من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
مجبر بن محمد بن مجبر الصقلي
ذكره القاضي الفاضل، وقرظه بالفضائل، وهو صقلي النجار، مصري الدار، وهو قريب العصر، توفي قبل الأربعين والخمسمائة. قال ابن الزبير ينقل إلى المصريين بحكم أن نشوءه واشتهاره بمصر، غزير موارد الفكرة، واري زناد القريحة؛ نقلت من مجموع ابن الزبير قوله من قصيدة:
أَتُرَى يُفيقُ من الصبابة عاشقٌقَذَفَتْ به الأهواءُ في الأهوالِ
مُغْرىً بحبِّ الغانياتِ هَفَتْ بههِيفُ الخصورِ ورُجَّحُ الأَكْفَالِ
غُرِسَ القضيبُ على الكثيبِ بقدِّهافأَتَتْ بميَّادٍ على مُنْهال
تَتَرَدَّدُ الأبصارُ فيها حيرةًفي الحُسْنِ بين الخالِ والخلخال
غَرَّاءُ غَرَّتْها الشبيبةُ فاكتَسَتْتيهَ الدلالِ وعِزَّةَ الإدْلال
ممكورةٌ مَكَرَتْ بقلبي والهوىيستضعفُ المحتالَ للمختال
حَلَّتْ مواشيَّ الوفاءِ وحَلَّلَتْفي الحبِّ قتلي وهو غيرُ حَلال
قالوا تَسَلَّ وبئس ما أَمَرُوا بهبؤسُ المحبِّ ولا نعيمُ السَّالي
قلبي من الأجواد إلاّ أَنَّهُفي الحبِّ معدودٌ من البُخَّال
سُقِيَتْ ليالينا برامةَ، والهوىحُلْوٌ، وأيامُ الشبابِ حَوَالي
ولِجِدّةِ العشرين عندي ثَرْوَةٌتُغني هُنَيْدَةَ عن هُنَيْدَةِ مالي
ومنها:
غيثٌ من الإحسانِ ما ينفكُّ مِنْمَعْروفِهِ في وابلٍ هَطَّالِ
وسحابُ جودٍ كلما ضنَّ الحَيَابالماءِ جادَتْ كفُّهُ بالمال
نادَى بحيَّ على النَّدَى فأَجابَهُبالحمد كلُّ مُخَالفٍ ومُوَال
وأَقَرَّ معترِفاً بثابتِ فضلهِمن لا يُقِرُّ بمُبْدِعِ الأشكال
وله في أبي عبد الله ابن مسلم الكاتب، وكان يجري له خمسة دنانير في كل شهرٍ على تظم السيرة المصرية فسأل أن يجري له شيءٌ على الشعر، فزيد نصف دينار:
جَرَى الحديثُ فقالوا: كلُّ ذي أَدَبٍأَضحَتْ له خمسةٌ تَجْرِي بمقدار
بأيِّ فضلٍ حواه ابن المُسَلَّمِ مندون الجماعة حتى زِيدَ في الجاري
أَجْرَوْا له خمسةً عن حقِّ سيرتهفقالَ لا تَنْقصوني حقَّ أشعاري
نادَوْا عليه، وسعرُ الشِّعْرِ نافقةٌفلم يَزِدْ قَدْرُها عن نصفِ دينار
وله من قصيدة أولها:
بأيِّ لسانٍ عن معاليكَ أُعْرِبُوفي كلِّ إحسانٍ معانيكَ تُغْرِبُ
ومنها:
هَصُورٌ له السَّرْدُ المُضاعَفُ لِبْدَةٌلَدَى الحرب، والعَضْبلُ اليمانيُّ مِخْلَبُ
ومنها يصف خيمة الفرج:
وبيضِ خيامٍ يهتدي الركبُ في الدُّجىبها حين تَخْفَى النيِّراتُ وتُحْجَبُ
تبوَّأْتَ منها خيمةَ الفَرَجِ التيلراجيك فألٌ في اسمها لا يُكَذَّبُ
فتاهَ على إِيوانِ كسْرى وتاجِهِرواقٌ لها في ظلِّ مُلْكِكَ يُضْرَبُ
عَلا وعَلَتْ فاستوفتِ الجوَّ هالةًبها منك بدرٌ بالبهاءِ محجَّب
يكادُ من الإحكام صافِنُ خَيْلهايجولُ وساجي وَحْشِها يَتوثَّبُ
ويومٍ كيومِ الجِسْرِ هَوْلاً وشدّةًيُرَى الطفلُ فيه خيفةً وهو أَشْيَبُ
سَفَرْتَ به عن وجهِ جَذْلان ضاحكٍوللشمسِ وجْهٌ بالعَجاجِ مُنَقَّب
وأَسمرَ عسَّالِ الأنابيبِ قد سَطَاعلى الأُسْدِ منه في يمينك ثَعْلَبُ
أخُو الصِّلِّ شِبْهاً ما لَهُ الدهرَ مُذْ نَأَىعن التُّرْبِ إلا في التَّرَائب مَشْرَبُ
وله
امْلأْ كؤوسَكَ بالمُدَأمِ وهاتهاإنَّ الهوى للنفسِ من لَذّاتِها
اصْرِفْ عن المشتاقِ صِرْفَ مُدامةٍرَشْفُ الرُّضابِ أَلَذُّ من رَشَفاتِها
وأحلَّ أَشْربَتي وأَحلاها التيأَمْسَتْ ثغورُ البِيض من كاساتها
ومريضةِ الأجفانِ سامَتْ في الهوىقتلي، فهانَ عليَّ في مرضاتها
ما زلتُ أصْفح في القِلَى عن جُرْمِهاوأَغُضُّ في الإعراضِ عن هَفَواتِها
حتى توهَّمتُ الصدودَ زيادةًفي حُسْنِها عندي وفي حَسَناتِها
ومنها:
ما خلتُ أَنَّ النفسَ يَنْكُدُ عَيْشُهَاحتى يكونَ الموتُ من شَهَواتها
أَسْتودعُ الله القِبابَ وأوجهاًفيهنَّ كالأقمارِ في هالاتها
والوردُ يحسدُ نرجساً وبنفسجاًفي شُهْلِ أعينها ولُعْسِ لِثاتها
تلكَ الرياضُ اللاءِ ما بَرِحَتْ يَديتَجْنِي ثمارَ الوَصْلِ من وَجَناتِها
ولربَّ قافيةٍ شرودٍ شَرَّدَتْنومي فبتُّ أجوُّ في أَبيانها
حتى وردتُ من التأسُّفِ بعدهاناراً دموعي الحُمْرُ من جمراتها
مازلتُ أَنْظِمُ طيبَ ذكركَ عنبراًأَرِجاً خلالَ الدُّرِّ من كلماتها
حتى إذا نَشَرَ الصباحُ رداءَهُعن مِثْلِ نَفْحِ المِسْكِ من نَفَحَاتها
وتَمَثَّلَتْ عِقْداً تَوَدُّ كواكبُالجوزاءِ عُقْدَتُهُ على لَبَّاتِها
أَعْدَدْتُها للقاءِ مَجْدكَ سُبْحَةًأَدعو بها لأنالَ من بَرَكَاتها
ومدائحُ الكُرَماءِ خيرُ وسيلةٍشُفِعَتْ بها الآمال في حاجاتها
وأحقُّها بالنُّجْحِ مَدْحُكَ إِنَّهُللنفس عند الله من قُرُبَاتِها
فاليومَ أَنْثُرُها جواهرَ حكمةٍعَقُمَتْ بحارُ الشعر عن أَخَواتِها
فالبسْ بها حُلَلَ الثناءِ فإنهاحُلَلٌ تروقُ عُلاكَ في بَدِنَاتِها
وافسحْ لنا في لَثْمِ بُسْطِكَ إن أَبَتْيُمْناكَ إِلا شُغْلَهَا بهِباتها
قَسَماً بمن قَسَمَ الحظوظَ فنلتَأَفْضَلها ونالَ الناسُ من فَضَلاتها
وَبَنَى العُلاَ رتباً فكنتَ بفضلهأَوْلى من استولى على غاياتها
لولا وُجُودُكَ في الزمانِ وَجُودُكَالمُحْيي المكارمِ بَعْدَ بُعْدِ وَفَاتِها
لم يُعْرَفِ المعروفُ في الدنيا ولوطُفْنَا عليهِ في جميع جِهاتها
وله أول قصيدة:
أَترى السحابَ الجَوْنَ بات مَشُوقَايبكي النَّوَى ويعاتبُ التفريقا
فالبرقُ يلمعُ في حشاهُ كأنَّهُقلبُ المحبِّ تلهُّباً وخُفُوقا
وله
أرأيت برقاً بالأَبارقِ قد بَدَافي أُفْقِهِ مُتَبَسِّماً مُتَوَقِّدا
كيف اكتسى ثوبَ السحابِ مُمسَّكاًوأَحَالَه شَفَف الرِّداءِ مُوَرَّدَا
وكأنَّما في الجوِّ كأْسٌ كُلَّمَافاتَتْ نميرَ البرق صاحَ وعَرْبَدَا
أو مُرْهَف كَشَفَتْ مداوسُ صَيْقَلٍعن مَتْنِهِ صَدَءاً لكي يُرْوِي الصَّدَى
كالحَبِّ أَوَ دِقِّ اللُّجَيْن يسيلُ منأُفُق أَحَالَتْهُ البوارقُ عَسْجَدَا
وكلؤلؤٍ للغيثِ يأخذُهُ الثَّرَىفيعيدهُ نَبْتاً يُخَالُ زَبَرْجَدا
هس مأخوذ من قول ابن أبي الخليل:
ومن العجائب أن أتى من نَسْجهوخيوطُهُ بيضٌ بساطٌ أَخْضَرُ
وله من قصيدة:
لولا الهوَى ما عَبَّرَتْ عَبَرَاتُهُعن وَجْدِهِوتصاعَدَتْ زَفَرَاتُهُ
فَرَقُ الفِراقِ أَطارَ حَبَّةَ قلبهفتقطَّعت بمُدَى النوى عَزَمَاته
من كانَ وَحْيُ الحبِّ بينَ ضلوعهنَزَلَتْ بفيضِ دموعِهِ آياته
لا تنكروا حُمْرَ الدموعِ فإنهجَمْرُ الأَسى وتَنَفُّسِي نَفَحَاتُه
وله من أخرى:
ذو صَلاةٍ موصولةٍ بِصِلاتٍليلُهُ عامرٌ بها ونهَارُهْ
سابقٌ في السماح كلَّ جوادٍللعُلاَ لا بحلبةٍ مضْماره
وله
طَرَقَتْنا غيرَ مُختفِيَهْغادةٌ بالحسْنِ مُرْتَدِيَهْ
وَوَشَى طيبُ النسيم بهاقَبْلَ أن تبدو، فقلتُ هِيَهْ
ثُمَّ لما أقْبََتْ طَلَعَتْمثلَ قَرْنِ الشمس مُعْتَلِيَهْ
يا لَقَوْمي من لواحظهاإنها بُرْئِي وعِلتِيَه
واصَلتْ ليلى ونَفَّرَهاأنْ رَأَتْ صُبْحاً بوَفْرَتِيَهْ
إنّ صُبْحَ الشَّيبِ أيقظنيمن كَرَى عيني وغَفْلَتِيَه
وحكى عني دُجىً سَفَهٌزُرْتُ فيه طَوْفَ حَوْبَتِيَه
وَنَهَتْني نُهْيَةٌ شَغَلَتْبالعُلا هَمِّي وهَمَِّتيِه
وقال:
لا تجلسنَّ ببابِ مَنْيَأْبَى عليكَ دُخولَ دارِهْ
وتقولُ حاجاتي إليهيَعُوقها إنْ لم أُدَارِهْ
واتْرُكْهُ واقصِدْ رَبَّهُتُقْضَى وربُّ الدارِ كارِهْ
وله
وأَهيفٍ للغُصْنِ أَعطافُهُواللظِّباءِ العِينِ عيناهُ
شمسُ الضحى غُرَّتُهُ والدجىطُرَّتُه والمسْك رَيَّاهُ
قد مَزَجَ الخمرة من ريقهببَرْدِ كافورِ ثناياهُ
ورقَّ ماءُ الحُسْنِ في خدهففتَّحَ الوردَ ونَدَّاهُ
وله
رعى الله رَيْعَانَ الصِّبَا وليالياًمَضَيْنَ بعهدٍ للشبابِ حميدِ
لياليَ أَغْشَى في ليالي ذوائبٍبدُورَ وُجوهٍ في غُصون قدود
وأشرَبُ خمراً من كؤوسِ مَرَاشِفٍوَقْطفُ ورداً من رياضِ خدود
ولولا هوَى غِزْلان رامةَ لم يكُنْيُرَى غَزَلي ذا رِقَّةٍ، ونشيدي
ولكنْ صحبْتُ الجهلَ كهلاً ويافعاًوطفلاً إِلى أن رَثَّ فيه جَديدي
فعلَّمني حُلْوَ العتابِ الذي بهأَذَبْتُ دموعَ الخَوْدِ بعد جمود
وله يمدح القائد أبا عبد الله الملقب بالمأمون:
ليس الفراقُ بمستطعِفدَعِيه من ذِكْرِ الوَدَاعِ
وعِديه ما يَحْيا بهمن طيبِ وَصْلٍ واجتماع
يا وَجْهَ مكتملِ البدورِ وقدَّ مُعْتَدِل اليرَاع
بجمالِ ما تحت الرّداءِ وحُسْنِ ما تحت القِناع
يا أُختَ يوسف إنّ قلبيفي هواك أَخُو الصُّوَاعِ
فلئن ظفرتُ به لديكوكنتِ سارقةَ المتاع
فلآخذنَّكِ من قبيلكأَخْذَ مِلْكٍ واقتطاع
يا نفسُ حَسْبُكِ لا تُهالِي بالخُطوب ولا تراعي
يكفيكِ أَنَّكِ في حِمَىمن ليس يَرْضى أَنْ تُضَاعي
وله يصف فوارة:
وفوّارة يستمدُّ السحابُ من فضلِ أخلافِها المُحْتَلَبْ
رَأَتْ حُمْرَةَ القيظِ مُحْمَرَّةًلها شَرَرٌ كرجومِ الشَّهُبْ
فظَلَّتْ بها الأرضُ تَسقى السماءَ خوفاً على الجوِّ أنْ يلتهب
أحسن ما قيل في الفوّارة قول البحتري:
وفوَّارةٍ ماؤها في السماءِفليست تُقَصِّرُ عن ثارِها
تردُّ على المُزْنِ ما أَسْبَلَتْعلى الأرضِ من فَيْضِ مِدْرَارِها
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع