تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

قول أبى الطيب

فمن كان يرضى اللّؤم والكفر ملكهفهذا الذى يرضى المكارم والرّبّا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

الإشارة بهذا، فى نقدى واستخراجى، موجّهة إلى ملك الممدوح، لا إلى الممدوح؛ لأمرين، أحدهما: أنه لو أراد الممدوح لقال:

فأنت الذى ترضى المكارم والرّبّا

لأنّ اللفظ بالخطاب فى مثل هذا أمدح.

والآخر: أنه أشار إلى الملك، فجعل الإرضاء له؛ لأنّ الإرضاء فى قوله:

فمن كان يرضى اللؤم والكفر ملكه

مسند إلى الملك، كما ترى، فوجب أن يكون الإرضاء الثانى كذلك، فوجّه الإشارة إليه؛ لأنّ قوله: «ملكه» قد دلّ عليه، كما توجّهت الإشارة إلى الصّبر، فى قوله الله تعالى جدّه: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ لدلالة ﴿صَبَرَ﴾ عليه، وكما عاد الضمير فى «به» إلى «الملك» فى قول القطامىّ:

/هم الملوك وأبناء الملوك لهموالآخذون به والسّاسة الأول

وكانت المقابلة تقتضى أن يقول: يرضى المكارم والإيمان، ليقابل بالإيمان الكفر، كما قابل بالمكارم اللّؤم، ولكنّه لمّا اضطرّه الوزن والقافية إلى وضع لفظة

«الرّبّ» فى موضع الإيمان، كان ذلك فى غاية الحسن؛ لأن المراد في الحقيقة إرضاء أهل اللؤم وأهل الكفر، وكذلك إرضاء الإيمان إنما يراد به إرضاء أهله، وإرضاء أهله تابع لإرضاء الله جلّت عظمته.

وقوله:

وخصر تثبت الأبصار فيهكأنّ عليه من حدق نطاقا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيدري الربع أي دم أراقا»

أى الأبصار تثبت فى خصرها استحسانا له، وتكثر عليه من جوانبه حتّى تصير كالنّطاق، وهذا منقول من قول بشّار بن برد:

ومكلّلات بالعيون طرقننا ورجعن ملسا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ومكللات بالعيوب»

أراد أنهنّ لحسنهنّ تعلو الأبصار إلى وجوههنّ ورءوسهنّ، حتى كأنّ لهنّ من العيون أكاليل، فنقل أبو الطيّب المعنى من الأعالى والأكاليل، إلى الخصر والنّطاق، وكشف السرىّ الموصلىّ عن هذا المعنى فى قوله:

أحاطت عيون العاشقين بخصرهفهنّ له دون النّطاق نطاق
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «ألست ترى ركب الغمام يساق»

وله وقد وصف سيفا، ثم قال فى وصف يد منتضية:

ومحلّ قائمه يسيل مواهبالو كنّ سيلا ما وجدن مسيلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

قال يحيى بن عليّ التّبريزيّ: «مواهبا» منصوبة؛ لأنها مفعول.

فقلت: لا يجوز أن تكون مفعولا؛ لأنّ «يسيل» لا يتعدّى إلى مفعول به، بدلالة أنه لا ينصب المعرفة، تقول: سال الوادى رجالا، ولا تقول: سال الوادى الرجال، وسالت الطّرق خيلا، ولا تقول: سالت الطرق الخيل، فلما لزمه نصب النكرة خاصّة، والمفعول يكون معرفة ويكون نكرة، والمميّز لا يكون إلا نكرة، ثبت أن قوله: «مواهبا» /مميّز، ويوضّح هذا لك أنك إذا أدخلت همزة النّقل على «سال» تعدّى إلى مفعول واحد، تقول: أسال الوادى الماء المعين، فلو كان قبل النّقل بالهمزة يتعدّى إلى مفعول لتعدّى بعد النّقل إلى مفعولين.

فإن قيل: إنّ المميّز من شأنه أن يكون واحدا.

قلنا: لعمرى إنّ هذا هو الأغلب، وقد يكون جمعا، كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً﴾، وكقوله: ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً﴾.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من المجلس السادس والسبعون الكلام فى قول الله ﷿: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ. وَوَضَعْنا﴾

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.