تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

سئلت عن قول أبى الطّيّب

وما الخيل إلاّ كالصّديق قليلةوإن كثرت فى عين من لا يجرّب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

فقلت: هذا البيت مضمّن تشبيه قلّة الخيل بقلّة الصّديق، وإن كانت الخيل فى مرآة العين كثيرة، والأصدقاء كذلك، كثير عددهم، إلاّ أنّهم عند التحصيل والتحقيق قليلون؛ لأنّ الصّديق الذى يركن صديقه إليه، ويعتمد فى الشّدائد عليه قليل جدّا، وكذلك الخيل التى تلحق فرسانها بالطّلبات وتنجيهم من الغمرات قليلة، ومن لم يجرّب الخيل ويعرفها حقّ معرفتها يراها فى الدنيا كثيرة، وكذلك من لم يجرّب الأصدقاء ويختبرهم عند شدّته يراهم كثيرين.

والذى أراد الشاعر أنّ الخيل الأصيلة المجرّبة قليلة، كما أنّ الصديق الصادق فى مودّته الذى يصلح لصديقه فى شدّته قليل.

قوله فى قصيدته التى أولها:

فى الخدّ أن عزم الخليط رحيلا

لو كان ما تعطيهم من قبل أنتعطيهم لم يعرفوا التّأميلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

فى معناه وإعرابه إشكال.

وأقول: إنّ خبر «كان» ومفعول «تعطيهم» الثانى محذوفان، وتقدير خبر كان: لهم، وكذلك العائد إلى الموصول من «تعطيهم» الأول محذوف، فالمعنى

والتقدير: /لو كان لهم الذى تعطيهموه من قبل أن تعطيهم إيّاه لم يعرفوا التأميل؛ لأنّ ذلك كان يغنيهم عن التأميل، وقد كشف أبو نصر بن نباتة هذا المعنى، وجاء به فى أحسن لفظ فى قوله:

لم يبق جودك لى شيئا أؤمّلهتركتنى أصحب الدّنيا بلا أمل
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «قالت وفي صدر نار القلب منزلها»

ومثله لأبى الفرج الببّغاء.

لم يبق جودك لى شيئا أؤمّلهدهرى لأنّك قد أفنيت آمالى

وكان أبو الفرج وابن نباتة متعاصرين، فلست أعلم أيّهما أخذ من صاحبه.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.