تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

المجلس الثامن والسبعون ذكر أقسام «إمّا» المكسورة و «أمّا» المفتوحة

فمن معانى المكسورة أنها تكون للشّكّ، كقولك: جاءنى إمّا زيد وإمّا جعفر، فأنت فى هذا القول متيقّن أنه جاءك أحدهما، وغير عالم به أيّهما هو، وكذلك: لقيت إمّا زيدا وإمّا جعفرا.

والثانى: أنها تكون للتخيير، كقولك لمن تخيّره فى مالك: خذ إمّا ثوبا وإمّا دينارا، ومثله قوله تعالى: ﴿إِمّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً﴾، وقوله:

﴿إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ وقوله: ﴿إِمّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى﴾، /وقوله: ﴿فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً﴾ هذا كلّه تخيير، إنما هو هذا أو هذا، وانتصاب «منّا وفداء» على تقدير: فإمّا تمنّون منّا، وإمّا تفادون فداء.

والثالث: أن تكون للإباحة، كقولك: تعلّم إمّا الفقه وإمّا النّحو، فإن

تعلّمهما معا فقد أطاع، وإن تعلّم أحدهما فقد أطاع، فهى فى هذه المعانى الثلاثة بمنزلة «أو» والفرق بينهما أنك إذا قلت: جاءنى إمّا زيد وإمّا جعفر، فقد بنيت كلامك على الشكّ، وإذا قلت: جاءنى زيد أو جعفر، فإنّما اعترضك الشكّ بعد أن مضى صدر كلامك على اليقين.

ومن الفرق بينهما أن «إمّا» ليست من حروف العطف، كما زعم بعض النحويّين، لأنه لا يخلو أن تكون الأولى منهما عاطفة أو الثانية، فلا يجوز أن تكون الثانية عاطفة؛ لأنّ الواو معها، والواو هى الأصل فى العطف، فإن جعلت «إمّا» عاطفة فقد جمعت بين عاطفين، ولا يجوز أن تكون الأولى عاطفة؛ لأنها تقع بين العامل والمعمول، كقولك: خرج إمّا زيد وإمّا بكر، ولقيت إمّا زيدا وإمّا بكرا، فهل عطفت الفاعل على رافعه، أو المفعول على ناصبه؟ فأمّا قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السّاعَةَ﴾ فانتصاب ﴿الْعَذابَ﴾ على أنه بدل من قوله: ﴿ما يُوعَدُونَ﴾ وإنما ذكرها من ذكرها من النّحويّين فى حروف العطف تقريبا؛ لأنها بمعنى «أو» ولأنّ إعراب ما بعد الثانية كإعراب ما قبلها.

وقد أجازوا أن تأتى بها غير مكرّرة، وذلك إذا كان فى الكلام عوض من تكريرها، كقولك: إمّا أن تكلّمنى كلاما جميلا وإلاّ فاسكت، المعنى: وإمّا أن تسكت، واستشهدوا بقول المثقّب العبدىّ:

فإمّا أن تكون أخى بصدقفأعرف منك غثّي من سمينى
وإلاّ فاطّرحنى واتّخذنىعدوّا أتّقيك وتتّقينى
للشاعر المثقب العبدي، من قصيدة «أفاطم قبل بينك متعيني»
فلو أنّا على حجر ذبحناجرى الدّميان بالخبر اليقين
للشاعر المثقب العبدي، من قصيدة «لعمرك إنني وأبا رياح»

/وقال الفرّاء: قد أفردت العرب «إمّا» من غير أن تذكر «إمّا» سابقة، وهى تعنى بها «أو» وأنشد:

تلمّ بدار قد تقادم عهدهاوإمّا بأموات ألمّ خيالها

أراد: أو بأموات.

واعلم أن «إمّا» لا تقع فى النّهي، لا تقول: لا تضرب إمّا زيدا وإمّا عمرا؛ لأنها تخيير، فكيف تخيّره وأنت قد نهيته عن الفعل، فالكلام إذن مستحيل.

ول «إمّا» وجه رابع: وهو أن تكون مركّبة من «إن» الشرطية و «ما» ويلزمها فى أكثر الأمر نون التوكيد، ولا تكون مكرّرة، كما لا يكون حرف الشرط مكرّرا، كقولك: إمّا تنطلقنّ فإنّى أصحبك، وإمّا تخرجنّ أخرج معك، وفى التنزيل: ﴿وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً﴾ وفيه: ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً﴾، وفيه: ﴿فَإِمّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ﴾ وقد تطرح نون التوكيد من هذا فى الشّعر، كقول الأعشى:

إمّا ترينا حفاة لا نعال لناإنّا كذلك ما نحفى وننتعل
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ودع هريرة إن الركب مرتحل»

وكقوله أيضا:

فإمّا ترينى ولى لمّةفإنّ الحوادث أودى بها

واختلفوا فى قوله تعالى: ﴿إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً﴾ فذهب البصريّون إلى أنها للتخيير، فانتصاب «شاكرا وكفورا» على الحال، قال الزجّاج: هديناه الطريق، إمّا طريق السعادة أو الشّقاوة، وقال غيره: التخيير هاهنا إعلام من الله أنه يختار ما يشاء ويفعل ما يشاء، وليس التخيير للإنسان، وقيل:

هى حال مقدّرة، والمعنى إمّا أن يحدث منه عند فهمه الشكر، فهو علامة السعادة، وإمّا أن يحدث منه الكفر، فهو علامة الشّقاوة.

وأجاز الكوفيّون أن تكون/ «إمّا» هاهنا هى الشرطية، والفرّاء قطع بأنها هى، فقال: معناه: إنّا هديناه السّبيل، إن شكر وإن كفر.

وقال مكيّ بن أبى طالب المغربىّ، فى مشكل إعراب القرآن: أجاز الكوفيّون فى قوله تعالى: ﴿إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً﴾ أن تكون «إمّا» إن الشرطيّة، زيدت عليها «ما» قال: ولا يجوز هذا عند البصريّين؛ لأن «إن» الشرطيّة لا تدخل على الأسماء، إلا أن تضمر بعد «إن» فعلا، وذلك فى نحو:

﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اِسْتَجارَكَ﴾ أضمر «استجارك» بعد «إن» ودلّ عليه الثانى، فحسن لذلك حذفه، ولا يحسن إضمار فعل بعد «إن» هاهنا؛ لأنه يلزم رفع «شاكر» بذلك الفعل، وأيضا فإنه لا دليل على ذلك الفعل المضمر فى الكلام. انتهى كلامه.

وهذا القول منه ليس بصحيح؛ لأن النحويّين يضمرون بعد «إن» الشرطيّة فعلا يفسّره ما بعده؛ لأنه من لفظه، فيرتفع الاسم بعد «إن» بكونه فاعلا لذلك المضمر، كقولك: إن زيد زارنى أكرمته، تريد: إن زارنى زيد، وكذلك: إن زيد حضر حادثته، تريد: إن حضر زيد، وكقوله تعالى: ﴿إِنِ اِمْرُؤٌ هَلَكَ﴾، ﴿وَإِنِ اِمْرَأَةٌ خافَتْ﴾ ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اِسْتَجارَكَ﴾ هذه الأسماء ترتفع بأفعال مقدّرة، وهذه الظاهرة مفسّرة لها، وكما يضمرون بعد حرف الشرط أفعالا ترفع الاسم بأنه فاعل كذلك يضمرون بعده أفعالا تنصب الاسم بأنه مفعول، كقولك:

إن زيدا أكرمته نفعك، تريد: إن أكرمت زيدا، ومنه قول النّمر بن تولب:

لا تجزعى إن منفسا أهلكتهوإذا هلكت فعند ذلك فاجزعى
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة

أراد: إن أهلكت منفسا.

وإذا عرفت هذا فليس يلزم ﴿شاكِراً﴾ أن يرتفع فى قول من قال إنّ «إمّا» شرطيّة.

وقوله: لا دليل على الفعل المضمر فى الكلام، يعنى/فى قوله: ﴿إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً﴾ قول بعيد من معرفة الإضمار فى مثل هذا الكلام؛ لأنّ المضمر هاهنا فعل تشهد بإضماره القلوب، وهو «كان» وذلك أنّ سيبويه لا يرى إضمار «كان» إلاّ فى مثل هذا المكان، كقولك: أنا أزورك إن قريبا وإن بعيدا، تريد: إن كنت قريبا وإن كنت بعيدا، ومن ذلك البيت المشهور، وهو للنّعمان بن المنذر:

قد قيل ذلك إن حقّا وإن كذبافما اعتذارك من شيء إذا قيلا

وقول ليلى الأخيليّة:

لا تقربنّ الدّهر آل مطرّفإن ظالما فيهم وإن مظلوما

أي إن كنت ظالما وإن كنت مظلوما، وكذلك التقدير: هديناه السّبيل إن كان شاكرا، وإن كان كفورا، وإضمار الفعل بعد حرف الشرط مخصوص به «إن»، وربّما استعمله الشاعر مع غيرها، كقوله:

صعدة نابتة فى حائرأينما الرّيح تميّلها تمل
للشاعر الحُسام بن ضِرار الكلبي، اقرأ القصيدة

الصّعدة: القناة التى تنبت مستوية فلا تحتاج إلى تثقيف، وامرأة صعدة:

مستوية القامة، شبّهوها بالقناة.

والحائر: المكان الذى يتحيّر فيه الماء.

ولمكّىّ فى تأليفه مشكل إعراب القرآن، زلاّت سأذكر فيما بعد طرفا منها إن شاء الله.

وأمّا «أمّا» المفتوحة فلها ثلاثة مواضع، أحدها: أن تكون لتفصيل ما أجمله المتكلّم واستئناف كلام، كقولك: جاءنى إخوتك، فأمّا زيد فأكرمته، وأمّا خالد فأهنته، وأمّا بكر فأعرضت عنه، قال الله تعالى بعد ذكر السفينة والغلام والجدار:

﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ﴾ ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ ﴿وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ﴾.

/ومن أحكامها أنها لا يليها إلاّ الاسم، مرفوعا بالابتداء، أو منصوبا بفعل بعده، غير مشغول عنه، وأنّ الفاء تقع بعدها جوابا لها، لتضمّنها معنى الفعل الشّرطىّ، ولتضمّنها معنى الفعل لم يلاصقها فعل.

فمثال ارتفاع الاسم بعدها قولك: أمّا زيد فعالم، وأمّا بكر فجاهل، التقدير عند النحويين: مهما يكن من شيء فزيد عالم ومهما يكن من شيء فبكر جاهل.

وإذا أوليتها الاسم المنصوب بما بعده قلت مخبرا: أمّا بكرا فأهنت، وأمّا عمرا فأكرمت، وقلت آمرا: أمّا بكرا فحارب، وأمّا عمرا فعاتب، وقلت ناهيا:

أمّا عمرا فلا تحارب، وأمّا بكرا فلا تعاتب، قال الله جلّ اسمه: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ. وَأَمَّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾.

فإن شغلت الفعل عن الاسم رفعته فقلت: أمّا زيد فأكرمته، وأما خالد فأهنته، كما جاء فى التنزيل: ﴿وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ وقد نصب بعض القرّاء «ثمود» بفعل مضمر مفسّر بالفعل الذى بعده، تقديره: وأمّا ثمود فهدينا، وينشدون بيت بشر بن أبى خازم رفعا ونصبا:

فأمّا تميم تميم بن مرّفألفاهم القوم روبى نياما
للشاعر بشر بن أبي خازم، من قصيدة «غشيت لليلى بشرق مقاما»

الرّوبى: الذين استثقلوا نوما، الواحد روبان، وقال بعد هذا:

وأمّا بنو عامر بالنّسارغداة لقوا القوم كانوا نعاما

حذف الفاء من جواب «أمّا» ولا يجوز حذفها فى حال السّعة؛ إلاّ أنها قد جاءت محذوفة فى القرآن مع جملة القول، فكان حذفها أحسن من إثباتها؛ لكثرة حذف القول، وذلك فى قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ﴾ أى فيقال لهم: أكفرتم؟ ومثل بيت بشر فى حذفها قول الآخر:

فأمّا القتال لا قتال لديكمولكنّ سيرا فى عراض المواكب
للشاعر الحارث المخزومي، اقرأ القصيدة

والثانى من مواضع «أمّا» أن تكون أخذا فى كلام مستأنف من غير أن يتقدّمها كلام، وعلى هذا يرد ما يأتى فى أوائل الكتب، كقولك: أمّا بعد كذا، فإنّى/فعلت، وأمّا على أثر ذلك فإنّى صنعت، واستفتح أبو عليّ كتابه الذى سماه الإيضاح بقوله: «أمّا على إثر ذلك فإنّى جمعت».

فالعامل فى الظرف الذى هو «على» عند سيبويه وجميع النحويين «أمّا» لأنّها لنيابتها عن الفعل تعمل فى الظّروف خاصّة، فعلى هذا تقول: أمّا اليوم فإنى خارج، فتعمل «أمّا» فى «اليوم» ولا تعمل فيه «خارجا» لأنّ «إنّ» تقطع ما بعدها عن العمل فيما قبلها؛ فإن قلت: أمّا اليوم فأنا خارج، جاز أن تعمل فى اليوم «أمّا» وجاز أن تعمل «خارجا»، فإن قلت: أمّا زيدا فأنا ضارب، لم يعمل فى «زيد» إلاّ ضارب؛ لأنّ «أمّا» لا تعمل فى المفعول الصريح، وإن قلت: أمّا زيدا فإنّى ضارب، فهذه غير جائزة عند جميع النحويّين إلا أبا العبّاس المبرّد، فإنه أجاز

نصب «زيد» بضارب، وممّا أنشده سيبويه قول ابن ميّادة، ولقبه الرّمّاح:

ألا ليت شعرى هل إلى أمّ معمرسبيل فأمّا الصبر عنها فلا صبرا
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «خليلي من غيظ بن مرة بلغا»

ويروى «إلى أمّ جحدر»، فالصبر مبتدأ، والجملة من لا واسمها وخبرها خبر عنه، وخبر «لا» محذوف، أراد: فلا صبر لى، ولا عائد من الجملة على المبتدأ الذى هو «الصبر» لدخوله تحت «الصبر» الثانى، من حيث كان عامّا مستغرقا للجنس، كما دخل «القتال» الأول تحت الثانى فى قوله:

فأمّا القتال لا قتال لديكم

وكما دخل «زيد» تحت «الرجل» فى قولهم: زيد نعم الرّجل.

واعترض بيت ابن ميّادة، وقد كنت ذكرته فيما تقدّم من الأمالى، جويهل، فزعم أنّ قافيته مرفوعة، وإنما صغّرته بقولى: جويهل؛ لأنه شويّب /استولى الجهل عليه، فعدا طوره، وجاوز حدّه، مع حقارة علمه، ورداءة فهمه.

وهذا البيت من مقطوعة منصوبة القوافى، وكذلك أورده سيبويه، وقد أوردتها لتعرفها:

ألا ليت شعرى هل إلى أمّ معمرسبيل فأمّا الصبر عنها فلا صبرا
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «خليلي من غيظ بن مرة بلغا»
فأعجب دار دارها غير أنّنىإذا ما أتيت الدار فارقتها صفرا
عشيّة أثنى بالرّداء على الحشاكأنّ الحشا من دونه أشعرت جمرا
وإنّى لأستنشىالحديث من اجلها

لأسمع عنها وهى نازحة ذكرا

وإنّى لأستحيي من الله أن أرىإذا غدر الخلاّن أنوى لها غدرا
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

قوله: «فارقتها صفرا» أى خاليا ممّا أشتهيه، يقال: صفر المنزل وغيره: إذا خلا، ويقولون فى الدعاء على الرجل: ما له؟ صفر إناؤه! أى ماتت ماشيته.

والحشا: واحدة أحشاء الجوف، وهى نواحيه.

وقوله: «أشعرت جمرا» أى صار لها الجمر كالشّعار، وهو الثوب الذى يلى الجسد.

والثالث: من مواضع «أمّا» استعمالها مركّبة من «أن وما» فى قولهم: أمّا أنت منطلقا انطلقت معك، وهى من مسائل سيبويه، وقد ذكرتها فى موضعين، وأصلها: أن كنت منطلقا، فحذفوا «كان» وعوّضوا منها «ما» وأدغموا نون «أن» فى ميم «ما» ووضعوا «أنت» في موضع التاء، وأعملوا «كان» محذوفة، وموضع «أن» مع صلتها نصب؛ لأنه مفعول له، والتقدير: لأجل أن كنت منطلقا انطلقت معك، وعلى هذا أنشد سيبويه:

أبا خراشة أمّا أنت ذا نفرفإنّ قومى لم تأكلهم الضّبع
للشاعر خفاف بن ندبة السلمي، من قصيدة «أبا خراشة أما أنت ذا نفر»

قال سيبويه: إن أظهرت الفعل كسرت، فقلت: إن كنت منطلقا انطلقت معك. انتهى الكلام فى «أمّا».

/معنى الضبّع، فى قوله: «لم تأكلهم الضبّع» السّنة المجدبة، وروى أنّ رجلا جاء إلى النبىّ ﵇، فقال: «يا رسول الله، أكلتنا الضبّع» يريد السّنة.

روى عن أبى الحسن بن كيسان أنه قال: حضرت مجلس إسماعيل القاضى، وحضر أبو العباس المبرّد، فقال لى أبو العباس: ما معنى قول سيبويه: «هذا باب ما يعمل فيه ما قبله وما بعده» قال: فقلت: هذا باب ذكر فيه سيبويه مسائل مجموعة، منها ما يعمل فيه ما قبله، نحو قولهم: «أنت الرجل دينا، نصبوه على الحال، أى أنت الرجل المستحقّ الرّجوليّة فى حال دين، ومنها ما يعمل فيه ما بعده نحو قولهم: أمّا زيدا فأنا ضارب، فالعامل فى «زيد» هاهنا «ضارب» لأن «أمّا» لا تعمل فى صريح المفعول. ولم يرد سيبويه بقوله هذا أنّ شيئا واحدا يعمل فيه ما قبله وما بعده، هذا لا يكون. فقال لى أبو العباس: هذا لا يوصل إليه إلاّ بعد فكر طويل، ولا يفهمه إلاّ من أتعب نفسه، فقلت له: منك سمعت هذا، وأنت فسّرته لى، فقال: إنّى من كثرة فضولى فى جهد.

كان الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عبّاد منحرفا عن المتنبي؛ لأنه طلب منه أن يمدحه فأبى، فأظهر لشعره معايب، ونسبه إلى أنّ معانيه مسترقة، ثم عمد بعد هذا إلى استراق معنى منه بلفظه ووزنه وقافيته، وهو قوله:

وأخلاق كافور إذا شئت مدحهوإن لم أشأ تملى علىّ وأكتب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

فقال الصاحب فى وصف قصيدة مدح بها سيف الدّولة:

وما هذه إلاّ وليدة ليلةيغور لها شعر الوليد وينضب
على أنها إملاء مجدك ليس لىسوى أنّه يملى عليّ وأكتب

أراد بالوليد: أبا عبادة البحترىّ.

/قول أبى الطيّب.

نهبت من الأعمار ما لو حويتهلهنّئت الدّنيا بأنّك خالد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

هذا من أحسن ما مدح به ملك، وهو مدح موجّه، أى ذو وجهين، كالثوب الموجّه، وذلك أنه مدحه فى النّصف الأول بالشجاعة وبالقدرة على نهب الأعمار، وفى النصف الثانى، بأنه لو عاش مقدار ما نهبه من الأعمار كانت الدنيا مهنّأة ببقائه، ولو قال: لبقيت خالدا، لم يكن المدح موجّها.

قال عليّ بن عيسى الرّبعىّ: المدح فى هذا البيت من وجوه، أحدها: أنه وصفه بنهب النّفوس دون الأموال.

والثانى: أنه كثّر قتلاه، بحيث لو ورث أعمارهم خلد فى الدنيا.

والثالث: أنه جعل خلوده صلاحا لأهل الدنيا، بقوله:

لهنّئت الدّنيا بأنك خالد

والرابع: أنّ جميع مقتوليه لم يكن ظالما فى قتلهم؛ لأنّه لم يقصد بذلك إلاّ صلاح الدّنيا وأهلها، فهم مسرورون ببقائه، فلذلك. قال:

لهنّئت الدنيا بأنّك خالد

أى هنّىء أهل الدنيا.

أوّل من ذكر الطير التى تتبع الجيش لتصيب من لحوم القتلى، الأفوه الأودىّ فى قوله:

وترى الطير على آثارنارأي عين ثقة أن ستمار
للشاعر الأفوة الأودي، من قصيدة «إن ترى رأسي فيه قزعٌ»

ثم النابغة الذّبيانىّ فى قوله:

إذا ما غزوا بالجيش حلّق فوقهمعصائب طير تهتدى بعصائب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «كليني لهمٍ ، يا أميمة َ ، ناصبِ ،»
لهنّ عليهم عادة قد عرفنهاإذا عرّضوا الخطّىّ فوق الكواثب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «كليني لهم يا أميمة ناصب»

الكاثبة: ما ارتفع من منسج الفرس، والمنسج أمام القربوس.

ثم حميد بن ثور، فى وصف الذّئب:

إذا ما عدا يوما رأيت غيايةمن الطّير ينظرن الذى هو صانع

/أصل الغياية: الظّلمة والغبرة، واستعارها للطير المصطفّة فى الجوّ، لأنها تغطّى عين الشمس.

ثم أبو نواس يمدح العبّاس بن عبد الله بن جعفر بن المنصور:

تتأيّا الطير غدوتهثقة بالشّبع من جزره
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أيها المنتاب عن عفره»

تأيّيت: تمكّثت، أى تنتظر الطير غدوته للحرب.

والجزر: الشاء المذبوحة، واحدتها جزرة، شبّه بها القتلى.

ثم مسلم بن الوليد الأنصاريّ، يمدح يزيد بن مزيد الشّيبانىّ، فى قوله:

قد عوّد الطّير عادات وثقن بهافهنّ يصحبنه فى كلّ مرتحل
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أجررت حبل خليع في الصبا غزل»

ثم أبو تمّام حبيب بن أوس، فى قوله:

وقد ظلّلت عقبان أعلامه ضحىبعقبان طير فى الدّماء نواهل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «غدا الملك معمور الحمى والمنازل»
أقامت مع الرّايات حتّى كأنّهامن الجيش إلاّ أنها لم تقاتل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «غدا الملك معمور الحمى والمنازل»

زعم قوم من نقّاد الشّعر أن أبا تمّام زاد عليهم بقوله: «إلا أنها لم تقاتل» وأحسن من هذه الزيادة عندى قوله: «فى الدماء نواهل»، وقوله: «أقامت مع الرايات»، وبذلك يتمّ حسن قوله: «إلاّ أنها لم تقاتل» على أنّ الأفوه قد فضل الجماعة بأمور، منها: السّبق، وهى الفضيلة العظمى.

والثانى: أنه قال: «رأي عين» فخبّر عن قربها، لأنّها إذا بعدت تخيّلت تخيّلا، وإنما يكون قربها توقّعا لما تصيبه من القتلى، وهذا يؤكّد المعنى.

والثالث: أنه قال: «ثقة أن ستمار» فجعلها واثقة بالميرة، ولم يجمع هذه الأوصاف غيره.

وأما أبو نواس، فإنّه نقل اللّفظة فى قوله: «ثقة بالشّبع»، ولم يزد فيفضّل، وكذلك مسلم أخذ قوله: «قد عوّد الطّير عادات» من قول النابغة:

لهنّ عليهم عادة قد عرفتها

وأخذ قوله: «وثقن بها» من قول الأفوه: «ثقة أن ستمار».

وقال المتنبّى:

سحاب من العقبان يزحف تحتهسحاب إذا استسقت سقتها صوارمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

فزاد أن جعل الطّير والجيش سحابين، وجعل السّحاب الأسفل يسقى السّحاب الأعلى، فغرّب فى هذا، وقد تعنّته فى هذا البيت مقصّر فى معرفة التّدقيق فى المعانى بأمرين، أحدهما: أنّ السحاب لا يسقى ما فوقه، والآخر: أنّ الطير لا تستسقى، وإنما تستطعم.

وأقول: أمّا إسقاء السّحاب ما فوقه، وهو الذى غرّب به، فإنه لم يجعل الجيش سحابا فى الحقيقة فيمتنع إسقاؤه لما فوقه، وإنما أقامه مقام السّحاب؛ لأنه طبّق الأرض لكثرته وتزاحمه، وغطّاها كما يغطّى السحاب السماء، وقد فعلت العرب ذلك فى أشعارها، ولمّا سمّاه لذلك سحابا جعله يستسقى فيسقى، مع أن الطير لا تصيب من القتلى ما تصيبه وهى فى الجوّ، وإذا كانت تهبط إلى الأرض حتى تقع على القتيل فالسّحاب السّاقى عال عليها.

فأمّا استسقاء الطير فجار على عادة العرب فى استعارة هذه اللفظة تعظيما لقدر الماء. قال علقمة بن عبدة، يطلب أن يفكّ أخوه شأس من الأسر، يخاطب بذلك ملك الشام:

وفى كلّ حىّ قد خبطت بنعمةوحقّ لشأس من نداك ذنوب
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «طحا بك قلب في الحسان طروب»

وأصل الذّنوب الدّلو العظيمة، وقيل للنّصيب: ذنوب، فى قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ﴾ لأنهم كانوا يقتسمون الماء فيأخذ هذا ذنوبا وهذا ذنوبا. وقال رؤبة:

يا أيّها المائح دلوى دونكاإنى رأيت الناس يحمدونكا

وهما لم يستسقيا فى الحقيقة ماء، وإنما استطلق أحدهما أسيرا، وطلب الآخر عطاء؛ ولذلك سمّوا السّائل والمجتدى مستميحا، أخذوه من الميح، وهو أن يجمع المائح الماء فى الدّلو، والمائح: الذى ينزل إلى البئر فيملأ الدّلاء.

ثم إن سباع الطير قد تلغ فى الدّماء، ولذلك قال أبو تمام:

بعقبان طير فى الدّماء نواهل

والنّهل لا يكون إلاّ من المشروب دون المطعوم. وقد كرّر أبو الطيّب هذا المعنى فغيّره وألطف، فجاء كالمعنى المخترع، قال:

تفدّى أتمّ الطير عمرا سلاحهنسور الملا أحداثها والقشاعم
وما ضرّها خلق بغير مخالبوقد خلقت أسيافه والقوائم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

وذكر الطير فى موضع آخر، فأحسن وجاء بما لم يسبق إليه فقال:

يطمّع الطّير فيهم طول أكلهمحتى تكاد على أحيائهم تقع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

ومن مستحسن ما قيل فى هذا المعنى قوله أيضا فى وصف جيش:

وذى لجب لا ذو الجناح أمامهبناج ولا الوحش المثار بسالم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال أبو الفتح: أراد أن الجيش يصيد الوحش، والعقبان فوقه تسايره فتخطف الطير أمامه.

وقال أبو العلاء المعرّىّ: يقول: إذا طار ذو الجناح أمامه فليس بناج؛ لأنّ الرّماة كثيرة فى الجيش، وإن ثار وحش أدركوه فأخذوه.

وقول أبى العلاء إن ذا الجناح تصيبه الرّماة أوجه؛ لأن الشاعر أراد تفخيم الجيش وتعظيمه فلا يفوته طائر ولا وحشىّ. ثم قال:

تمرّ عليه الشمس وهى ضعيفةتطالعه من بين ريش القشاعم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أنا لائمي إن كنت وقت اللوائم»

أراد أن الجيش ارتفع غباره، فالشمس تصل إليه ضعيفة داخلة بين ريش الطير التى تتبعه لتصيب من لحوم القتلى. ثم قال:

إذا ضوؤها لاقى من الطير فرجةتدوّر فوق البيض مثل الدراهم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أنا لائمي إن كنت وقت اللوائم»

وذكر أبو نصر بن نباتة الطير، فزاد زيادة أبدع فيها، فقال:

ويوماك يوم للعفاة مذلّلويوم إلى الأعداء منك عصبصب
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة
إذا حوّمت فوق الرّماح نسورهأطار إليها الضّرب ما تترقّب
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة

وقال:

وإنّك لا تنفكّ تحت عجاجةتقطّع فيها المشرفيّة بالطّلا
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة
إذا يئست عقبانها من خصيلةرفعت إليها الدّارعين على القنا
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة

الخصيلة: كلّ لحمة فيها عصب. والطّلا: الأعناق.

وقول أبى تمام:

إذا ظلّلت عقبان أعلامه

يقال للراية: عقاب، وتجمع عقبانا.

آخر المجلس

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.