله: لا يجوز أن يكون فيعلنا من زال يزول؛ لأنه يلزم فيه الواو، فيقال: زوّلنا. فغير صحيح، من قبل أنه لو كان فيعلنا من زال يزول، كان أصله: زيولنا، ثم يصير الواو ياء لوقوع الياء قبلها ساكنة، ثم تدغم الياء فى الياء، فيقال: زيّلنا، وذلك أنّ من شرط الياء والواو إذا تلاصقتا والأولى منهما ساكنة: أن تقلب الواو ياء، ولا تقلب الياء واوا كما زعم مكّىّ. فممّا تقدّمت فيه الياء قولهم فى فيعل من الموت: ميّت، ومن هان يهون، وساد يسود: هيّن وسيّد. الأصل:
ميوت وهيون وسيود، ففعل فيهنّ ما ذكرنا.
وممّا تقدّمت فيه الواو: الشّىّ والطّىّ واللّىّ، مصادر: شويت وطويت ولويت، أصلهنّ: شوى وطوى ولوى، ثمّ صرن إلى القلب والإدغام.
وقال فى قوله تعالى، فى سورة الحجر: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ.﴾
﴿اُدْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ. وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً﴾: إخوانا حال من ﴿الْمُتَّقِينَ﴾، أو من الضمير المرفوع فى ﴿اُدْخُلُوها﴾، أو من الضّمير فى ﴿آمِنِينَ﴾، ويجوز أن يكون حالا مقدّرة من الهاء والميم فى ﴿صُدُورِهِمْ﴾.
وأقول: إنّ «إنّ» ليست من الحروف التى تنصب الأحوال، كما تنصبها «كأنّ» فى نحو: كأنّ زيدا محاربا أسد، لما فى «كأنّ» من التشبيه الذى ضارعت به الفعل، ولكن يجوز أن يكون قوله: ﴿إِخْواناً﴾ حالا من المضمر فى الظّرف الذى هو خبر «إنّ»؛ لأنه ظرف تامّ، والظّروف التّوامّ تنصب الأحوال؛ لنيابتها عن الاستقرار أو الكون، فالتقدير: إنّ المتّقين مستقرّون فى جنّات. وجاز أن يكون ﴿إِخْواناً﴾ حالا من هذا الضمير على ضعف، وذلك لبعد الحال منه؛ لأن مجموع هذه الآيات تشتمل على ثلاث جمل: الأولى ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ﴾، والثانية: ﴿اُدْخُلُوها بِسَلامٍ﴾، والثالثة: ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ فإن جعلت ﴿إِخْواناً﴾ حالا من الواو فى ﴿اُدْخُلُوها﴾ فهى حال مقدّرة لقوله: ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾؛ لأنهم لا يدخلونها وهم متقابلون على سرر، وإنما يكون ذلك بعد الدخول، فالتقدير: مقدّرين التّقابل على سرر، وإن جعلت الحال من المضمر فى ﴿آمِنِينَ﴾ فحسن، وإن جعلتها من الضمير الذى هو الهاء والميم فى ﴿صُدُورِهِمْ﴾ فالحال من المضاف إليه ضعيفة، وقد بسطت القول فى هذا النّحو، فيما تقدّم. ولكن يجوّز ويحسّن أن يكون قوله: ﴿إِخْواناً﴾ حالا من
هذا الضمير شيئان: أحدهما قربه منه، والآخر أن المضاف الذى هو «الصّدور» بعض المضاف إليه، فكأنه قيل: ونزعنا ما فيهم من غلّ، فليس هذا المضاف كالمضاف فى قول تأبّط شرّا:
سلبت سلاحى بائسا وشتمتنى
فاعرف الفرق بين الحالين.
وقال فى قوله ﷿، فى سورة مريم: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾: ذهب يونس إلى أنّ ﴿أَيُّهُمْ﴾ رفع بالابتداء، لا على الحكاية، ويعلّق الفعل، وهو ﴿لَنَنْزِعَنَّ﴾ فلا يعمله فى اللفظ، ولا يجوز تعليق مثل ﴿لَنَنْزِعَنَّ﴾ عند سيبويه والخليل، وإنما يجوز أن تعلّق أفعال الشكّ وشبهها، مما لم يتحقّق وقوعه.
قلت: اختصاصه بالتعليق أفعال الشكّ وشبهها ممّا لم يتحقّق وقوعه.
خطأ؛ لأنّ أفعال العلم تعلّق، ولها فى تحقّق الوقوع القدم الراسخة، فممّا علّق فيه الماضى منها عن لام الابتداء قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اِشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾، وممّا علّق فيه المستقبل منها عن الاسم الاستفهامىّ قوله:
﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً﴾.
هذه جملة ما علقت به من سقطات هذا الكتاب، على أنّنى لم أبالغ فى تتبّعها، وإنما ذكرت هذه الرّدود على هذه الأغاليط؛ لئلاّ يغترّ بها مقصّر فى هذا العلم فيعوّل عليها ويعمل بها. والله ولىّ التوفيق للصلاح فى كلّ ما أنويه وأعتمده، بمنّه وطوله.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع