تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

وقال المتنبّى فى وصف أسد

ما قوبلت عيناه إلاّ ظنّتاتحت الدّجى نار الفريق حلولا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

نصب «حلولا» على الحال، والظاهر أنه حال من «الفريق» والحال من المضاف إليه قليل مستضعف، وإن كان قد جاء فى الشعر القديم، كقول تأبّط شرّا:

سلبت سلاحى بائسا وشتمتنىفيا خير مسلوب ويا شرّ سالب
للشاعر تأبط شراً، من قصيدة «أغرك مني يا ابن فعلة علتي»

وكقول الجعديّ فى وصف فرس:

كأنّ حواميه مدبراخضبن وإن كان لم يخضب

وقال أبو عليّ فى المسائل الشّيرازيّات: قد جاء الحال من المضاف إليه، فى نحو ما أنشده أبو زيد:

عوذ وبهثة حاشدون عليهمحلق الحديد مضاعفا يتلهّب

انتهى كلامه.

/والوجه فى هذا البيت فيما أراه: أن «مضاعفا» حال من «الحلق» لا من «الحديد»؛ لأمرين، أحدهما: أنه إذا أمكن مجىء الحال من المضاف كان أولى

من مجيئها من المضاف إليه، ولا مانع فى البيت من كون «مضاعفا» حالا من «الحلق»؛ لأننا نقول: حلق محكم ومحكمة.

والآخر: أنّ وصف «الحلق» بالمضاعف أشبه، كما قال:

يخببن بالحلق المضاعف والقنا

ويجوز أن تجعل «مضاعفا» حالا من المضمر فى «يتلهّب» و «يتلهّب» فى موضع الحال من «الحلق»، فكأنه قال: عليهم حلق الحديد يتلهّب مضاعفا.

وذكر أبو عليّ فى المسائل الشّيرازيات، فى قول أبى الصّلت الثّقفىّ:

اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقافى رأس غمدان دارا منك محلالا

أنّ «دارا» يجوز أن تكون حالا من المضاف، ويجوز أن تكون حالا من المضاف إليه، فإن جعلتها حالا من «الرأس» أعملت فيها «مرتفقا» وإن شئت أعملت فيها «اشرب» وإن جعلتها حالا من «غمدان» أعملت فيها ما فى الكلام من معنى الفعل. قال: ألا ترى أنه لا تخلو الإضافة فى الأمر العامّ من أن تكون بمعنى اللام أو بمعنى من، يعنى أنك تعمل فى الحال ما تتضمّنه الإضافة من معنى الاستقرار أو الكون، وإنما قال: فى الأمر العامّ، لخروج باب الحسن الوجه، من التقديرين؛ من حيث لا يصحّ: الحسن للوجه، ولا الحسن من الوجه.

والحال فى قول الجعديّ: «كأنّ حواميه مدبرا» أقرب إلى الصواب من قول تأبّط: «سلبت سلاحى بائسا» لأن الحوامى ما عن أيمان حوافره وشمائلها، فهى بعض المضاف إليه، وليس السلاح بعض ما أضيف إليه.

فإن قيل: قد جاءت الحال من المضاف إليه فى القرآن، فى قوله ﷿:

﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً﴾.

فالقول عندى أن الوجه أن تجعل ﴿حَنِيفاً﴾ حالا من الملّة/وإن خالفها بالتذكير؛ لأن الملّة بمعنى الدّين، فجاءت الحال على المعنى؛ ألا ترى أن الملّة قد أبدلت من الدّين فى قوله: ﴿دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً﴾. وقوله هاهنا:

﴿يُظْلَمُونَ﴾ يحتمل ان يكون وصفا لقوله: ﴿حَنِيفاً﴾ ويحتمل أن يكون بدلا من الملّة، ويحتمل أن يكون حالا من ﴿إِبْراهِيمَ﴾ والعامل فيه ما فى الكلام من معنى الفعل، على ما قرّره أبو عليّ.

والصواب أن تجعل «حلولا» حالا من المضمر فى «الفريق» لأن الفريق الجماعة التى تفارق عشيرتها أو غيرهم من الناس.

وقال أبو عليّ فى مجىء الاسم حالا فى قول أبى الصّلت: «دارا منك محلالا»: إنّ مجىء الاسم حالا كثير، فمنه فى التنزيل: ﴿هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً﴾.

ومنه قولهم: هذا بسرا أطيب منه رطبا، وقولهم: «العجب من برّ مررنا به قفيزا بدرهم»، وقولهم: مررت بزيد رجلا صالحا. قال: وهذا من طريق القياس بيّن أيضا؛ لأنّ الحال إنما هى زيادة فى الخبر، فكما أنّ الخبر يكون تارة اسما وتارة وصفا، كذلك الزيادة عليه.

وأما انتصاب الملّة، فى قوله: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ﴾ فبفعل مقدّر، دلّ عليه ما قبله؛ لأنّ قوله: ﴿وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى﴾ يدلّ على: اتّبعوا اليهوديّة أو النّصرانيّة، فنصب ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ﴾ بتقدير: بل نتّبع ملّة إبراهيم.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من المجلس السادس والسبعون الكلام فى قول الله ﷿: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ. وَوَضَعْنا﴾

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.