تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

المجلس الثانى والثمانون يتضمّن ذكر أبيات من شعر أبى الطيّب

منها قوله يهجو إسحاق بن إبراهيم بن كيغلغ:

يمشى بأربعة على أعقابهتحت العلوج ومن وراء يلجم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

ذهب باليدين والرّجلين مذهب الأعضاء، فذكّر على المعنى، كما قال الأعشى:

يضمّ إلى كشحيه كفّا مخضبا

وكان القياس أن يقول: بأربع، ولكنه ألحق الهاء ضرورة، وقد أنّثوا المذكّر على المعنى، فيما رواه الأصمعىّ، قال: قال أبو عمرو بن العلاء: سمعت أعرابيّا يمانيا يقول: فلان لغوب، جاءته كتابى فاحتقرها. فقلت له: أتقول جاءته كتابى؟ فقال: أليس بصحيفة؟ فقلت له: ما اللّغوب؟ فقال: الأحمق.

وقال الشاعر:

وحمّال المئين إذا ألمّتبنا الحدثان والأنف النّصور

ويروى: «الغيور». أنّث الحدثان على معنى الحادثة. ومن تأنيث المذكّر على المعنى تأنيث الأمثال فى قوله ﷿: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾؛ لأنّ الأمثال فى المعنى حسنات، فالتقدير: عشر حسنات أمثالها. وإذا

كانوا قد أنّثوا المذكّر على المعنى، فتذكير المؤنّث أسهل؛ لأنّ حمل الفرع على الأصل أسهل من حمل الأصل على الفرع.

وقال: «على أعقابه» فجمع فى موضع التثنية، وحقّه فى الكلام: على عقبيه، كما جاء فى التنزيل: ﴿نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ﴾، ولكنّهم قد جمعوا فى موضع الإفراد، فقالوا: شابت مفارقه، وبعير ذو عثانين، وقال الشاعر:

والزّعفران على ترائبهاشرق به اللّبّات والنّحر
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «لمن الديار رسومها قفر»

فجمع التّربية واللّبّة بما حولهما. وإذا كان هذا قد جاز فى موضع الواحد، فالجمع فى موضع التثنية أجوز.

وأمّا إعراب «وراء» مع حذف المضاف إليه، فإنّ الغايات، وهى الظّروف التى حذفوا منها المضاف إليه، وبنوها على الضمّ، كقبل وبعد وفوق وتحت، إنّما بنوها لأنّ المضاف إليه مقدّر عندهم، حتى إنها متعرّفة به محذوفا، فلما اقتصروا على المضاف فجعلوه نهاية، صار كبعض الاسم، وبعض الاسم لا يعرب، فإن نكّروا شيئا من ذلك أعربوه، فقالوا: جئت قبلا، ومن قبل، وبعدا، ومن بعد، قال الشاعر:

فساغ لى الشّراب وكنت قبلاأكاد أغصّ بالماء الفرات

وقرأ بعض القرّاء: ﴿لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾، فأعرب لنيّة التكرير.

فقوله: «من وراء» على تقدير التنكير، كأنه قال: من جهة تخالف وجهه يلجم.

والعلج: يجمع علوجا، وأعلاجا، كجذوع وأجذاع. والعلج: الرجل العجمىّ، والحمار الوحشىّ. وقالوا: رجل علج، أى شديد، واشتقاقه من المعالجة، كأنه لشدّته يعالج الشىء الثّقيل، وقالوا لحمار الوحش علج؛ لأنه يعالج آتنه، يعاركها، وقالوا: اعتلجت الأمواج: التطمت.

يقول: يمشى القهقرى على أربع؛ حبّا للاستدخال، ولمّا وصفه بالمشى على أربع كالبهيمة جعل ما يولج فيه لجاما.

ومنها قوله:

وجفونه ما تستقرّ كأنّهامطروفة أو فتّ فيها حصرم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

أراد أنه أبدا يحرّك جفونه، يستدعى بذلك العلوج، فإشارته إليهم بجفونه متتابعة، حتى كأنّ بعينه طرفة، أو حصرما فتّ فيها، فهى لا تستقرّ. و «فتّ» معطوف على «مطروفة»، وليس من حقّ الفعل أن يعطف على الاسم، ولا حقّ الاسم أن يعطف على الفعل، ولكن ساغ ذلك فى اسم الفاعل واسم المفعول، لما بينهما وبين الفعل من التّقارب، بالاشتقاق والمعنى، ولذلك عملا عمله، فممّا عطف فيه الفعل على الاسم قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً﴾.

وممّا عطف فيه الاسم على الفعل قول الراجز:

تبيت لا تأوى ولا نفّاشا

وقول الآخر:

بات يغشّيها بعضب باتريقصد فى أسوقها وجائر

وإنما ساغ ذلك فى هذا الضّرب من الأسماء لصحّة تقدير الاسم بالفعل، والفعل بالاسم، فالتقدير: صافّات وقابضات، وإنّ الذين تصدّقوا وأقرضوا، ولا تأوى ولا تنفش، ويقصد فى أسوقها ويجور، وطرفت وفتّ فيها حصرم.

النّفّاش: الغنم التى تنتشر بالليل فترعى بلا راع، وكذلك الإبل، يقال:

نفشت تنفش نفشا، مفتوح الثانى، وفى التنزيل: ﴿وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾.

ومنها قوله:

وإذا أشار محدّثا فكأنهقرد يقهقه أو عجوز تلطم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

إن قيل: كيف قابل القهقهة، وهى صوت، باللّطم، وليس بصوت، وإنما كان حقّ الكلام أن يضع فى موضع «تلطم» تولول، أو تبكى، أو نحو ذلك؛ لأنّه إنّما شبّه حديثه بقهقهة القرد، فشبّه صوتا بصوت، ولا معنى لتشبيه الحديث باللّطم.

وعن هذا السّؤال جوابان: أحدهما أنه شبّه حديثه بقهقهة قرد، أو بلطم عجوز خدّها فى مناحة، ولطم النّساء فى المناحة لا بدّ أن يصحبه صوت، فلمّا

اضطرّه الوزن والقافية إلى ذكر اللّطم الدالّ على الولولة والنّوح، اكتفى بذكر الدّليل من المدلول عليه.

و «أو» هاهنا للإباحة، فكأنه قال: إن شبّهته فى حديثه بقرد يقهقه فكذاك هو، وإن شبّهته بعجوز تلطم وتولول فكذاك.

والجواب الثانى: أنه شبّه شيئين بشيئين، شبّه حديثه بقهقهة القرد، وشبّه إشارته فى أثناء حديثه بلطم العجوز، وإنما جعل حديثه كضحك القرد؛ لأنه لعيّه غير مفهوم الحديث، وجعله مشيرا بيديه؛ لأنه لا يقدر على الإفصاح، فهو يستعين بالإشارة إذا حدّث، كما أشار باقل حين عجز عن الجواب وقد مرّ بقوم ومعه ظبى اشتراه بأحد عشر درهما، وهو متأبّطه، فقالوا: بكم اشتريت الظّبى؟ فمدّ يديه وفرّق أصابعه ودلع لسانه، يريد بأصابعه عشرة دراهم، وبلسانه درهما، فشرد الظّبى حين مدّ يديه.

وقد ضمّن هذا التشبيه معنى آخر، وهو أنه أراد قبح وجهه، وكثرة تشنّجه، فهو فى القبح كوجه القرد، وفى التّغضّن-وهو التّشنّج-كوجه العجوز.

فإن قيل: كيف يشبّه شيئين بشيئين، ويعطف بأو، وهى لأحد الشيئين، وإنما حقّ ذلك العطف بالواو؛ لأنّ التقدير: وإذا أشار محدّثا فكأنّه فى حديثه قرد يقهقه، وفى إشارته عجوز تلطم؟

فعن هذا الاعتراض جوابان: أحدهما: أن «أو» هاهنا للإباحة، وقد قدّمت ذكر ذلك.

والثانى: أنّ «أو» قد وردت فى مواضع من كلام العرب بمعنى الواو، واعتمد بعض النحويّين على ذلك، وأنشدوا:

فقلت البثوا شهرين أو نصف ثالثإلى ذاكم ما غيّبتنى غيابيا

أراد: ونصف ثالث.

قال الأصمعىّ: الكركرة والقهقهة: رفع الصوت بالضّحك، والاستغراب أشدّ منهما.

ومنها قوله:

يقلى مفارقة الأكفّ قذالهحتى يكاد على يد يتعمّم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

القلى: البغض، مكسور مقصور، وقد صرّفت العرب منه مثالين: قلاه يقليه، مثل رماه يرميه، وقليه يقلاه، مثل رضيه يرضاه، وهو من الياء، بدلالة يقلى، ولو كان من الواو كان يقلو، وأنشدوا فى يقلى:

وترميننى بالطّرف أى أنت مذنبوتقليننى لكنّ إيّاك لا أقلى

وفى التنزيل: ﴿ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾، وروى أبو الفتح لغة ثالثة:

قلاه يقلوه قلاء، مثل: رجاه يرجوه رجاء، وأنشد:

إن تقل بعد الودّ أمّ محلّمفسيّان عندى ودّها وقلاؤها

والقذال: جماع مؤخّر الرأس. ويجوز أن يرتفع قذاله بإسناد «يقلي» إليه، كأنه قال: يبغض قذاله مفارقة الأكفّ إيّاه، ويجرى إسناد البغض إلى القذال مجرى إسناد الاشتهاء إلى السّفن فى قوله:

تجرى الرّياح بما لا تشتهى السّفن

والوجه أن تضمر فى «يقلى» فاعلا، وتعمل المفارقة فى القذال، فإن نصبته فالأكفّ فاعلة، وإن رفعته فالأكفّ مفعولة، على منهاج:

قرع القواقيز أفواه الأباريق

يقول: يحبّ أن يقفد، حتى إنه ليكاد يتعمّم على يد قافدة، أى صافعة، فقوله:

يقلى مفارقة الأكفّ قذاله

كقولك: يحبّ مواصلة الأكفّ قفاه.

ومنها قوله:

وتراه أصغر ما تراه ناطقاويكون أكذب ما يكون ويقسم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

هذا البيت قد تكلمت عليه، وأوضحت وجوه إعرابه فيما قدّمته من الأمالى، وهو والأبيات الأربعة التى ذكرتها قبله، وذكرت ما اقتضته من التفسير، مهملة كلّها فى تفسير أبى زكريّا، لم يصحب بيتا منها كلمة فذّة، وأبو الفتح ذكر فى بيتين منها أحرفا يسيرة.

حذف أبو الطيّب «أن» ورفع الفعل فى قوله:

يا حاديى عيسها وأحسبنىأوجد ميتا قبيل أفقدها

وحذفها فى هذا النحو للضّرورة، ولا يجوز عند البصريّين النصب بها مضمرة إلاّ بعد عوض، كإضمارها بعد الفاء فى جواب ما ليس بواجب، كالنّهى فى قوله:

﴿لا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ﴾ والكوفيّون يرون النصب بها محذوفة وإن لم

يكن عوض، وينشدون قول طرفة:

ألا أيّ هذا الزّاجرى أحضر الوغاوأن أشهد اللذّات هل أنت مخلدى

بنصب «أحضر»، وعلى مذهبهم قال أبو الطيّب:

بيضاء يمنعها تكلّم دلّهاتيها ويمنعها الحياء تميسا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هذي برزت لنا فهجت رسيسا»

والمراد بتصغير الظروف تقريب الأوقات والأماكن، كقولك: خرجت قبيل الظّهر، وبعيد المغرب، وقعدت دوين الحائط، كما قال ذو القروح، يصف ذنب فرسه:

بضاف فويق الأرض ليس بأعزل

الضّافى: السّابغ. والأعزل من الأذناب: الذى يميل يمنة أو يسرة.

فإن قيل: لم كان حذف «أن» اضطرارا فى قوله: «قبيل أفقدها»، وظاهر أمر «قبل وبعد» أنهما ظرفا زمان، فهلاّ أضيفا إلى الفعل بغير تقدير «أن» كسائر أسماء الزمان؟

فالجواب: أنّ المكان أحقّ بهما من الزمان، وقد أوضح حالهما أبو سعيد السّيرافىّ، فى شرح الكتاب، فى قوله: إنّ «قبل وبعد» غير متمكّنين، فلا يرفعان، ولا يجوز: سير قبلك، والذى منعهما من التصرّف والرفع أنهما ليسا باسمين لشيء من الأوقات، كالليل والنهار، والساعة والظّهر والعصر، وإنما استعملا فى الوقت للدّلالة على التقديم والتأخير. يعنى أنك إذا قلت: جئت قبل زيد، أردت

تقديم زمان مجيئك على زمان مجيئه، وإذا قلت: جئت بعده، أردت تأخير زمان مجيئك عن زمان مجيئه.

ويشهد بأنّ أصلهما المكان ثلاثة أشياء: أحدها امتناعهم من إضافتهما إلى الفعل فى حال السّعة، وإنما يضافان إلى أن والفعل، وما والفعل، كما جاء فى التنزيل: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾.

والثانى: إخبارك بهما عن الجثّة، كقولك: الجبل بعد الوادى، والوادى قبل الجبل، وظروف الزمان لا تستعمل أخبارا عن الأشخاص.

والثالث: أنهما أصل فى الغايات، ولم نجدهم أدخلوا فى حكمهما إلاّ ظروف المكان، كفوق وتحت ووراء وقدّام وعلى. فهذا قول جلىّ كما تراه، والمتّسمون بالنحو قبيل وقتنا هذا، ممّن شاهدته وسمعت كلامه على خلاف ما قلته وأوضحته. فاستمسك بما ذكرته لك، فقد أقمت لك برهانه.

وهذه المسألة ممّا ذكرته فى الرّدّ على أبى الكرم بن الدّبّاس أغاليطه فى كتابه الذى سمّاه: المعلم.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.