من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
فصل (١٨)
أنبّه فيه على فضائل أبى الطّيّب، وأورد فيه غررا من حكمه. فمن بدائعه قوله فى الحمّى:
وزائرتى كأنّ بها حياءفليس تزور إلاّ فى الظّلام
بذلت لها المطارف والحشايافعافتها وباتت فى عظامى
المطارف: جمع مطرف، ومطرف، وهو الذى فى طرفه علمان.
والحشايا: جمع حشيّة، وهو ما حشى، ممّا يفرش.
إذا ما فارقتنى غسّلتنىكأنّا عاكفان على حرام
إنما خصّ الحرام، والاغتسال يكون من الحلال والحرام؛ لأنه جعلها زائرة، والزائرة غريبة، فليست بزوجة ولا مملوكة.
كأنّ الصّبح يطردها فتجرىمدامعها بأربعة سجام
إنما قال: «بأربعة» لأنه أراد الغروب والشّئون، وواحدهما: غرب وشأن، وهما مجارى الدّموع.
أراقب وقتها من غير شوقمراقبة المشوق المستهام
ويصدق وعدها والصّدق شرّإذا ألقاك فى الكرب العظام
أبنت الدّهر عندى كلّ بنتفكيف وصلت أنت من الزّحام
جعل الحمّى بنتا للدّهر؛ لأنها تحدث فيه، فكأنه أب لها.
وقوله: «عندى كلّ بنت» يريد كلّ شديدة يحدثها الدهر.
وفيها:
وضاقت خطّة فخلصت منهاخلاص الخمر من نسج الفدام
خطّة: حال صعبة. والفدام: مصفاة الخمر. ويقال: فدّام، بالتشديد.
قال أبو الفتح، بعد أن ذكر هذه الأبيات: ما قيل شعر فى وصف حال نهكت صاحبها واشتدّت به، ثم عاد إلى حال السّلامة، إلاّ وهذا أحسن منه. وقد ذكر عبد الصمد بن المعذّل الحمّى فى قصيدة رائيّة، وليست فى طرز هذه، وإن كان عبد الصّمد حاذقا مخترعا غير مدفوع الفضل.
وقال أبو الفتح بعد قوله:
وكم من عائب قولا صحيحاوآفته من الفهم السّقيم
ولكن تأخذ الآذان منهعلى قدر القرائح والعلوم
هذا كلام شريف، لا يصدر إلاّ عن فضل باهر.
القريحة: خالص الطّبع، وهى مأخوذة من قريحة البئر، وهو أوّل ما يخرج من مائها، ومن هذا قيل: ماء قراح، أى لا يخالطه غيره.
وقال أبو الفتح عقيب قوله:
لا يسلم الشّرف الرّفيع من الأذىحتّى يراق على جوانبه الدّم
أشهد بالله أنه لو لم يقل المتنبّى غير هذا البيت لوجب أن يتقدّم كثيرا من المجيدين.
وقال أبو الطيّب فى أسد قتله بدر بن عمّار، وفرّ منه أسد آخر:
تلف الذى اتّخذ الجراءة خلّةوعظ الذى اتّخذ الفرار خليلا
وقال أبو الفتح بعد إيراد هذا البيت: هذا من حكمه التى يرسلها، وله فى شعره أشباه لهذا كثيرة، منها قوله:
الرأى قبل شجاعة الشّجعانهو أوّل وهى المحلّ الثانى
ومنها:
مصائب قوم عند قوم فوائد
ومنها:
إن النّفيس غريب حيث ما كانا
ومنها:
ومن نكد الدّنيا على الحرّ أن يرىعدوّا له ما من صداقته بدّ
وقال أبو الفتح بعد إيراد قوله:
ولقد عرفت وما عرفت حقيقةولقد جهلت وما جهلت خمولا
نطقت بسؤددك الحمام تغنّياوبما تجشّمها الجياد صهيلا
أشهد بالله لو خرس بعد هذين البيتين لكان أشعر الناس، والسّلام.
وقال أبو الفتح فى قوله:
نهبت من الأعمار ما لو حويتهلهنّئت الدّنيا بأنك خالد
لو لم يمدحه إلاّ بهذا البيت وحده لكان قد أبقى له مالا يخلقه الزّمان، وهذا هو المدح الموجّه؛ لأنه بنى البيت على أن مدحه باستباحة الأعمار، ثم تلقّاه فى آخره بذكر سرور الدنيا ببقائه واتّصال أيّامه.
وهذا البيت قد ذكرت ما فيه فيما تقدّم.
وقال أبو العلاء المعرّىّ فى قوله:
إلف هذا الهواء أوقع فى الأنفس أنّ الحمام مرّ المذاق
والأسى قبل فرقة الرّوح عجزوالأسى لا يكون بعد الفراق
هذان البيتان يفضلان كتابا من كتب الفلاسفة؛ لأنهما متناهيان فى الصّدق وحسن النّظام، ولو لم يقل شاعرهما سواهما لكان فيهما جمال وشرف.
وقال أبو العلاء فى مرثية أبى الطيّب، التى رثا بها أخت سيف الدولة، التى أوّلها:
إن يكن صبر ذى الرّزيّة فضلا
لو لم يكن للمتنبّى غير هذه القصيدة فى سيف الدولة لكان ذلك كثيرا، وأين منها قصيدة البحترىّ التى أوّلها:
إنّ سير الخليط لمّا استقلاّ
انتهى كلامه.
ومن معانى أبى الطيّب المستحسنة-وإن كان مما سبق إليه-قوله:
ذو العقل يشقى فى النّعيم بعقلهوأخو الجهالة فى الشّقاوة ينعم
أصل هذا المعنى قول أرسطاطاليس: العقل سبب رداءة العيش، وأخذه عبد الله ابن المعتزّ فى قوله:
وحلاوة الدنيا لجاهلهاومرارة الدنيا لمن عقلا
وكرّره أبو الطيّب فى قوله:
أفاضل الناس أغراض لذا الزّمنيخلو من الهمّ أخلاهم من الفطن
ومن ابتداءاته الغزلة الفائقة قوله:
أريقك أم ماء الغمامة أم خمربفىّ برود وهو فى كبدى جمر
ومن بارع ابتداءات المراثى قوله:
نعدّ المشرفيّة والعوالىوتقتلنا المنون بلا قتال
ونرتبط السّوابق مقرباتوما ينجين من خبب اللّيالى
وما وصف أحد ما اعتوره من نوائب الدّهر بأحسن من قوله:
رمانى الدهر بالأرزاء حتّىفؤادى فى غشاء من نبال
فصرت إذا أصابتنى سهامتكسّرت النّصال على النّصال
وهل وصف واصف نساء بالجمع بين بكاء الفجيعة وبكاء الدّلال بأبرع من قوله:
أتتهنّ المصيبة غافلاتفدمع الحزن فى دمع الدّلال
وهل أبّن شاعر امرأة بأبلغ من قوله:
ولو كان النّساء كمن فقدنالفضّلت النّساء على الرجال
وما التأنيث لاسم الشمس عيبوما التذكير فخر للهلال
ومن هذه القصيدة فى المدح قوله:
فإن تفق الأنام وأنت منهفإنّ المسك بعض دم الغزال
وممّا جمع فيه بين الصّنعة وحسن المعنى، وهو من شوارد بدائعه، قوله:
أزورهم وسواد الليل يشفع لىوأنثنى وبياض الصّبح يغرى بى
قابل أزورهم بأنثنى، وسواد الليل ببياض الصّبح، ويشفع لى بيغرى بى.
وأجمع أهل المعرفة بالشّعر على أنه لم يمدح أسود بأحسن من قوله فى كافور:
فجاءت بنا إنسان عين زمانهوخلّت بياضا خلفها ومآقيا
حتى قال بعضهم: لو مدح بهذا أبيض لكان غاية فى المدح، فكيف والممدوح به أسود؟
وما ذمّ شاعر الدّنيا بمثل قوله:
فذى الدار أخون من مومسوأغدر من كفّة الحابل
تفانى الرجال على حبّهاوما يحصلون على طائل
المومس من النّساء: الفاجرة.
ومن بديع الاستعتاب بأحسن لفظ وأعذب معنى قوله:
إن كان سرّكم ما قال حاسدنافما لجرح إذا أرضاكم ألم
ومن أبلغ الوصف بالجود قوله:
أرجو نداك ولا أخشى المطال بهيا من إذا وهب الدّنيا فقد بخلا
ومن أشدّ ما هجى به خصيّ أسود قوله:
وذاك أنّ الفحول البيض عاجزةعن الجميل فكيف الخصية السّود
ومن درّ قلائده، وهو ممّا أقرّ له فيه أبو نصر بن نباتة بالفضيلة، فقال:
إننا لنقول وما نحسن أن نقول كقول أبى الطيّب:
إذا ما سرت فى آثار قومتخاذلت الجماجم والرّقاب
وممّا زاد فيه على من تقدّمه قوله فى الطّير التى تصحب الجيش لتصيب من القتلى:
يطمّع الطّير فيهم طول أكلهمحتى تكاد على أحيائهم تقع
أراد: طول أكلها إيّاهم، فحذف فاعل المصدر، وأضافه إلى المفعول، كما جاء فى التنزيل: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ﴾ أى بسؤاله إيّاك نعجتك.
ومن أحسن المدح باستلذاذ المسئول السّؤال قوله:
إذا غزته أعاديه بمسألةفقد غزته بجيش غير مغلوب
كأنّ كلّ سؤال فى مسامعهقميص يوسف فى أجفان يعقوب
ومن أرقّ لفظ فى المدح وأظرفه قوله:
تأبى خلائقك التى شرفتألاّ تحنّ وتذكر العهدا
لو كنت عصرا منبتا زهراكنت الربيع وكانت الوردا
ومن غرره قوله:
وجرم جرّه سفهاء قومفحلّ بغير جارمه العذاب
وقوله:
وما الحسن فى وجه الفتى شرفا لهإذا لم يكن فى فعله والخلائق
وقوله:
فإنّ قليل الحبّ بالعقل صالحوإنّ كثير الحبّ بالجهل فاسد
وقوله:
إذا رأيت نيوب الليث بارزةفلا تظنّنّ أن الليث مبتسم
وقوله:
خذ ما تراه ودع شيئا سمعت بهفى طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل
وقوله:
لعلّ عتبك محمود عواقبهوربّما صحّت الأجسام بالعلل
وقوله:
وإذا الشيخ قال أفّ فما ملّ حياة وإنما الضّعف ملاّ
آلة العيش صحّة وشبابفإذا ولّيا عن المرء ولّى
أبدا تستردّ ما تهب الدّنيا فيا ليت جودها كان بخلا
وقوله:
وإذا كانت النفوس كباراتعبت فى مرادها الأجسام
وقوله:
أعيذها نظرات منك صادقةأن تحسب الشّحم فيمن شحمه ورم
وما انتفاع أخى الدنيا بناظرهإذا استوت عنده الأنوار والظّلم
وقوله:
وما الدهر أهل أن تؤمّل عندهحياة وأن يشتاق فيه إلى النّسل
وقوله:
إذا ما الناس جرّبهم لبيبفإنّى قد أكلتهم وذاقا
فلم أر ودّهم إلاّ خداعاولم أر دينهم إلاّ نفاقا
وقوله:
فما ترجّى النّفوس من زمنأحمد حاليه غير محمود
وقوله:
أبى خلق الدّنيا حبيبا تديمهفما طلبى منها حبيبا تردّه
وأسرع مفعول فعلت تغيّراتكلّف شيء فى طباعك ضدّه
وقوله:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونهوصدّق ما يعتاده من توهّم
وعادى محبّيه بقول عداتهوأصبح فى ليل من الشكّ مظلم
وما كلّ هاو للجميل بفاعلولا كلّ فعّال له بمتمّم
وقوله:
ومثلك من كان الوسيط فؤادهفكلّمه عنّى ولم أتكلّم
وقوله:
وكلّ امرئ يولى الجميل محبّبوكلّ مكان ينبت العزّ طيّب
وقوله:
ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركهتجرى الرّياح بما لا تشتهى السّفن
وقوله:
ومراد النّفوس أصغر من أننتعادى فيه وأن نتفانى
غير أنّ الفتى يلاقى المناياكالحات ولا يلاقى الهوانا
ولو أنّ الحياة تبقى لحىّلعددنا أضلّنا الشّجعانا
وإذا لم يكن من الموت بدّفمن العجز أن تكون جبانا
وقوله:
ولمّا صار ودّ الناس خبّاجزيت على ابتسام بابتسام
وصرت أشكّ فيمن أصطفيهلعلمى أنه بعض الأنام
ومنها:
وآنف من أخى لأبى وأمّىإذا ما لم أجده من الكرام
ولم أر فى عيوب الناس شيئاكنقص القادرين على التّمام
وقوله:
إذا أتت الإساءة من وضيعولم ألم المسيء فمن ألوم
وقوله:
إذا ما عدمت الأصل والعقل والنّدىفما لحياة فى حياتك طيب
وقوله:
لولا المشقّة ساد الناس كلّهمالجود يفقر والإقدام قتّال
إنّا لفى زمن ترك القبيح بهمن أكثر الناس إحسان وإجمال
ذكر الفتى عمره الباقىوحاجته
ما فاته وفضول العيش أشغال
وقوله:
إنّى لأجبن من فراق أحبّتىوتحسّ نفسى بالحمام فأشجع
ويزيدنى غضب الأعادى قسوةويلمّ بى عتب الصديق فأجزع
تصفو الحياة لجاهل أو غافلعمّا مضى فيها وما يتوقّع
ولمن يغالط فى الحقائق نفسهويسومها طلب المحال فتطمع
أين الذى الهرمان من بنيانهما قومه ما يومه ما المصرع
بمصر أهرام، منها اثنان ارتفاع كلّ واحد منهما مائة ذراع.
تتخلّف الآثار عن أصحابهاحينا ويدركها الفناء فتتبع
ومن ذلك قوله:
توهّم القوم أنّ العجز قرّبناوفى التقرّب ما يدعو إلى التّهم
ولم تزل قلّة الإنصاف قاطعةبين الرجال ولو كانوا ذوى رحم
وفيها:
هوّن على بصر ما شقّ منظرهفإنما يقظات العين كالحلم
ولا تشكّ إلى خلق فتشمتهشكوى الجريح إلى الغربان والرّخم
وكن على حذر للناس تسترهولا يغرّك منهم ثغر مبتسم
غاض الوفاء فما تلقاه فى عدةوأعوز الصّدق فى الإخبار والقسم
غاض: ذهب، من قولك: غاض الماء.
وفيها:
أتى الزمان بنوه فى شبيبتهفسرّهم وأتيناه على الهرم
ومن ذلك قوله:
تريدين لقيان المعالى رخيصةولا بدّ دون الشّهد من إبر النّحل
وقوله:
تمنّ يلذّ المستهام بمثلهوإن كان لا يغنى فتيلا ولا يجدى
وغيظ على الأيام كالنار فى الحشىولكنّه غيظ الأسير على القدّ
وقوله:
نحن بنو الموتى فما بالنانعاف ما لا بدّ من شربه
تبخل أيدينا بأرواحناعلى زمان هى من كسبه
فهذه الأرواح من جوّهوهذه الأجسام من تربه
لو فكّر العاشق فى منتهىحسن الذى يسبيه لم يسبه
يموت راعى الضّأن فى جهلهموتة جالينوس فى طبّه
وقوله:
فلا تغررك ألسنة موالتقلّبهنّ أفئدة أعادى
فإنّ الجرح ينفر بعد حينإذا كان البناء على فساد
وإنّ الماء يجرى من جمادوإنّ النار تخرج من زناد
وقوله:
على ذا مضى الناس اجتماع وفرقةوميت ومولود وقال ووامق
المقة: المحبّة.
تغيّر حالى واللّيالى بحالهاوشبت وما شاب الزمان الغرانق
الغرانق من الرجال: الشابّ الناعم، وجمعه: غرانق، بفتح الغين.
ومن ذلك قوله:
فؤاد ما تسلّيه المداموعمر مثل ما يهب اللّئام
ودهر ناسه ناس صغاروإن كانت لهم جثث ضخام
وما أنا منهم بالعيش فيهمولكن معدن الذّهب الرّغام
الرّغام: التّراب.
خليلك أنت لا من قلت خلّىوإن كثر التجمّل والكلام
ولو حيز الحفاظ بغير عقلتجنّب عنق صيقله الحسام
وشبه الشىء منجذب إليهوأشبهنا بدنيانا الطّغام
الطّغام: جمع طغامة، وهو الجاهل الذى لا يعرف شيئا.
ولو لم يعل إلاّ ذو محلّتعالى الجيش وانحطّ القتام
وقوله:
أنكرت طارقة الحوادث مرّةثم اعترفت بها فصارت ديدنا
ومنها:
ومكايد السّفهاء واقعة بهموعداوة الشّعراء بئس المقتنى
لعنت مقارنة اللئيم فإنّهاضيف يجرّ من النّدامة ضيفنا
الضّيفن: ضيف الضّيف. ومن ذلك قوله:
واحتمال الأذى ورؤية جانيهـ غذاء تضوى به الأجسام
ذلّ من يغبط الذّليل بعيشربّ عيش أخفّ منه الحمام
كلّ حلم أتى بغير اقتدارحجّة لاجئ إليها اللّئام
من يهن يسهل الهوان عليهما لجرح بميّت إيلام
وقوله:
أعرّض للرّماح الصمّ نحرىوأنصب حرّ وجهى للهجير
وأسرى فى ظلام الليل وحدىكأنّى منه فى قمر منير
فقل فى حاجة لم أقض منهاعلى تعبى بها شروى نقير
الشّروى: المثل. يقال: هذا شروى هذا، أى مثله.
والنّقير ممّا ضربوا به المثل فى الحقارة، كالفتيل والقطمير، فالنّقير: النّقرة، أى النّكتة التى فى ظهر النّواة. والفتيل: الذى فى شقّ النّواة. والقطمير: القشرة الرّقيقة التى عليها. وروى عن ابن عباس رضى الله عنه أنه وضع طرف إبهامه على باطن سبّابته ثم نقدها وقال: هذا النّقير. وقال: الفتيل: ما يخرج من بين الإصبعين إذا فتلتهما.
ونفس لا تجيب إلى خسيسوعين لا تدار على نظير
وكفّ لا تنازع من أتانىينازعنى سوى كرمى وخيرى
الخير: الكرم، وعطفه عليه لاختلاف لفظيهما، كما قال الحطيئة:
وهند أتى من دونها النّأى والبعد
و «سوى» متعلّق بتنازع، أى لا تنازع سوى كرمى من أتانى ينازعنى
وقلّة ناصر جوزيت عنّىبشرّ منك يا شرّ الدّهور
عدوّى كلّ شيء فيك حتّىلخلت الأكم موغرة الصّدور
فلو أنّى حسدت على نفيسلجدت به لذى الجدّ العثور
الجدّ هاهنا: الحظّ.
ولكنّى حسدت على حياتىوما خير الحياة بلا سرور
وفيها:
فلو كنت امرأ يهجى هجوناولكن ضاق فتر عن مسير
ومن ذلك قوله:
أفاضل الناس أغراض لذا الزّمنيخلو من الهمّ أخلاهم من الفطن
أغراض: أهداف.
وإنما نحن فى جيل سواسيةشرّ على الحرّ من سقم على بدن
سواسية: مستوون فى الشرّ.
حولى بكلّ مكان منهم خلقتخطى إذا جئت فى استفهامها بمن
أراد: باستفهامك عنها، فحذف فاعل المصدر والجارّ. وفيها:
فقر الجهول بلا قلب إلى أدبفقر الحمار بلا رأس إلى رسن
وفيها:
لا يعجبنّ مضيما حسن بزّتهوهل يروق دفينا جودة الكفن
راقنى الشىء: أعجبنى.
ومن ذلك قوله فى مرثية جدّته:
عرفت الليالى قبل ما صنعت بنافلمّا دهتنا لم تزدنى بها علما
وما الجمع بين الماء والنار فى يدىبأصعب من أن أجمع الجدّ والفهما
وإنّى لمن قوم كأنّ نفوسهمبها أنف أن تسكن اللّحم والعظما
فلا عبرت بى ساعة لا تعزّنىولا صحبتنى مهجة تقبل الظّلما
ومن ذلك قوله:
وأنا الذى اجتلب المنيّة طرفهفمن المطالب والقتيل القاتل
وفيها:
ما نال أهل الجاهليّة كلّهمشعرى ولا سمعت بسحرى بابل
فإذا أتتك مذمّتى من ناقصفهى الشهادة لى بأنّى فاضل
ومن ذلك قوله:
ولا تحسبنّ المجد زقّا وقينةفما المجد إلاّ السّيف والفتكة البكر
ومن ينفق الساعات فى جمع مالهمخافة فقر فالذى فعل الفقر
وفيها:
وما زلت حتى قادنى الشوق نحوهيسايرنى فى كلّ ركب له ذكر
وأستكبر الأخبار قبل لقائهفلمّا التقينا صغّر الخبر الخبر
ومن ذلك قوله:
لا أستزيدك فيما فيك من كرمأنا الذى نام إن نبّهت يقظانا
ومن ذلك قوله:
كذا فتنحّوا عن علىّ وطرقهبنى اللّؤم حتى يعبر الملك الجعد
الجعد هاهنا: السّخىّ، مشبّه بالثّرى النّدىّ، إذا قالوا: ثرى جعد فإنما يريدون أنه يجتمع فى الكفّ، وكذلك إذا قالوا: شعر جعد.
فما فى سجاياكم منازعة العلىولا فى طباع التّربة المسك والنّدّ
فإن يك سيّار بن مكرم انقضىفإنك ماء الورد إن ذهب الورد
وقوله:
من خصّ بالذّمّ الفراق فإنّنىمن لا يرى فى الدهر شيئا يحمد
وقوله:
يهون على مثلى إذا رام حاجةوقوع العوالى دونها والقواضب
إليك فإنّى لست ممّن إذا اتّقىعضاض الأفاعى نام فوق العقارب
وقوله:
يخيّل لى أنّ البلاد مسامعىوأنّى فيها ما يقول العواذل
وقوله:
إذا غامرت فى شرف مرومفلا تقنع بما دون النّجوم
فطعم الموت فى أمر حقيركطعم الموت فى أمر عظيم
يرى الجبناء أنّ العجز عقلوتلك خديعة الطبع اللّئيم
وقوله، وقد تقدّم ذكره:
ذو العقل يشقى فى النعيم بعقلهوأخو الجهالة فى الشّقاوة ينعم
وكذلك قوله:
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذىحتى يراق على جوانبه الدّم
أراد: لا يسلم للشريف شرفه من أذى الحسّاد والأعداء حتى يقتل حسّاده وأعداءه، فإذا أراق دماءهم سلم له شرفه، فإنه إنما يصير مهيبا بالغلبة.
والظّلم من شيم النّفوس فإن تجدذا عفّة فلعلّة لا يظلم
والذّلّ يظهر فى الذّليل مودّةوأودّ منه لمن يودّ الأرقم
ومن البليّة عذل من لا يرعوىعن جهله وخطاب من لا يفهم
ومن ذلك قوله:
كلام أكثر من تلقى ومنظرهممّا يشقّ على الآذان والحدق
وقوله:
مشبّ الذى يبكى الشّباب مشيبهفكيف توقّيه وبانيه هادمه
وتكملة العيش الصّبا وعقيبهوغائب لون العارضين وقادمه
وما خضب الناس البياض لأنّهقبيح ولكن أحسن الشّعر فاحمه
وقوله:
يدفّن بعضنا بعضا ويمشىأواخرنا على هام الأوالى
الأوالى: مقلوب من الأوائل، فوزنه الأفالع.
وكم عين مقبّلة النّواحىكحيل بالجنادل والرّمال
ومغض كان لا يغضى لخطبوبال كان يفكر فى الهزال
وقوله:
وما الموت إلاّ سارق دقّ شخصهيصول بلا كفّ ويسعى بلا رجل
يردّ أبو الشّبل الخميس عن ابنهويسلمه عند الولادة للنّمل
وقوله:
أرى كلّنا يبغى الحياة بسعيهحريصا عليها مستهاما بها صبّا
فحبّ الجبان النّفس أورده التّقىوحبّ الشّجاع النّفس أورده الحربا
ويختلف الرّزقان والفعل واحدإلى أن يرى إحسان هذا لذا ذنبا
ومن ذلك قوله:
طوى الجزيرة حتى جاءنى خبرفزعت منه بآمالى إلى الكذب
حتى إذا لم يدع لى صدقه أملاشرقت بالدّمع حتى كاد يشرق بى
أى صغرت فى جنب الدمع، فصرت بالإضافة إليه كالشيء يشرق به فى القلّة.
ومن ذلك قوله:
كم تطلبون لنا عيبا فيعجزكمويكره الله ما تأتون والكرم
ليت الغمام الذى عندى صواعقهيزيلهنّ إلى ما عنده الدّيم
وقوله:
إذا ما لبست الدهر مستمتعا بهتخرّقت والملبوس لم يتخرّق
وإطراق طرف العين ليس بنافعإذا كان طرف القلب ليس بمطرق
وما ينصر الفضل المبين على العدىإذا لم يكن فضل السّعيد الموفّق
وقوله:
ربّ أمر أتاك لا تحمد الفعّال فيه وتحمد الأفعالا
وإذا ما خلا الجبان بأرضطلب الطّعن وحده والنّزالا
من أطاق التماس شيء غلاباواغتصابا لم يلتمسه سؤالا
كلّ غاد لحاجة يتمنّىأن يكون الغضنفر الرّئبالا
وقوله:
الرأى قبل شجاعة الشجعانهو أوّل وهى المحلّ الثانى
فإذا هما اجتمعا لنفس مرّةبلغت من العلياء كلّ مكان
ولربّما طعن الفتى أقرانهبالرأى قبل تطاعن الأقران
لولا العقول لكان أدنى ضيغمأدنى إلى شرف من الإنسان
وقوله:
كفى بك داء أن ترى الموت شافياوحسب المنايا أن يكن أمانيا
تمنّيتها لمّا تمنّيت أن ترىصديقا فأعيا أو عدوّا مداجيا
إذا كنت ترضى أن تعيش بذلّةفلا تستعدّنّ الحسام اليمانيا
ولا تستطيلنّ الرّماح لغارةولا تستجيدنّ العتاق المذاكيا
فما ينفع الأسد الحياء من الطّوىولا تتّقى حتى تكون ضواريا
حببتك قلبى قبل حبّك من نأىوقد كان غدّارا فكن لى وافيا
وأعلم أنّ البين يشكيك بعدهفلست فؤادى إن رأيتك شاكيا
أقلّ اشتياقا أيّها القلب ربّمارأيتك تصفى الودّ من ليس جازيا
خلقت ألوفا لو رجعت إلى الصّبالفارقت شيبى موجع القلب باكيا
وفيها:
إذا الجود لم يرزق خلاصا من الأذىفلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا
وللنّفس أخلاق تدلّ على الفتىأكان سخاء ما أتى أم تساخيا
ومن ذلك قوله:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكتهوإن أنت أكرمت اللئيم تمرّدا
ووضع النّدى فى موضع السيف بالعلامضرّ كوضع السيف فى موضع النّدى
ومن ذلك قوله:
تخالف الناس حتّى لا اتّفاق لهمإلاّ على شجب والخلف فى الشّجب
الشّجب: الهلاك. أراد أن الناس مختلفون فى كلّ شيء، ولم يقع الاتفاق منهم إلاّ على الموت، ثم إنهم قد اختلفوا فيه، وبيّن وجه اختلافهم بقوله:
فقيل تخلص نفس المرء سالمةوقيل تشرك جسم المرء فى العطب
قيل: إن الملحدين يقولون: إن النفس تهلك كما يهلك الجسم، وروى عن أفلاطون وأرسطوطاليس فى ذلك خلاف، فقيل إن أحدهما كان يقول: تبقى النفس الخيّرة بعد خروجها من الجسد، وإنّ الآخر كان يقول: تبقى النفس المحمودة والمذمومة. ومن يذهب إلى هذا الوجه يزعم أنها تكون ملتذة بما فعلته من الخير فى الدار الفانية.
ومن تفكّر فى الدّنيا ومهجتهأقامه الفكر بين العجز والتّعب
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع