تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

ممّا دقّق فيه أبو الطّيب قوله

لا يستكنّ الرّعب بين ضلوعهيوما ولا الإحسان أن لا يحسنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

وأقول: إن الإحسان فى اللغة على معنيين: الأوّل نظير الإنعام، ونقيض الإساءة، ويتعدّى فعله بحرف خفض، إمّا «إلى» أو «الباء»، تقول: أحسنت إليه، كما جاء: ﴿وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ﴾، وإن شئت: أحسنت به، كما جاء: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾، وكذلك نقيضه، تقول:

أسأت إليه، وأسأت به. قال كثيّر:

أسيئي بنا أو أحسنى لا ملومةلدينا ولا مقليّة إن تقلّت
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «تمنيتها حتى إذا ما رإتها»

والثانى: أن يكون الإحسان بمعنى إجادة العمل، يقال: هو يحسن كذا:

إذا كان عارفا به، حاذقا له، وفعله يتعدّى بنفسه كما ترى، ومنه فى التنزيل: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾، وقال امرؤ القيس:

وقد زعمت بسباسة اليوم أنّنىكبرت وأن لا يحسن السّرّ أمثالى

وقال الراجز:

قد قارعت معن قراعا صلباقراع قوم يحسنون الضّربا

فقول أبى الطّيّب: «أن لا يحسنا» معمول الإحسان، فكأنه قال:

ولا يستكنّ بين ضلوعه أن يحسن أن لا ينعم، ومثله قول الآخر:

يحسن أن يحسن حتى إذارام سوى الإحسان لم يحسن

المعنى: يجيد أن ينعم حتّى إذا ما رام سوى الإنعام لم يجد ما رامه.

ومن قيله:

منى كنّ لى أنّ البياض خضابفيخفى بتبييض القرون شباب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
ليالى عند البيض فوداى فتنةوفخر وذاك الفخر عندى عاب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

منى: مبتدأ وإن كان نكرة، وقد يفيد الابتداء بالنكرة إذا أخبرت عنها بجملة تتضمّن اسما معرفة، كقولك: امرأة خاطبتنى، وكذلك إن أخبرت بظرف مضاف إلى معرفة، كقولك: رجل خلفك، قال الهذيل بن مجاشع:

ونار القرى فوق اليفاع ونارهممخبّأة، بتّ عليها وبرنس

البتّ: الكساء الغليظ، وإنما ضعف الابتداء بالنكرة؛ لأن النفس تتنبّه بالمعرفة على طلب الفائدة، وإذا كان المخبر عنه مجهولا كان المخبر حقيقا باطّراح الإصغاء إلى

خبر من لا يعرفه. وحدّ الكلام إذا كان المبتدأ منكورا وتضمّن خبره اسما معروفا أن يقدّم الخبر، كقولك: لزيد مال؛ لأنّ الغرض فى كلّ خبر أن يتطرّق إليه بالمعرفة فيصدّر الكلام بها، وهذا موجود هاهنا؛ لأنك وضعت زيدا مجرورا لتخبر عنه بأنّ له مالا قد استقرّ له، فقولك: لزيد مال، فى تقدير: زيد ذو مال، فالمبتدأ الذى هو «مال» هو الخبر فى الحقيقة، وقولك: «لزيد» هو المبتدأ فى المعنى.

وقوله: «منى كنّ لى» مفيد؛ لأنّ فى ضمن الخبر ضمير المتكلّم، وهو أعرف المعارف. ولو قال: منى كنّ لرجل، لم يحصل بذلك فائدة؛ لخلوّه من اسم معروف. فاحتفظ بهذا الفصل فإنه أصل كبير.

وقوله: «أنّ البياض خضاب» منقطع من أوّل البيت، وتحتمل «أنّ» الرفع والنّصب، فالرفع على إضمار مبتدأ، كأنه قال: إحداهنّ أنّ البياض خضاب، أو أقدمهنّ أن البياض خضاب؛ لأنه قد أخبر بأنّ ذلك كان فى أيّام حداثته وريعان شبيبته بقوله:

ليالى عند البيض فوداى فتنة

الفود: معظم شعر اللّمّة ممّا يلى الأذنين.

وأما النّصب فعلى إضمار «تمنّيت» لدلالة «منى» عليه، كما أضمر «نتّبع» فى قوله تعالى: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ﴾، وكإضمار «اشدد» فى قول أحيحة بن الجلاح:

ألا أبلغ سهيلا أنّنى ما عشت كافيكا

حيازيمك للموت فإنّ الموت لاقيكا

فإن قيل: إن التمنّى ممّا لم يثبت كالرجاء والطّمع، فلا يقع على «أنّ» الثقيلة؛ لأنّها للتحقيق، فهى أشبه بأفعال اليقين، وإنما يقع التمنّى وما شاكله على «أن» الخفيفة؛ لأنها تخلّص الفعل للاستقبال، فهى أشبه بالطّمع والرجاء والتمنّى، من حيث تعلّقت هذه المعانى بما يتوقّع، ومنه قول لبيد:

تمنّى ابنتاى أن يعيش أبوهماوهل أنا إلاّ من ربيعة أو مضر
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما»

قيل: لا يمتنع وقوع التمنّى على «أنّ» الثقيلة، كما لم يمتنع وقوع «وددت» عليها، ووددت وتمنّيت بمعنى واحد، فمن ذلك فى التنزيل: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾.

ويدلّك على أن وددت وتمنّيت معناهما واحد، قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾. والمعنى: لو يجعلون والأرض سواء، كما قال: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً﴾.

وهذا استدلال أبى علىّ.

ويجرى مجرى التّمنّى فيما ذكرته الخوف، وقد جاء: ﴿وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾، وقد جاء: ﴿وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ﴾. ومثل تمنّيت اشتهيت، وقد قال أبو تمام:

مضى طاهر الأثواب لم تبق بقعةغداة ثوى إلاّ اشتهت أنها قبر
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر»

وجاء صريح التمنّى فى قول الآخر:

ما روضة إلاّ تمنّت أنّهالك مضجع ولخطّ قبرك موضع
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «رأس ابن بنت محمد ووصيه»

ويجوز أن تكون «منى» منصوبة نصب الظروف، والجملة التى هى كان واسمها وخبرها نعت لها، فتتّصل «أنّ» بما قبلها، كأنه قال: فى منى كنّ لى أنّ البياض خضاب، أى فى جملة منى، كما قالوا: حقّا أنّك ذاهب، وأكبر ظنّى أنّك مقيم، يريدون: فى حقّ، وفى أكبر ظنّى، وإذا أردت معنى الظرفيّة فى «منى» فلك فى «أنّ» مذهبان، فمذهب سيبويه والأخفش والكوفيّين، رفع «أنّ» بالظرف، وكلّ اسم حدث يتقدّمه ظرف يرتفع عند سيبويه بالظّرف، ارتفاع الفاعل، وقد مثّل ذلك بقوله: غدا الرّحيل، وأ حقّا أنك ذاهب؟ والحقّ أنّك ذاهب؟ قال: حملوه على: أفى حقّ أنك ذاهب؟ قال: وكذلك إن أخبرت فقلت: حقّا أنك ذاهب، والحقّ أنك ذاهب، وأكبر ظنّى أنك ذاهب.

وإذا كان هذا مذهب سيبويه، مع من ذكرناه، فالمنية تقارب الظنّ، فيحسن أن تقول: أكبر مناى أنك ذاهب، فتنصب «أكبر» بتقدير «فى»،

وأنشد سيبويه فى ذلك للأسود بن يعفر:

أحقّا بنى أبناء سلمى بن جندلتهدّدكم إيّاى وسط المجالس

وأنشد:

أحقّا أنّ جيرتنا استقلّوافنيّتنا ونيّتهم فريق

فى أبيات أخر. فهذا أحد المذهبين، والمذهب الآخر مذهب الخليل، وذلك أنه يرفع اسم الحدث بالابتداء، ويخبر عنه بالظّرف المتقدّم، حكى ذلك عنه سيبويه فى قوله: وزعم الخليل أن التهدّد هاهنا-يعنى فى بيت الأسود-بمنزلة «الرحيل بعد غد» وأنّ «أنّ» بمنزلته، وموضعها كموضعه. انتهت حكايته عن الخليل.

وأقول: إن اعترض معترض، وقال: كيف تحكمون على «أنّ» المفتوحة بالابتداء، والعرب لم تبتدئ بها.

فالجواب: أنهم لم يبتدءوا بها لئلاّ يعرّضوها لدخول «إنّ» المكسورة عليها، وإذا كانوا قد كرهوا دخول المكسورة على لام التوكيد؛ لأنهما بمعنى واحد، فكراهيتهم لدخولها على «أنّ» مع تقارب لفظيهما واتفاقهما فى العمل والمعنى،

أشدّ، فلمّا ألزموها التأخير استجازوا رفعها بالابتداء؛ لأنّ «إنّ» المكسورة لا تباشرها إذا دخلت على الجملة، كقولك: إنّ من الصّواب أنك تنطلق.

ومثل قوله:

أحقّا أنّ جيرتنا استقلّوا

﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً﴾ على المذهبين.

وقال أبو العلاء المعرّىّ فى تفسير قوله: «منى كنّ لى...» البيت: لو أنّ هذا الكلام فى غير الشّعر لكان ثبوت الألف واللام فى «شباب» أحسن؛ لأنه مضاه لقولهم: المشيب. وكانت العرب فى الجاهليّة إذا اتّفق لها مثل هذا آثرت دخول لام التعريف، وإن قبح فى السّمع، وأكثر ما يجيء فى شعر امرئ القيس، فمنه قوله:

فإن أمس مكروبا فيا ربّ بهمةكشفت إذا ما اسودّ وجه الجبان
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «لِمَنْ طَلَلٌ أبْصَرتُهُ فَشَجَاني»

فقد أساءت الألف واللام الوزن عند السّامع، وآثرها قائل البيت على الحذف، ولو حذف لكان الحذف أحسن فى الغريزة، ولكن دخول الألف واللام أثبت فى تمكين اللفظ، وكذلك قوله:

فلما أجنّ الشّمس عنّى غئورهانزلت إليه قائما بالحضيض

وأقول: إنّ اللام فيما ذكره أبو العلاء لا تخلو أن تكون لتعريف الجنس، أو تكون عوضا من تعريف الإضافة إلى الضمير، فكونها لتعريف الجنس، فى مثل قوله: «وجه الجبان»، وكونها عوضا من تعريف الإضافة، فى مثل قولك: حسن الوجه، الأصل: حسن وجهه، فلما حذفت الهاء من «وجهه» عرّفته باللام،

ولو قلت: حسن وجه، جاز على ضعف؛ لأنه قد علم أنك لا تعنى من الوجوه إلاّ وجه المذكور.

فحقّ «شباب» فى بيت المتنبّى أن يكون معرّفا باللام، عوضا من تعريف الإضافة إلى الضمير، من حيث كان مراده: شبابى، فدخول اللام هاهنا- لو استعمل-أقلق الوزن، إلا أنه كان يكمّل المعنى واللفظ، على أن إسقاط اللام منه زحاف، وقد قيل: ربّ زحاف أطيب فى الذّوق من الأصل.

قال أبو الفتح في تفسير البيت: يقول: شيبى هذا منى كنّ لى قديما، وإنما كنت أتمنّى المشيب ليخفى شبابى. والقرون: الذّوائب، واحدها قرن.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من المجلس الحادى والثمانون يتضمّن ذكر ما لم نذكره من زلاّت مكّىّ

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.