تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

المجلس الثالث والثمانون تفسير قول أبى الطيّب

عزير أسا من داؤه الحدق النّجلعياء به مات المحبّون من قبل

روى بعض الرّواة: عزيز أسا، بتنوين «أسا» ونصبه على التمييز، كما تقول:

عزيز دواء زيد، فرفعوا «من» بالابتداء، و «عزيز» خبرها؛ لأنّ «من» معرفة بصلتها، أو نكرة متخصّصة بصفتها، فهى أولى بالابتداء فى كلا وجهيها، وصفة «من» تكون على ضربين: جملة ومفرد، فالجملة فى قول عمرو بن قميئة:

يا ربّ من يبغض أذوادنارحن على بغضائه واغتدين
للشاعر عمرو بنِ قُمَيئَة، اقرأ القصيدة

وفى قول الآخر:

ربّ من أنضجت غيظا صدرهقد تمنّى لى موتا لم يطع

والمفرد فى قول حسّان:

فكفى بنا فضلا على من غيرناحبّ النبىّ محمّد إيّانا
للشاعر كعب بن مالك الأنصاري، اقرأ القصيدة

فمن نكرة فى البيت الأوّل والثانى؛ لأن «ربّ» لا تليها المعرفة. وفى البيت الثالث؛ لأن المفرد لا يكون صلة، فكأنه قال: على ناس غيرنا، أو قوم غيرنا، وإن رفعت «غيرنا» بأنه خبر مبتدأ محذوف، تريد: من هو غيرنا، فجعلت «من» موصولة، كقراءة من قرأ: ﴿تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ يريد: هو أحسن، جاز. ومثله ما رواه الخليل من قولهم: ما أنا بالذى قائل لك شيئا.

ويجوز فى قول من نوّن «أسا» أن ترفع «من» بعزيز، رفع الفاعل بفعله، على ما يراه الأخفش والكوفيّون، من إعمال اسم الفاعل، واسم المفعول، والصّفة المشبّهة باسم الفاعل وإن لم يعتمدن، كقولك: قائم غلاماك، ومضروب صاحباك، وظريف أخواك.

والوجه إعمالهنّ إذا اعتمدن على مخبر عنه، أو موصوف، أو ذى حال، وأقلّ ما يعتمدن عليه همزة الاستفهام، و «ما» النافية.

وروى آخرون إضافة «أسا» ورفعه بالابتداء؛ لتخصّصه بالإضافة، و «عزيز» خبره، وإن شئت رفعت «عزيزا» بالابتداء، ورفعت «أسا» به، على المذهب الأضعف.

وأما «عياء» ففى رفعه ثلاثة أوجه: إن شئت جعلته خبرا بعد خبر، كقولهم: هذا حلو حامض، أى قد جمع الطّعمين. وإن شئت أبدلته من الحدق؛ لأنها هى الداء فى المعنى، فكأنك قلت: من داؤه عياء. و «عزيز» هنا يحتمل أن يكون من عزّ الشىء: إذا قلّ وجوده. ويحتمل أن يراد به: شديد صعب، غالب للصّبر، من قولهم: عزّه يعزّه، إذا غلبه، ومنه ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ﴾، أى شديد عليه عنتكم، أى هلاككم.

وللأسا وجهان: أحدهما الحزن، وفعله: أسى يأسى، والآخر: العلاج والإصلاح، وفعله: أسا يأسو، يقال: أسوت الجرح: إذا أصلحته وداويته، أسوا وأسا. قال الأعشى:

عنده البرّ والتّقى وأسا الشّقّوحمل لمضلع الأثقال

وحدقة العين: سوادها، والجميع: حدق وحداق، فحدق من باب قصبة وقصب، وحداق مثل رقبة ورقاب، ورحبة ورحاب.

والنّجل: جمع نجلاء، والمصدر: النّجل، وهو السّعة فى حسن.

تفسير قوله:

كفى بجسمى نحولا أننى رجللولا مخاطبتى إيّاك لم ترنى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبلى الهوى أسفا يوم النوى بدني»

يتوجّه فى هذا البيت سؤال عن الفرق فى الإعراب بين «كفى بجسمى نحولا» ﴿وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾.

وسؤال ثان، وهو أنّ «أنّ» المفتوحة تكون مع خبرها فى تأويل مصدر، كقولك: بلغنى أنّك ذاهب، أى بلغنى ذهابك، فبأىّ مصدر تتقدّر فى هذا البيت؟

وسؤال ثالث، وهو أن يقال: إن الجملة التى هى «لولا مخاطبتى إياك لم ترنى» وصف لرجل، ورجل اسم غيبة، فكيف عاد إليه منها ضمير متكلّم؟ وكان القياس أن يقال: لولا مخاطبته إيّاك لم تره.

الجواب: أنّ «كفى» ممّا غلب عليه زيادة الباء، تارة مع فاعله، وتارة مع مفعوله، ودخولها على مفعوله قليل، فزيادتها مع الفاعل مثل: كفى بالله، المعنى: كفى الله، ويدلّك على أنها مزيدة فى «بالله» قول سحيم:

كفى الشّيب والإسلام للمرء ناهيا

وأمّا زيادتها مع المفعول، فمنه ما أوردته آنفا من قول الأنصارىّ:

فكفى بنا فضلا على من غيرناحبّ النبىّ محمد إيّانا
للشاعر كعب بن مالك الأنصاري، اقرأ القصيدة

ومنه:

كفى بك داء أن ترى الموت شافيا

التقدير: كفاك داء رؤيتك الموت، ومنه: «كفى بجسمى نحولا» لأنّ فاعل «كفى» أنّ وما اتّصل بها. واسبك لك من ذلك فاعلا بما دلّ عليه الكلام من النفى بلم، وامتناع الشىء لوجود غيره بلولا، فالتقدير: كفى بجسمى نحولا انتفاء رؤيتى لولا وجود مخاطبتى، وانتصاب «نحولا» على التفسير، والتفسير فى هذا النحو للفاعل دون المفعول، فوكيلا تفسير لاسم الله تعالى، و «نحولا» تفسير لانتفاء الرّؤية، كما كان «فضلا» فى بيت الأنصارىّ تفسيرا لحبّ النبىّ إيّاهم. فقد بان لك الفرق فى الإعراب بين «كفى بجسمى نحولا» «وكفى بالله وكيلا»؛ من حيث كان «بالله» فاعلا، و «بجسمى» مفعولا.

وإنما زيدت الباء فى نحو «كفى بالله» حملا على معناه، إذ كان بمعنى اكتف بالله، ونظيره قولهم: حسبك بزيد، زادوا الباء فى خبر «حسبك» لمّا دخله معنى اكتف.

وأمّا رجل من قوله: «أننى رجل» فخبر موطّئ، وإنما الخبر فى الحقيقة هو الجملة التى وصف بها رجل، والخبر الموطّأ هو الذى لا يفيد بانفراده ممّا بعده، كالحال الموطّئة فى نحو: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ ألا ترى أنّك لو اقتصرت على رجل هنا لم تحصل به فائدة، وإنما الفائدة مقرونة بصفته، فالخبر الموطّأ كالزيادة فى الكلام، فلذلك عاد الضّميران اللذان هما الياءان فى «مخاطبتى» و «لم ترنى» إلى الياء فى «أنّنى»، ولم يعودا على «رجل»؛ لأن الجملة فى الحقيقة خبر عن الياء فى «أنّنى»، وإن كانت بحكم اللفظ صفة لرجل، فلو قلت: إنّ «رجل»، لمّا كان هو الياء التى فى «أنّنى» من حيث وقع خبرا عنها عاد الضّميران إليه على المعنى-كان قولا. ونظيره عود الياء إلى «الذى» فى قول علىّ ﵇:

أنا الذى سمّتن أمّى حيدره

لمّا كان «الذى» هو «أنا» فى المعنى، وليس هذا ممّا يحمل على الضّرورة؛ لأنه قد جاء مثله فى القرآن، نحو: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ فتجهلون فعل خطاب وصف به اسم غيبة كما ترى، ولم يأت بالياء وفاقا ل ﴿قَوْمٌ﴾، ولكنه جاء وفق المبتدأ الذى هو ﴿أَنْتُمْ﴾ فى الخطاب، ولو قيل: بل أنتم قوم، لم

يحصل بهذا الخبر فائدة. وممّا جاء من ذلك فى الشّعر لغير ضرورة قوله:

أأكرم من ليلى علىّ فتبتغىبه الجاه أم كنت امرأ لا أطيعها
للشاعر الصَمَّة القُشَيري، اقرأ القصيدة

أعاد من «أطيعها» ضمير متكلّم، ولم يعد ضمير غائب وفاقا لامرئ.

فهذا دليل إلى دليل التنزيل. فاعرف هذا وقس عليه نظائره.

وممّا أهمل مفسّرو شعر أبى الطيّب تعريبه قوله:

بئس اللّيالى سهدتمن طربى

شوقا إلى من يبيت يرقدها

يتوجّه فى هذا البيت السّؤال عن المقصود فيه بالذمّ، وما موضع «من طربى» من الإعراب؟ وما الذى نصب «شوقا»؟ وكم وجها فى نصبه؟ وبم يتعلّق «إلى»؟ وكم حذفا فى البيت؟.

فأمّا المقصود بالذمّ فمحذوف، وهو نكرة موصوفة بسهدت، والعائد إليه من صفته محذوف أيضا، فالتقدير: ليال سهدت فيها، ونظير هذا الحذف فى التنزيل، فى قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾، التقدير: آية يريكم فيها البرق.

وجاء فى الشّعر حذف النكرة المجرورة الموصوفة بالجملة، فى قول الرّاجز:

مالك عندى غير سهم وحجروغير كبداء شديدة الوتر

جادت بكفّى كان من أرمى البشر

أراد: بكفّى رجل، فحذف رجلا، وهو ينويه.

وقوله: «من طربى» مفعول له. و «من» بمعنى اللام، كما تقول: جئت لأجلك، ومن أجلك، وأكرمته لمخافة شرّه، ومن مخافة شرّه، ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ أى لإملاق.

و «شوقا» يحتمل أن يكون مفعولا من أجله، عمل فيه «طربى»، فيكون الشوق علّة للطّرب، والطرب علّة للسّهاد، ولا يعمل «شهدت» فى «شوقا» لأنه قد تعدّى إلى علّة فلا يتعدّى إلى أخرى إلاّ بعاطف، كقولك: أقمت سهرا وخوفا، وسهدت طربا وشوقا.

ويحتمل «شوقا» أن ينتصب انتصاب المصدر، كأنه قال: شقت شوقا، أو شاقنى التذكّر شوقا، وشقت: ما لم يسمّ فاعله، كقول المملوك: قد بعت، أى باعنى مالكى، وكقول الأمة وقد سئلت عن المطر: «غثنا ما شئنا»، والأصل: غاثنا الله.

فأمّا «إلى» فالوجه أن تعلّقها بالشّوق؛ لأنه أقرب المذكورين إليها، وإن

شئت علّقتها بالطّرب، وذلك إذا نصبت «شوقا» بطربى، فإن نصبته على المصدر امتنع تعليق «إلى» بطربي؛ لأنك حينئذ تفصل ب «شوقا» وهو أجنبىّ بين الطّرب وصلته.

وكان الوجه فى «يرقدها»: يرقد فيها، كما تقول: يوم السّبت خرجت فيه، ولا تقول: خرجته، إلاّ على سبيل التوسّع فى الظرف، تجعله مفعولا به على السّعة، كقوله:

ويوما شهدناه سليما وعامرا

وكقول الآخر:

فى ساعة يحبّها الطّعام

المعنى: يحبّ فيها، وشهدنا فيه.

ففى البيت أربعة حذوف: الأوّل: حذف المقصود بالذمّ، وهو ليال.

والثانى: حذف «فى» من «سهدت فيها»، فصار «سهدتها»، والثالث: حذف الضمير من «سهدتها». والرابع: حذف «فى» من «يرقدها».

وقد روى: سهرتها طربا، وسهرت من طرب.

وقد فرّق بعض اللّغويّين بين السّهاد والسّهر، فزعم أن السّهاد للعاشق واللّديغ، والسّهر فى كلّ شيء، وأنشد قول النابغة:

يسهّد فى ليل التّمام سليمها

وقول الأعشى:

وبتّ كما بات السّليم مسهّدا

والطّرب: خفّة تصيب الإنسان لشدّة سرور أو حزن. قال ابن قتيبة:

يذهب الناس إلى أنّ الطّرب فى الفرح دون الجزع، وليس كذلك، إنّما الطّرب خفّة تصيب الرجل لشدّة السّرور، أو لشدّة الجزع، وأنشد:

وأرانى طربا فى إثرهمطرب الواله أو كالمختبل
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «لمن الدار كأنضاء الخلل»

ومثله قول الآخر:

وقلن لقد بكيت فقلت كلاّوهل يبكى من الطّرب الجليد

وقوله:

أمط عنك تشبيهى بما وكأنّهفما أحد فوقى وما أحد مثلى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «محبي قيامي ما لذلكم النصل»

يتوجّه فيه سؤال عن «ما» من قوله: «تشبيهى بما» وليست «ما» من أدوات التشبيه.

وقد قيل فى ذلك أقوال، أحدها: ما حكاه أبو الفتح عن المتنبّى، أنه كان إذا سئل عن ذلك أجاب بأنّ «ما» سبب للتشبيه؛ لأنّ القائل إذا قال: ما الذى يشبه هذا؟ قال المجيب: كأنّه الأسد، أو كأنّه الأرقم، أو نحو ذلك، فأتى

المتنبّى بحرف التشبيه الذى هو «كأنّ» وبلفظ الحرف الذى كان سؤالا عن التشبيه، فأجيب عنه بكأنّ. فذكر السّبب والمسبّب جميعا. قال أبو الفتح: وقد فعل أهل اللّغة مثل هذا، فقالوا: الألف والهمزة فى «حمراء» علامة التأنيث، وإنّما العلامة فى الحقيقة الهمزة وحدها، ولكنّها لمّا صاحبت الألف، وكان انقلابها لسكون الألف قبلها قيل: هما جميعا للتأنيث.

والثانى: ما حكاه القاضى أبو الحسن علىّ بن عبد العزيز الجرجانىّ، صاحب كتاب «الوساطة بين المختصمين فى شعر المتنبّى» عن المتنبّى أيضا، قال: سئل عن معنى قوله: «بما وكأنّه» قال: أردت: لا تقل ما هو إلاّ كذا، وكأنّه كذا؛ لأنه ليس فوقى أحد ولا مثلى فتشبّهنى به، وقال هذا الراوى مقويّا لهذا الوجه: إذا قلت: ما هو إلاّ الأسد، وإلاّ كالأسد، فقد أتيت ب «ما» لتحقيق التشبيه، كما قال لبيد:

وما المرء إلاّ كالشّهاب وضوئه

فليس ينكر أن ينسب التّشبيه إلى «ما» إذا كان لها هذا الأثر.

والثالث: ما رواه الرّبعىّ عن المتنبّى أيضا، قال: سئل عن قوله: «بما وكأنّه» فقال: أردت: ما أشبه فلانا بفلان، وكأنه فلان.

فهذه ثلاثة أقوال مختلفة، كما ترى، ولا يمتنع أن يجيب المسئول بأجوبة مختلفة فى أوقات متغايرة.

والرابع: قول أبى علىّ بن فورجة، قال: هذه «ما» التى تصحب «كأنّ» إذا قلت: كأنّما زيد الأسد، وإليه ذهب أبو زكريّا، قال: أراد: أمط عنك تشبيهى بأن تقول: كأنّه الأسد، وكأنما هو اللّيث. وهذا القول أردأ الأقوال وأبعدها من الصّواب؛ لأنّ المتنبي قد فصل «ما» من «كأنّ»، وقدّمها عليه، وأتى فى مكانها بالهاء، فاتّصال «ما» بكأنّه غير ممكن لفظا ولا تقديرا، وهى مع ذلك لا تفيد معنى إذا اتّصلت بكأنّ، فكيف إذا انفصلت منه وقدّمت عليه، وهى فى الأقوال الثلاثة المحكيّة عن المتنبّى منفصلة قائمة بنفسها تفيد معنى، فهى فيما رواه أبو الفتح استفهاميّة، وفيما رواه علىّ بن عبد العزيز الجرجانىّ نافية، وفيما رواه الرّبعىّ تعجّبيّة. والكافّة إنما تدخل لتكفّ عن العمل، لا لمعنى تحدثه، فهى بمنزلة «ما» الزائدة.

ثم إنّ هذين اللفظين اللذين قد مثّل بهما أبو زكريّا، فقال: كأنّه الأسد، وكأنما هو الليث، قد أتى فيهما بأداة التشبيه التى هى «كأنّ» وحدها؛ لأنّ معنى كأنّه وكأنما هو واحد، فلا فرق بينه وبين أن تقول: أمط عنك تشبيهى بكأنّ وكأنّ، فهو فاسد من كلّ وجه.

يقال: ماط الله عنك الأذى، وأماطه، أى أزاله، وماط الشىء: زال، ومطه عنك، وأمطه: نحّه وأزله، ومط عنّى: تنحّ وزل. استعملوا ماط لازما ومتعديا.

وقوله: «تشبيهى» أراد: تشبيهك إيّاى، فحذف الفاعل، وهو الكاف،

وأضاف المصدر إلى المفعول، فصار المنفصل متّصلا. والمصدر كثيرا ما يحذف فاعله.

أنشد بعض أهل الأدب لأخى الحارث بن حلّزة:

ربّما قرّت عيون بشجىمرمض قد سخنت منه عيون

وقال: من هذا البيت أخذ المتنبّى قوله:

مصائب قوم عند قوم فوائد

قلت: إن كان الجاهليّ أبا عذرة هذا المعنى، فلقد أحسن أبو الطيّب أخذه، حيث أتى به فى نصف بيت.

قوله:

إلام طماعية العاذلولا رأى فى الحبّ للعاقل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

ظاهره أن معنى عجزه غير متعلّق بمعنى صدره، وأين قوله فى الظاهر:

ولا رأى فى الحبّ للعاقل

من قوله:

إلام طماعية العاذل؟

ويحتمل تعلّقه به وجوها، أحدها: أن يريد: إلام يطمع عاذلى فى إصغائى إلى قوله، والعاقل إذا أحبّ لم يبق له مع الحبّ رأى يصغى به إلى قول ناصح، فعذله غير مجد نفعا.

والثانى: أن العاقل لا يرتئى فى الحبّ، فيقع به اختيارا، وإنما يقع اضطرارا، فلا معنى لعذله.

والثالث: أن العاقل ليس من رأيه أن يورّط نفسه فى الحبّ، وإنما ذلك من فعل الجاهل، وعذل الجاهل أضيع من سراج فى الشّمس، فكيف يطمع فى نزوعه؟

ومن مشكل أبياته قوله:

لا تجزني بضنى بى بعدها بقرتجزى دموعى مسكوبا بمسكوب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

كنى بالبقر عن النّساء، على مذهب العرب فى تشبيههم النّساء بالبقر الوحشيّة، يريدون بذلك شدّة سواد عيونهنّ، قال عبد الرحمن بن حسّان:

صفراء من بقر الجواء كأنّماترك الحياء بها رداع سقيم
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «وقصيرة الأيام ود جليسها»

الرّداع: وجع الجسم أجمع. ويروى: «أثر الحياء».

وقوله: «لا تجزنى» دعاء بلفظ النّهى، فحكمه فى الجزم حكم النّفى، كما قال:

فلا تشلل يد فتكت بعمروفإنّك لن تذلّ ولن تضاما

وكذلك استعمال الدعاء بلفظ الأمر، كقولك: ليقطع الله يده.

والضّنى: الداء المخامر الذى إذا ظنّ صاحبه أنه قد برأ نكس.

وقوله: «بعدها» أراد بعد فراقها، فحذف المضاف.

وقوله: «بى» صفة لضنى، فالباء متعلّقة بمحذوف، تقديره: كائن أو واقع. ويحتمل الناصب للظّرف الذى هو «بعدها» وجهين: إن شئت أعملت فيه المصدر الذى هو «ضنى»، وإن شئت أعملت فيه الباء التى فى «بى»؛ لأنّ الظرف وحرف الخفض إذا تعلّقا بمحذوف عملا فى الظرف وفى الحال، كقولك:

زيد فى الدار اليوم، وهو عند جعفر غدا.

والهاء فى «بعدها» عائدة على «بقر»، وإن كانت «بقر» متأخّرة، وجاز

ذلك لأنها فاعل، والفاعل رتبته التقدّم، فإذا أخّرته جاز تقديم الضمير العائد إليه؛ لأنّ النيّة به التقديم، ومثله: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾.

وفى الكلام حذف؛ وذلك أنه أراد: لا تجزنى بضنى بى ضنى بها، أى ضنى يقع بها، فحذف ذلك للعلم به.

و «مسكوبا» لا يجوز أن ينتصب على الحال من «دموعى»؛ لأن الواحد المذكّر لا يكون حالا من جماعة، لا تقول: طلعت الخيل مترادفا، ولكن:

مترادفة، ولو قلت: مترادفات، كان أحسن، كما جاء فى التنزيل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافّاتٍ﴾.

ولو قال: تجزى دموعى مسكوبة، كان حالا. وإذا بطل انتصاب «مسكوبا» على الحال، نصبته على البدل من «الدموع» كأنه قال: تجزى مسكوبا منها بمسكوب من دموعها، فحذف الجارّين والمجرورين، وإنما احتيج إلى تقدير «منها»؛ لأنّ بدل البعض وبدل الاشتمال لا بدّ أن يتّصل بهما ضمير يعود على المبدل منه، كقولك: ضربت زيدا رأسه، وأعجبنى زيد علمه. ومن بدل الاشتمال المحذوف منه الضمير قول الأعشى:

لقد كان فى حول ثواء ثويتهتقضّى لبانات ويسأم سائم
للشاعر الأعشى، من قصيدة «هريرة ودعها وإن لام لائم»

أراد: ثويته فيه.

ومعنى البيت: أنه بكى عند الفرقة وبكين، فجزين دمعه بدمع، فدعا لهنّ بألاّ يجزينه بضناه ضنى، كما جزينه بالدّمع دمعا.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.