من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
وقد وردت لأبى الطيّب أمثال فى أعجاز أبيات
منها قوله:
إنّ المعارف فى أهل النّهى ذمم
وقوله:
أنا الغريق فما خوفى من البلل
وقوله:
وقد يؤذى من المقة الحبيب
وقوله:
ولكن ربّما خفى الصّواب
وقوله:
وكلّ اغتياب جهد من ماله جهد
وقوله:
ليس التكحّل فى العينين كالكحل
وقوله:
وتأبى الطّباع على الناقل
وقوله:
وفى الباقى لمن بقى اعتبار
وقوله:
ومن وجد الإحسان قيدا تقيّدا
وقوله:
ومن لك بالحرّ الذى يحفظ اليدا
وقوله:
والمستغرّ بما لديه الأحمق
وقوله:
وفى عنق الحسناء يستحسن العقد
وقوله:
وليس بمنكر سبق الجواد
وقوله:
ولكنّ صدم الشّرّ بالشّرّ أحزم
وقوله:
قد أفسد القول حتى أحمد الصّمم
وقوله:
مصائب قوم عند قوم فوائد
وقوله:
ومخطئ من رميّة القمر
وقوله:
فإنّ فى الخمر معنى ليس فى العنب
وقوله:
ومن قصد البحر استقلّ السّواقيا
وقوله:
وأين من المشتاق عنقاء مغرب
وقوله:
ولا يردّ عليك الفائت الحزن
وقوله:
بجبهة العير يفدى حافر الفرس
وقوله:
والجوع يرضى الأسود بالجيف
وقوله:
إذا عنّ بحر لم يجز لى التّيمّم
وقوله:
إنّا لنغفل والأيام فى الطّلب
وقوله:
إنّ النّفيس غريب حيث ما كانا
وقوله:
وبضدّها تتبيّن الأشياء
وقوله:
غير مدفوع عن السّبق العراب
وقوله:
ما كلّ دام جبينه عابد
وقوله:
ومن يسدّ طريق العارض الهطل
وقوله:
ويبين عتق الخيل فى أصواتها
وقوله:
والشّيب أوقر والشّبيبة أنزق
وقوله:
وفى التجارب بعد الغىّ ما يزع
يزع: يكفّ، أى يكفّ الغاوى عن غيّه.
وجاء بمثل فى ثلث بيت، وهو قوله:
ومن للعور بالحول
وليس شيء مما ذكرته من هذه الآداب البارعة والأمثال السائرة الرائعة إلاّ قد فاوضت فيه شيوخ أهل العلم، فابدءوا فيه وأعادوا، واستحسنوا واستجادوا. وإنما ذكرت لك طرفا من عيون كلمه، وبعضا من فنون حكمه؛ لأنبّهك على جلالة قدره، وأعرّفك أنه فى الشّعر نسيج وحده وقريع عصره. ومن صغّر شأنه فقد أبان عن نقص فى نفسه كثير، وما أحسن قول النابغة:
أىّ الرجال المهذّب
والفاضل من عدّت سقطاته، والإساءة فى البيت الفذّ مغفورة بالإضافة إلى ألف حسنة، كما قيل:
وإذا الحبيب أتى بذنب واحدجاءت محاسنه بألف شفيع
وبعد هذا، من الذى سلم فى شعره من الشّعراء المتقدّمين؟ ولو اقتصصت
لك سقطات بشّار وأبى نواس وأبى تمّام والبحترىّ، وغيرهم من الفحول المبرّزين، المتقدّمين والمتأخّرين، لاستحسنت من شعر أبى الطيّب ما استقبحته، واستجدت ما استرذلته، على أنه لم يرتكب لفظة مستهجنة إلاّ وليس له عنها مندوحة، ولست تقدر أن توجدنى أمثالا عدد أمثاله فى شعر واحد من نظرائه وأمثاله، بل لا تجد ذلك لمجيدين أو ثلاثة مكثرين، من المتقدّمين والمتأخّرين، وما أحسن قوله:
فجازوا بترك الذّم إن لم يكن حمد
وأسخف شعره القصيدة التى أوّلها:
ما أنصف القوم ضبّه
وفيها:
إن أوحشتك المعالىفإنها دار غربه
أو آنستك المخازىفإنها بك أشبه
وكلّ من خطّأه فى معنى أو كلمة لغويّة فهو مخطئ فى تخطئته.
فممّن خطّأه فى كلمة لغويّة أبو زكريا، فقال فى قوله:
قد كنت تهزأ بالفراق مجانة
الناس يستعملون المجانة فى معنى الهزء بالشىء والتّهاون به، يقولون: فلان ماجن، إذا كان مسرفا فى اللهو والقول لما لم يكن. فأمّا أهل اللغة فيقولون:
مجن: إذا مرن على الشىء. انتهى كلامه.
والذى قاله غير صحيح، بدلالة أن المجانة قد وردت فى الشّعر القديم، على ما ذهب إليه المتنبّى، وذلك فى قول يزيد بن مفرّغ الحميرىّ، يهجو عبّاد بن زياد بن أبيه:
شجاع فى المجانة والمخازىجبان عند محتضر المصاع
وقال أبو الحسين بن فارس فى المجمل: «المجون: ألاّ يبالى الإنسان بما صنع»، فهذا دفع لما قاله أبو زكريّا، من جهة شعر العرب، ومن جهة قول أهل اللغة.
وقال المتنبّى يصف جيشا فى أرض قطعها، ويخاطب الممدوح:
جيش كأنك فى أرض تطاولهوالأرض لا أمم والجيش لا أمم
يقول: بعدت الأرض وطالت، فكأنها تطاول جيشك البعيد أطرافه.
والأمم: بين القريب والبعيد. ثم فسّر هذا بقوله:
إذا مضى علم منها بدا علموإن مضى علم منها بدا علم
أراد بالعلم من الأرض: الجبل، وبالعلم من الجيش: الراية، يقول:
فلا الجبال تفنى، ولا أعلام الجيش.
قال أبو زكريا: ولو قال: وإن مضى عالم منه، لكان أحسن فى حكم الشّعر؛ لأنّ تكرير «العلم» فى البيت كثر. وقوله: وإن مضى عالم، يقلّل تردّد «العلم» ويدلّ على كثرة الجيش. انتهى كلامه.
وأقول: إن المتنبّى لو قال ما ذهب إليه أبو زكريّا، فاستعمل «العالم» فى موضع «العلم» كان قبيحا فى صناعة الشّعر؛ لأنه قد أتى بذكر «العلم» الذى هو الجبل مرّتين، فوجب أن يقابله بذكر «العلم» الذى هو الراية مرّتين.
وأما قوله: إنه لو قال: «مضى عالم» دلّ على كثرة الجيش، فكذلك ذكر «العلم» يدلّ على كثرة الجيش؛ لأن العلم يكون تحته أمير معه عالم.
وأمّا كراهيته لتكرير «العلم» فقول من جهل ما فى التكرير من التوكيد والتّبيين، إذا تعلّق التكرير بعضه ببعض، بحرف عطف، أو بحرف شرط، أو غير ذلك من المعلّقات، كما جاء فى التنزيل: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ ومثله: ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اِسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ﴾. فالتكرير فى هذا النحو حسن مقبول، وإذا جاء هذا فى القرآن علمت أن التكرير فى بيت أبى الطيّب غير معيب، وإنما يعاب التكرير إذا ورد اللفظ فى بيتين أو ثلاثة والمعنى واحد.
ووهم أبو زكريّا في بيت لأبى نواس، حمل عليه بيتا لأبى الطيّب، وذلك قول أبى الطيّب:
يا من لجود يديه فى أموالهنقم تعود على اليتامى أنعما
حتى يقول الناس ماذا عاقلاويقول بيت المال ماذا مسلما
قال أبو زكريّا: عظّم الممدوح تعظيما وجب معه ألا يكون خاطبه بقوله:
حتى يقول الناس ماذا عاقلا
وإنما تبع فى ذلك الحكمىّ فى قوله:
جاد بالأموال حتّى قيل ما هذا صحيح
ويجوز أن يكون أبو الطيّب ظنّ أنّ أبا نواس أراد: ما هذا صحيح العقل، ولعلّه لم يرد ذاك، وإنما أراد: ما هذا الفعل صحيح. انتهى كلامه.
وأقول: إن أبا نواس لم يرد إلاّ ما ذهب إليه المتنبّى؛ لأنّ أبا نواس قد صرّح بهذا المعنى فى قصيدة أخرى، وأتى بلفظة أقبح من قوله: «ما هذا صحيح» فقال:
جدت بالأموال حتّىحسبوه الناس حمقا
وتبعه فى ذلك أبو تمام فقال:
ما زال يهذى بالمكارم والنّدىحتى ظننّا أنه محموم
ويروى: «يهذر» والأصل فى هذا قول أعرابىّ، فيما أورده الجاحظ فى كتاب الحيوان:
حمراء تامكة السّنام كأنهاجمل بهودج أهله مظعون
جادت بها عند الوداع يمينهكلتا يدى عمر الغداة يمين
ما كان يعطى مثلها فى مثلهإلاّ كريم الخيم أو مجنون
فعلى هذا المنوال نسج أبو الطيّب بيته، فأراد أنه يفرط فى الجود حتّى ينسبه الناس إلى عدم العقل، ولو كان بيت المال مما يصحّ منه الكلام لقال: ماذا مسلما؛ لأنه فرّق أموال المسلمين، ويجوز أن يكون أراد: حتى يقول خزّان بيت المال، وحذف المضاف، كما حذف فى ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾.
وقول الأعرابىّ: «تامكة السّنام» أى عاليته. تمك السّنام: علا.
والخيم: السّجيّة، وهى الخليقة. والهاء فى «مثله» تعود على الوداع، أى فى مثل وقت الوداع.
قد أثبتّ لك ما ظفرت به بالتتبّع، من حكم أبى الطيّب، ولم أثبت إلاّ ما رأيته فى مكاتبة، أو سمعته فى مفاوضة، فقد كفيتك مئونة تطلّبه، وبقى عليك تكلّف تحفّظه.
فمن فضائل هذا الشاعر من دون قائلى القريض، أنك لا تجد واحدا من الناس إلاّ وهو يحفظ من شعره قصائد أو قصيدتين أو قصيدة، أو مقطوعة أو بيتا، أو صدر بيت، أو عجز بيت. فممّا أجمع الناس على حفظه، أو حفظ عجزه قوله:
بذا قضت الأيام ما بين أهلهامصائب قوم عند قوم فوائد
ولقد سمعت من أدوان العوامّ مرارا غير محصاة أناسا ينشدون:
ومن نكد الدنيا على الحرّ أن يرىعدوّا له ما من صداقته بدّ
وكذلك قوله:
والظّلم من شيم النفوس فإن تجدذا عفّة فلعلّة لا يظلم
إلا أنهم يغلطون فيقولون: فإن ترى. يستعملون «ترى» موضع «تجد».
وما أوقع قوله فيمن ذمّه:
وإذا أتتك مذمّتى من ناقصفهى الشهادة لى بأنى فاضل
وقوله:
رمانى خساس الناس من صائب استهوآخر قطن من يديه الجنادل
ومن جاهل بى وهو يجهل جهلهويجهل علمى أنه بى جاهل
أمّا إعراب هذين البيتين: فإنّ دخول «من» فى قوله: «من صائب استه» كدخولها فى قولك: جاء القوم من ضاحك ومن باك، فهى للتبعيض؛ لأنّ المعنى:
بعضهم ضاحك، وبعضهم باك. ويقال: أصاب السهم الهدف فهو مصيب، وصابه فهو صائب، لغيّة. قال بشر بن أبى خازم الأسدىّ:
تسائل عن أخيها كلّ ركبولم تعلم بأنّ السّهم صابا
وقوله:
ويجهل علمى أنه بى جاهل
علمى: مفعول يجهل. وقوله: «أنه بى جاهل» هو الفاعل، أى يجهل جهله بى علمى.
وفسّر علىّ بن عيسى الرّبعىّ قوله: «من صائب استه» بأنه من ضعفه إذا رمى يصيب استه، فحمله على معنى قوله:
وآخر قطن من يديه الجنادل
وليس هذا القول بشىء؛ لأننا لم نجد فى الموصوفين بالضّعف من يرمى بحجر أو غير حجر مما ترمى به اليد فيصيب استه، وإنما هو مثل ضربه، فذكر تفصيل عائبيه، فقال: عابنى أراذل الناس، فمنهم من رمانى بعيب هو فيه، وهو الأبنة، فانقلب قوله عليه، فأصاب استه بالعيب الذى رمانى به. وآخر لم يؤثّر كلامه فى عرضى؛ لعيّه وحقارته، فهو كمن يرمى قرنه بسبائح القطن، أى الذين رمونى من هذين الصّنفين بهذين الوصفين.
تمّت الأمالى التى أملاها الشريف النقيب ضياء الدين أبو السّعادات هبة الله ابن علىّ الشجرىّ البغدادىّ. ﵀.
وكتب أسعد بن معالى بن إبراهيم بن عبد الله. فى شهور سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. حامدا لله تعالى على نعمه، ومصليا على خيرته من خلقه محمّد النبىّ، وعلى آله وصحبه، ومسلّما. وحسبنا الله ونعم الوكيل.
بلغ العرض على أصله المنقول منه، فصحّ والله الموفّق ...
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع