تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

قول أبى الطيّب فى سيف الدّولة

إذا نحن سمّيناك خلنا سيوفنامن التّيه فى أغمادها تتبسّم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

/معدود فى أبياته النادرة، وقد عاب بعض نقّاد الشّعر قوله:

من التّيه فى أغمادها تتبسّم

وقال: أخطأ فى هذا، ووضع الشىء فى غير موضعه، وعند من لا ينقد الشعر حقّ نقده، ولا يلطف فكره للغوامض أنّ هذا البيت أحسن بيت له، ووجه الأخطاء أنه قال: تتبسّم من التّيه، وإنما يكون من التّيه العبوس، وأن يشمخ الإنسان بأنفه، كذلك يكون التائه المتكبّر، وإنما يكون التبسّم من المرح والفرح. انتهى كلامه.

وأقول: إنّ التبسّم قد يكون من المعجب بنفسه، التائه على أضرابه؛ استكثارا لما عنده، واستقلالا لما عندهم، فليس ينكر أن يكون التبسّم من الإعجاب، فكأنّ السّيوف تبسّمت إعجابا بأنفسها، لمشاركة الممدوح لها فى التسمية، فحقرت بذلك الرّماح وغيرها من السّلاح.

وأقول في بيت آخر [له] وهو قوله:

فيوما بخيل تطرد الرّوم عنهمويوما بجود تطرد الفقر والجدبا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أنشد أبو زكريا يحيى بن علىّ التّبريزيّ: «بجود يطرد» بالياء، وقال: التاء فى «تطرد» للخيل، والياء فى «يطرد» الثانى للجود.

والصواب عندى إنشاد الثانى بالتاء كالأول، وتكون التاءان لخطاب الممدوح؛ لأمرين: أحدهما: أن خطابه قد جاء قبل هذا البيت وبعده، فمجيئه قبله فى قوله:

هنيئا لأهل الثّغر رأيك فيهموأنّك حزب الله صرت لهم حزبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»
وأنّك رعت الدّهر فيها وريبهفإن شكّ فليحدث بساحتها خطبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

ومجيئه بعده فى قوله:

سراياك تترى والدّمستق هاربوأصحابه قتلى وأمواله نهبى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

والأمر الآخر: أنك إذا جعلت التاءين للخطاب علّقت الجارّين بالفعلين /اللّذين بعدهما، ولم تحتج إلى تقدير ما تعلّقهما به، فكأنك قلت: فيوما تطرد الرّوم عنهم بخيل، ويوما تطرد الفقر عنهم بجود، وإذا جعلت «تطرد» للخيل، و «يطرد» للجود كان الفعلان وصفين لخيل وجود، أى فيوما بخيل طاردة عنهم الروم، ويوما بجود طارد عنهم الفقر، فلا بدّ من تقدير ما يتعلّق به الباءان على هذا القول، فكأنك قلت: فيوما تحوطهم بخيل تطرد الروم عنهم، ويوما تنعشهم بجود يطرد الفقر عنهم، فالذى ذهبت إليه هو الصحيح الذى لا يخفى إلاّ على موغل فى التقصير.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.