تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

وسئلت عن قوله

كتمت حبّك حتّى منك تكرمةثم استوى فيك إسرارى وإعلانى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كتمت حبك حتى منك تكرمة»
كأنه زاد حتى فاض عن جسدىفصار سقمى به فى جسم كتمانى
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

فأجبت بأنه أراد: بالغت فى كتمانى حبّك، حتى أنّى كتمته منك تكرمة لك.

ويجوز أن يكون المعنى: إكراما للحبّ وإعظاما له، حتى لا يطّلع عليه، ثم

إنّ إسرارى وإعلانى تساويا، وسبب مساواة الإعلان للإسرار أن الحبّ أسقمه، فذلّ نحول جسمه على الحبّ، ثم قال: كأنه زاد حتى فاض عن جسدى، فشبّه حبّه بأحد الأشياء المائعات، فوصفه بالفيض، ثم قال: فصار سقمى به فى جسم كتمانى، أى لمّا أفرط الحبّ فى الزّيادة فصار كالشيء الفائض تعدّى سقمى به إلى جسم كتمانى، فأذابه وأضعفه، فلما ضعف الكتمان ظهر الحبّ؛ لضعف مخفيه.

مخفيه.

وقال أبو الفتح عثمان بن جنّى فى تفسير البيت الثانى: كأنه، أى كأنّ/ الكتمان، فأضمره وإن لم يجر ذكره، لأنه لمّا قال: كتمت، دلّ على الكتمان.

قال: وما علمت أن أحدا ذكر استتار سقمه وأنّ الكتمان أخفاه، غير هذا الرجل، وهو من بدائعه.

وفى هذا القول اختلال فى الإعراب، وفساد فى المعنى، وتناقض فى اللفظ لو كان الشاعر أراده، وذلك أنه إذا أعدنا الهاء من «كأنه» إلى الكتمان كما زعم، وجب إعادة الضمائر التى بعدها إلى الكتمان أيضا، فصار التقدير: كأن/الكتمان زاد حتى فاض، فصار سقمى به، أى بالكتمان فى جسم كتمانى، ففى هذا من اختلال الإعراب ما ترى، وفيه أنه جعل الكتمان هو الذى أسقمه، والصحيح أن الحبّ هو المسقم له، ثم إن قوله: ذكر استتار سقمه وأنّ الكتمان أخفاه، متناقض؛ لمساواة إعلانه لإسراره، فى قوله:

ثم استوى فيك إسرارى وإعلانى

المجلس الرابع والسبعون

ذكر ما جاء فى الذى والتى و [فى] تثنيتهما وجمعهما من اللّغات

اختلف النحويّون فى أصل «الذى»، فقال البصريّون: أصله لذ، بوزن شج وعم، وقال بعضهم: إنّ الألف واللام دخلتا عليه للتعريف، وقال آخرون، وهو الصحيح: بل دخلتا زائدتين لتحسين اللفظ، ولوصف الذى بما فيه الألف واللام، كقولك: مررت بالذى أكرمته الظريف، وجاءنى الذى عندك الطويل، ولم يفعلوا هذا فى «من» إذا كانت موصولة، لم يقولوا: مررت بمن أكرمته الظريف، قالوا: وإنّما تعرّف «الذى» بصلته كما تعرّف «من» و «ما» بصلتهما، وكما تعرّف «ذو» فى قول الشاعر:

لأنتحين للعظم ذو أنا عارقه

أى الذى أنا عارقه، بصلته.

وقال الفرّاء: أصل الذى: ذا، المشار به إلى الحاضر، أرادوا نقله من الحضرة إلى الغيبة، فأدخلوا عليه الألف واللام للتعريف، وحطّوا ألفه إلى الياء،

للفرق بين الإشارة إلى الحاضر والغائب، وهذا قول ظاهر الفساد، وهو من دعاوى الكوفيّين، فمن فساده أنّ «ذا» معرفة بما فيه من الإشارة، فلا حاجة به إلى التعريف بالألف واللام، ثم قوله: «حطّوا ألفه إلى الياء، للفرق بين الإشارة إلى الحاضر والغائب» فاسد أيضا؛ لأنّنا لسنا نجد فى «الذى» إشارة إلى غائب، كما نجد فى «ذلك» وفى «تلك وذانك وأولئك» إشارة إلى غائب، وأقوى وجوه فساده أنه إذا كان أصل «الذى» ذا، بزعمه، فما وجه هذه/اللام المدغمة فيها لام التعريف؟ فقد وضح لك بما ذكرته أن أصل الذى والتى: لذ ولت، كما قال البصريّون.

وأمّا اللّغات فيها، فأوّلها الّذى، وهى اللغة العليا. والثانية: الّذ، بحذف الياء وإبقاء الكسرة، قال الشاعر:

والّذ لو شاء لكانت برّاأو جبلا أصمّ مشمخرّا

والثالثة: اللّذّ، بإسكان الذال، قال:

فظلت فى شرّ من اللّذّ كيداكاللّذ تزبّى زبية فاصطيدا

الزّبية: حفيرة يستتر فيها الرجل للصيّد.

والرابعة: الّذىّ، بتشديد الياء، قال:

وليس المال فاعلمه بمالوإن أغناك إلاّ للّذىّ
يريد به العلاء ويصطفيهلأقرب أقربيه وللقصبىّ

والخامسة: استعمالهم «ذا» بمعنى «الذى»، وذلك إذا أوقعوه بعد «ما» الاستفهامية، كقولك: ماذا صنعت؟ وماذا معك؟ تريد: ما الذى صنعت؟ وما الذى معك؟ هذا مذهب سيبويه، وفاقا للكوفيين، ومنه فى الشّعر قول لبيد:

ألا تسألان المرء ماذا يحاولأنحب فيقضى أم ضلال وباطل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «ألا تسألان المرء ماذا يحاول»

ومثله فى التنزيل: ﴿ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ قال: معناه: ما الذى أنزل ربّكم؟

والسادسة: أنّ منهم من يقيم مقام الذى: ذو، ومقام التى: ذات، وهى لغة طيّىء، يقولون: زيد ذو قام، وهند ذات قامت، بمعنى التى قامت، قال:

فإنّ بيت تميم ذو سمعت بهفيه تنمّت وأرست عزّها مضر

و «ذو» موحّدة على كلّ حال، فى التثنية والجمع، وكذلك «ذات»، موحّدة مضمومة في كلّ حال، قال الفراء: سمعت بعضهم يقول: «بالفضل ذو فضّلكم الله به، /وبالكرامة ذات أكرمكم الله بها».

ومنهم من يجعل ذو بمعنى الذى والتى، فيقول: هذه هند ذو سمعت بها، ومررت بهند ذو سمعت بها، ورأيت أخويك ذو مررت بهما، ومررت بالقوم ذو سمعت بهم، كما جعلوا «من» للذكر والأنثى وللاثنين والجميع، قال سنان بن الفحل الطائىّ:

فإنّ الماء ماء أبى وجدّىوبئرى ذو حفرت وذو طويت

قال بعض النّحويّين: وربّما ثنّوا وجمعوا، فقالوا: هذان ذوا تعرف، وهؤلاء ذوو تعرف، وهاتان ذواتا تعرف، وهؤلاء ذوات تعرف، ويضمّون التاء على كلّ حال، قال الفرّاء: أنشدنى بعضهم:

جمعتها من إبل موارقذوات ينهضن بغير سائق

موارق، من قولهم: مرق السّهم: إذا نفذ.

فإن ثنّيت الذى، ففيه ثلاث لغات: اللّذان بتخفيف النون، واللّذانّ بتشديدها، والتشديد لغة قريش، واللّذا بحذف النون، قال الأخطل:

أبني كليب إنّ عمّيّ اللّذاقتلا الملوك وفكّكا الأغلالا
للشاعر الأخطل، من قصيدة «كذبتك عينك أم رأيت بواسط»

هذا قول الكوفيّين، وقال البصريّون: إنما حذف النون لطول الاسم بالصّلة،

وقد قرئ ﴿وَالَّذانِ يَأْتِيانِها﴾ بتخفيف النون وتشديدها، فمن شدّد جعل التشديد عوضا من ياء الذى، وكذلك من قرأ ﴿فَذانِكَ﴾ و ﴿هاتَيْنِ﴾ و ﴿هذانِ﴾ بالتشديد، جعله عوضا من الحرف المحذوف فى التثنية، وإنما حذفوا ياء الذى، فلم يقولوا: الّذيان، وقالوا فى الشّجى ونحوه: الشّجيان، للفرق بين المعرب وغير المعرب، وكذلك حذفوا ألف «ذا» فقالوا: ذان، وقلبوا ألف المعرب، فقالوا عصوان؛ لما ذكرنا من الفرق.

وزعم الفراء أن ألف ذان، هى ألف ذا، قال: لأنه لا يجوز أن يبقى الاسم غير/المضمر على حرف. والدليل على أنها ألف التثنية انقلابها فى الجرّ والنّصب، وإنما جاز أن يبقى الاسم على حرف؛ لأنّه تكثّر بألف التثنية ونونها.

وفى جمع «الذى» لغات، أوجهها قول من قالوا: الّذين، فى الأحوال الثلاث، هى اللغة العليا، لأنّ القرآن نزل بها، ومنهم من يقول فى الرفع: الّذون، وهى لغة هذيل، وعلى هذا أنشد من سمعهم ينشدون هذا البيت:

وبنو نويجية الّذون كأنّهممعط مخدّمة من الخزّان

الخزّان: جمع الخزز، وهو ذكر الأرانب.

والمعط: جمع الأمعط، وهو الذى سقط شعره.

والمخدّم: الأبيض الأطراف.

ومنهم من يأتى بالجمع بلفظ الواحد، كما قال:

وإنّ الذى حانت بفلج دماؤهمهم القوم كلّ القوم يا أمّ خالد
للشاعر الأشهب بن رميلة، اقرأ القصيدة

وقيل فى قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ إنه بهذه اللغة، وكذلك قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اِسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ قيل: إنّ المعنى: كمثل الّذين استوقدوا، فلذلك قيل: ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ فحمل أوّل الكلام على لفظ الواحد، وآخره على الجمع. وأمّا قوله ﷿: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا﴾ فإنّ «الذى» هاهنا وصف لمصدر محذوف، تقديره: وخضتم كالخوض الذى خاضوه.

ومنهم من قال فى جمع الذى: الألى، وهذه اللغة تلى الّذين فى الفصاحة، قال القطامىّ.

أليسوا بالألى قسطوا جميعاعلى النّعمان وابتدروا السّطاعا

قسطوا: جاروا، ونقيضه: أقسطوا: عدلوا، قال الله تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، وقال: ﴿وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾.

والسّطاع: عمود الخيمة.

وقال عبيد بن الأبرص:

/نحن الألى فاجمع جموعك ثمّ وجّههم إلينا

أراد نحن الألى عرفتهم، فحذف الصّلة، وهو من الضّرورات البعيدة.

ومنهم من يقول فى الرفع: هم اللاّءون فعلوا كذا، واللاّءين، فى الجرّ والنصب، قال الهذلىّ:

هم اللاّءون فكّوا الغلّ عنّىبمرو الشاهجان وهم جناحى

ومنهم من يقول: اللاءو، بحذف النون، قال الكسائىّ: سمعت هذيل تقول: هم اللاءو فعلوا كذا وكذا.

ومنهم من يقول: هم اللائى فعلوا، بالياء فى الأحوال الثلاث، قال الفرّاء:

وهذه اللغة سواء فى الرجال والنساء، ومنهم من يحذف الياء فى الرجال والنساء، فيقول: هم اللاء فعلوا، وهنّ اللاء فعلن، قال: وأنشدنى رجل من بنى سليم:

فما آباؤنا بأمنّ منهعلينا اللاّء قد مهدوا الحجورا

وأما الّتى ففيها أربع لغات: هذه أعلاها.

والثانية: الّت، بحذف الياء وإبقاء الكسرة.

والثالثة: الّت، بإسكان التاء، أنشد الفرّاء:

فقل للّت تلومك إنّ نفسىأراها لا تعوّذ بالتّميم

التّميم: جمع تميمة، وهي التّعويذ.

والرابعة: أنّ منهم من يقيم مقام التى: ذات، كما أنّ منهم من يقيم مقام الذى: ذو، وهى لغة طيئ، وقد تقدّم ذكرها.

وذكر أبو القاسم الثمانينيّ لغة خامسة، وهى التيّ، بتشديد الياء، كما قالوا فى المذكّر: الذىّ.

وفى تثنية «التى» ثلاث لغات: اللّتان، بتخفيف النون، واللّتانّ بتشديدها، واللّتا، بحذفها، أنشد الفرّاء:

هما اللّتا لو ولدت تميملقيل فخر لهم صميم

وفى جمعها لغات، أحدها: اللاّتى، وفى التنزيل: ﴿وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ/مِنْ نِسائِكُمْ﴾.

والثانية: اللاّت، بحذف الياء وإبقاء الكسرة، قال الأسود بن يعفر:

اللاّت كالبيض لمّا تعد أن درستصفر الأنامل من قرع القواقيز

شبّه النّساء بالبيض، كما جاء فى التنزيل: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾.

ومعنى «درست»: حاضت.

والأنامل: أطراف الأصابع.

والقواقيز: الأقداح التى يشرب بها الخمر وغيرها من الأشربة، واحدها:

قاقوزة وقازوزة، وهو القدح الضّيّق الأسفل.

واللغة الثالثة: اللاّئى، بالهمزة وإثبات الياء.

والرابعة: اللاّء، بكسر الهمزة وحذف الياء، وقد قرئ: ﴿وَاللاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ﴾ بهاتين اللّغتين، وقال الشاعر:

من اللاّء لم يحججن يبغين حسبةولكن ليقتلن البريء المغفّلا
للشاعر العرجي، من قصيدة «رأتني خضيب الرأس شمرت مئزري»

وقد قرأ بعض القرّاء بتخفيف الهمزة من اللاّء، وقياسها أن تجعل بين بين.

والخامسة: اللاّ، بحذف الهمزة، قال الكميت:

وكانت من اللاّ لا يعيّرها ابنهاإذا ما الغلام الأحمق الأمّ عيرا

وقال آخر:

فدومى على العهد الذى كان بينناأم أنت من اللاّ ما لهنّ عهود

فإن جمعت الجمع، قلت فى اللاتى: اللّواتى، وفى اللاء: اللّوائى، وقد روى عنهم: اللّوات، بحذف الياء وإبقاء الكسرة.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من المجلس الثالث والسبعون ذكر أقسام أيّ

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.