من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
مسألة (٢٣)
سأل سائل عن قراءة من قرأ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ برفع «الملائكة»، فقال: ما وجه ذلك؟
فأجبت بأنّ رفع «الملائكة» بالابتداء، و ﴿يُصَلُّونَ﴾ خبر عنها، وخبر «إنّ» محذوف، لدلالة الخبر المذكور عليه، فالتقدير: إنّ الله يصلّى على النبىّ، وملائكته يصلّون على النبىّ، فحذف الخبر الأوّل لدلالة الثانى عليه، ونظير ذلك قول الشاعر:
نحن بما عندنا وأنت بماعندك راض والرأى مختلف
أراد: نحن بما عندنا راضون، فاجتزأ بذكر «راض» عنه، ومثله حذف أحد الخبرين من قول الله جلّ ثناؤه: ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ ولو كان ﴿أَحَقُّ﴾ خبرا عنهما لقيل «يرضوهما».
ويجوز أن يكون قوله: ﴿وَمَلائِكَتَهُ﴾ معطوفا على موضع «إنّ» واسمها؛
لأنّ «إنّ» من الحروف التى تدخل على الكلام فلا تغيّر معناه، فموضعها مع اسمها رفع بالابتداء، فالتقدير: الله وملائكته يصلّون على النبىّ.
وأجاز أبو علىّ الحسن بن أحمد الفارسىّ أن يكون ﴿يُصَلُّونَ﴾ خبرا عن الله تعالى، والخبر عن الملائكة محذوف، والتقدير: إنّ الله يصلّون على النبىّ وملائكته كذلك، وحسن الإخبار عن الله سبحانه بلفظ الجميع تفخيما وتعظيما، كما جاء خطابه بلفظ الجمع فى قوله: ﴿رَبِّ اِرْجِعُونِ﴾، وكما جاء إخباره عن نفسه بلفظ الجميع فى كثير من القرآن، كقوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ و ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ و ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾.
روت الرّواة بإسناد جمعوه، إلى خريم بن أوس بن حارثة بن لأم الطائىّ: أنه قال: هاجرت إلى رسول الله ﵌ منصرفه من تبوك، فأسلمت وعنده يومئذ عمّه العبّاس، فسمعته يقول: إنى أريد أن أقول قولا أثنى عليك به، فقال له: قل يا عمّ، لا يفضض الله فاك، فأنشأ يقول:
من قبلها طبت فى الظّلال وفيمستودع حيث يخصف الورق
ثم هبطت البلاد لا بشرأنت ولا مضغة ولا علق
بل نطفة تركب السّفين وقدألجم نسرا وأهله الغرق
تنقل من صالب إلى رحمإذا مضى عالم بدا طبق
/حتّى احتوى بيتك المهيمن منخندف علياء تحتها النّطق
وأنت لمّا ولدت أشرقت الأرض وضاءت بنورك الأفق
فنحن فى ذلك الضّياء وفى النّور وسبل الرّشاد نخترق
قوله: «من قبلها»: أى من قبل الخليقة، كنى عن غير مذكور، والعرب تفعل ذلك توسّعا واختصارا، وثقة بفهم السامع.
وأقول: إنّ ضمير الغيبة ينقسم إلى أربعة أضرب، أحدها، وهو الأصل: أن يعود إلى شيء قد تقدّم ذكره، كقولك: زيد لقيته، وهند خرجت، وأخواك أكرمتهما، والقوم انطلقوا، وضرب زيد غلامه، ومثله فى التنزيل: ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ﴾ ﴿وَنادى نُوحٌ اِبْنَهُ﴾.
والثانى: أن يعود إلى مذكور في سياقة الكلام، مؤخّر فى اللفظ، مقدّم فى النيّة؛ لأنّ رتبته التقديم، كقولك: ضرب غلامه زيد، وكقولهم: «فى بيته يؤتى الحكم»، ومثله فى التنزيل: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ وقوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ﴾.
والثالث: أن لا يعود على مذكور، ويلزمه أن يفسّر بنكرة منصوبة،
أو بجملة، فالمفسّر بالمنصوب المنكور المضمر فى نعم وبئس وربّ، كقولك:
نعم رجلا زيد، وبئس غلاما بكر، وربّه رجلا أكرمته.
والمفسّر بالجملة ضمير الشأن وضمير القصّة، وهو على ضربين: مرفوع ومنصوب، فالمرفوع على ضربين: منفصل ومتّصل مستتر، فمثال المنفصل: هو زيد منطلق، و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ التقدير: الشأن: زيد منطلق، والشأن: الله أحد، وأما المستتر فيضمر فى «كان» كقولك: كان زيد جالس، تريد: كان الشأن: زيد جالس، ومنه قول الشاعر:
فلا أنبأنّ أنّ وجهك شانهخموش وإن كان الحميم حميم
/ومثله:
إذا متّ كان الناس نصفان شامتوآخر مثن بالّذى كنت أصنع
أراد كان الشأن: الناس نصفان [والمنصوب]، كقولك: إنه زيد شاخص.
ويكون ضمير القصّة إذا كان الاسم مؤنّثا، كقولك: إنها هند شاخصة،
هذا هو الأحسن، ويجوز: إنه هند شاخصة، فضمير الشّأن فى التنزيل: ﴿إِنَّهُ أَنَا اللهُ﴾ وضمير القصّة: ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ﴾.
وقد جاء ضمير الفاعل مستترا مفسّرا بمفعول؛ لأنه لم يعد إلى مذكور، وذلك على مذهب البصريّين فى باب إعمال الفعلين، فى نحو: أكرمنى وأكرمت زيدا، أردت: أكرمنى زيد، فأضمرت زيدا ولم تحذفه، كما رأى حذفه الكسائىّ، وحسن إضماره لدلالة ما بعده عليه.
والضّرب الرابع: أن يعود الضمير إلى معلوم قد تقرّر فى النّفوس، فقام قوّة العلم به وارتفاع اللّبس فيه مقام تقدّم الذّكر له، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ﴾ و ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ﴾ أضمر الأرض، وكقوله: ﴿فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾، و ﴿كَلاّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾، أضمر النّفس والرّوح، وكقوله:
﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، و ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ﴾ أضمر القرآن والمسجد الحرام، وقال حاتم الطائىّ:
لعمرك ما يغنى الثّراء عن الفتىإذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر
أراد: حشرجت النّفس، أى تردّدت، ومنه قول الأخطل:
أخالد هاتى خبّرينى وأعلنىحديثك إنّى لا أسرّ التّناجيا
حديث أبى سفيان لمّا سما بهاإلى أحد حتّى أقام البواكيا
أراد سما بالخيل.
ومن هذا الفنّ فى أشعار المحدثين قول دعبل بن علىّ، فى إبراهيم بن المهدىّ/وقد بويع فى العراق:
نفر ابن شكلة بالعراق وأهلهفهفا إليه كلّ أطلس مائق
إن كان إبراهيم مضطلعا بهافلتصلحن من بعده لمخارق
أراد: مضطلعا بالخلافة، يقال: اضطلع فلان بالأمر: إذا قام به.
وشكلة: اسم أمّه.
والأطلس: الذئب الأغبر، شبّههم بالذّئاب الطّلس.
والمائق: الأحمق.
ومخارق: مغنّ كان أوحد فى الغناء.
ومن هذا إضمار الخمر فى قول عبد الله بن المعتزّ:
وندمان دعوت فهبّ نحوىوسلسلها كما انخرط العقيق
وقوله: «طبت فى الظّلال»: أى فى ظلال الجنة المذكورة فى قوله تعالى:
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ﴾ والظّلال: جمع ظلّ، وإنما يريد ظلّ شجرها، ويجوز أن يراد أنّ الجنّة كلّها ظلّ لا شمس فيها، كما قال تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ وقال: ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً﴾.
وقوله: «فى مستودع» أى فى صلب آدم قبل أن يهبط إلى الأرض، كما قال تعالى: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ أى مستقرّ فى الأرحام، ومستودع فى الأصلاب.
وقوله «حيث يخصف الورق» يعنى حيث خصف آدم وحوّاء عليهما الورق حين بدت سوءاتهما، قال تعالى: ﴿وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ والخصف: ضمّ الشىء إلى الشىء وإلصاقه به، ومنه قولهم: خصفت النّعل: أى رقعتها، وصانعها خصّاف، والإشفى مخصف. وقوله:
ثم هبطت البلاد لا بشرأنت ولا مضغة ولا علق
يعنى هبوطه وهو نطفة فى صلب آدم، لم يصر علقا ولا مضغة. والعلق:
الدّم الجامد، والمضغة: القطعة من اللّحم.
وقوله: «بل نطفة تركب السّفين» يعنى فى صلب نوح، كما جاء فى التنزيل: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾.
/وحذف الهاء من السفينة يحتمل أمرين، أحدهما: أن يكون حذفها ومراده بالسّفين الواحدة، وقد تفعل الشّعراء ذلك، ومنه قول أبى طالب:
وحيث ينيخ الأشعرون ركابهمبمفضى السّيول من إساف ونائل
أراد: نائلة، ونائلة وإساف: صنمان. ومنه قول مالك بن حيّان:
ولا نجاوركم إلاّ على ناحى
أراد: ناحية.
والثانى: أن يكون أراد بالسّفين الجمع، واستعمل الجمع فى موضع الواحد، كقولهم: بعير ذو عثانين، وشابت مفارقه، وكقول الشاعر:
والزّعفران على ترائبهاشرق به اللّبّات والنّحر
استعمل التّرائب واللّبّات فى موضع التّربية واللّبّة. واللّبّة: موضع القلادة من الصدر، والتّربية والتّريب أيضا: الصّدر، قال:
أشرف ثدياها على التّريب
فقوله: التّرائب واللّبّات، كأنه جمعهما بما حولهما، وكذلك السّفين يكون على تسمية كلّ جزء من السّفينة سفينة. وقوله:
وقد ألجم نسرا وأهله الغرق
أراد بنسر: الصّنم الذى كان قوم نوح يعبدونه، وقد ذكره الله تعالى فى قوله: ﴿وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾، وأدخل فيه الشاعر الألف واللام زيادة للضّرورة، فى قوله:
أما ودماء مائرات تخالهاعلى قنّة العزّى، وبالنّسر عندما
وما سبّح الرّهبان فى كلّ ليلةأبيل الأبيلين المسيح بن مريما
لقد هزّ منّى عامر يوم لعلعحساما إذا ما هزّ بالكفّ صمّما
دماء مائرات: متردّدات. مار الدّم على وجه الأرض يمور: إذا تردّد.
وقنّة العزّى: أعلاها، وقنّة الجبل: أعلاه.
والعندم: البقّم، والعندم: دم الأخوين.
والأبيل: الرّاهب، فأبيل الأبيلين: راهب الرّهبان.
/وصمّم: مضى، يقال: صمّم الرجل فى الأمر: إذا جدّ فيه. ومثل زيادة الألف واللام فى النّسر زيادتها فى اليزيد، من قول الشاعر:
وجدنا الوليد بن اليزيد مباركاشديدا بأعباء الخلافة كاهله
أعباء الخلافة: أثقالها، واحدها: عبء، مثل قمع.
والكاهل: أعلى الظّهر.
وقوله:
تنقل من صالب إلى رحم
الصّالب والصّلب: الصّلب، ثلاث لغات. وقوله:
إذا مضى عالم بدا طبق
الطّبق هاهنا: القرن من الناس، سمّوا بذلك؛ لأنهم كالطّبق للأرض، والطّبق فى غير هذا: الحال، ومنه قوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ أى حالا بعد حال. وقوله:
حتّى احتوى بيتك المهيمن
بيت الرّجل: يستعمل بمعنى أصله ومنبته، وبمعنى عترته.
والمهيمن: أصله أن يستعمل وصفا لله سبحانه، وهو ممّا جاء لفظه مشبها لفظ المصغّر، وهو مكبّر، كقولهم للمسلّط: مسيطر، وللبيطار: مبيطر.
وقد وصف به فى القرآن غير الله، فى قوله: ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ وقيل فى معنى ﴿وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ أقوال، قال بعض المفسّرين: وشاهدا عليه، وقال بعضهم: مؤتمنا عليه، وقال آخرون: المهيمن: الحافظ والرّقيب، وأمّا أهل العربيّة، منهم أبو العباس محمد بن يزيد، فقالوا: أصله مؤيمن، وأبدلت من الهمزة الهاء، كما قالوا فى أرقت الماء:
هرقت، وفى إيّاك: هيّاك، وهذا القول موافق لقول من قال من المفسّرين إن معناه:
مؤتمن وأمين، وعلى هذا يحمل قوله:
حتّى احتوى بيتك المهيمن من خندف علياء...
أى احتوى بيتك الأمين منزلة علياء من مجد خندف، وسامى شرفها.
والنّطق: جمع نطاق، وهو ما يشدّ به الرجل وسطه والمرأة، وهذا مثل ضربه؛ لأنّ النّطاق يشدّ تحت محلّ القلب، فشبّه محلّ شرفه فى خندف بمحلّ القلب من الجسد، /وهو أعلى [من] مكان النّطاق.
وقوله: ضاءت بنورك الأفق. أنّث الأفق حملا على المعنى؛ لأنّ معناه الناحية.
ودليل تذكيره قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ وأراد بالأفق الآفاق، ولكنّه استعمل الواحد فى موضع الجمع، كما جاء فى التنزيل: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ﴾ و ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ ﴿وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً﴾ ومثله فى الشّعر:
قد عضّ أعناقهم جلد الجواميس ....
وقول الآخر:
كلوا فى نصف بطنكم تعفّوافإنّ زمانكم زمن خميص
ويقال: ضاء المكان وأضاء، وضاءت النار وأضاءت، غير متعدّيين، وقد استعملوا أضاء متعدّيا، فقالوا: أضاءت النار المكان، قال الشاعر:
حضأت له نارى فأبصر ضوأهاوما كاد لولا حضأة النار يبصر
دعته بغير اسم هلمّ إلى القرىفأسرى يبوع الأرض والنار تزهر
فلمّا أضاءت شخصة قلت مرحباهلمّ وللصّالين بالنار أبشروا
حضأت النار، مهموز، وحضوتها، لغتان: سعرتها.
ويبوع الأرض: يقطعها.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع