من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
أبو علي حسن بن زيد بن إسماعيل الأنصاري
كان من المقدمين في ديوان المكاتبات بمصر. وصفه القاضي الفاضل وأثنى على فضله، وأنه في فنه لم يسمح الدهر بمثله، طرقه حادث الزمان الغائظ فأحفظ عليه حسناً ولد المنبوز بالحافظ، وتقلد حوبته، وضرب رقبته، وذلك بسبب ابن قادوس، عمل بيتين هجا بهما حسن بن الحافظ، ودسهما في رقاع هذا الأنصاري، ثم سعى به إلى المذكور فأخذ، فوجدا معه، وقتل.
وله قصيدة في مدح أفضهم يصف خيمة الفرج، يدل إحسانه فيها على أن بحره طامي اللجج، ودره نامي البهج، منها:
مَجْداً فقد قَصَّرَتْ عن شأْوِكَ الأمَمُوأَبدَتِ العجزَ منها هذه الهِمَمُ
أخيمةٌ ما نَصَبَتْ الآنَ أَمْ فَلَكٌويَقْظَةٌ ما نراهُ منك أَم حُلُمُ
ما كان يخطُرُ في الأفكارِ قبلك أَنْتَسْمُو علوّاً على أفْقِ السُّهَا الخِيَمُ
حتى أتيتَ بها شَمَّاءَ شاهقةًفي مارنِ الدهر من تيهٍ بها شَمَمُ
إنّ الدليلَ على تكوينها فَلَكاًأَنِ احتَوَتْكَ وأَنْتَ الناسُ كلهُمُ
يَمُدُّ مَنْ في بلادِ الصينِ ناظِرَهُحتى ليبصر عِلْماً أنَّها عَلَمُ
ترى الكِنَاسَ وآرامَ الظباءِ بهاأَضحَتْ تجاورها الآسادُ والأَجَلُ
والطيرُ قد لَزِمَتْ فيها مواضِعَهالما تحقَّقْن منها أنها حَرَمُ
لديكَ جيشٌ وجيشٌ في جوانبهامُصَوَّرٌ وكلا الجيشين مُزْدَحِم
إذا الصَّبَا حَرَّكَتْها ماجَ مَوْكِبُهافمُقْدِمٌ منهمُ فيها ومُنْهَزِم
أَخَيْلُها خَيْلُكَ اللاتي تُغِيرُ بهافليس تُنْزَعُ عنها الحُزْمُ واللُّجُم
عَلَّمْتَ أَبْطالَها أنْ يُقْدِموا أبداًفكلُّهُمء لغمار الحَرْبِ مُقْتَحِمُ
أَمَّنْتَهُمْ أَنْ يَخافوا سَطْوَةً لِرَدىًفقد تسالمتِ الأسيافُ والقِمَمُ
كأنها جَنَّةٌ فالقاطنون بهالا يستطيلُ على أعمارِهِمْ هَرَمُ
عَلَتْ فخلنا لها سِرّاً تُحَدِّثُهُللفَرْقَدَيْنِ وفي سَمْعَيْهِما صَمَمُ
إنْ أَنْبَتَتْ أَرْضُها زَهْراً فلا عجبٌوقد هَمَتْ فوْقَها في كَفِّكَ الدِّيَمُ
يا خيمةَ الفَرَجِ الميمونِ طائرُهاأصبحتِ فأْلاً بهِ تَسْتبشرُ الأمَمُ
ومنها:
ما قالَ لا قطُّ مذ شُدَّتْ تَمَائمُهُوكم له نَعَمٌ في طيِّها نِعَم
لو كنتَ شاهدَ شعري حين أنْظِمُهُإذَنْ رَأَيْتَ المعالي فيك تَخْتَصِمُ
أَزَرْتُكَ اليومَ من فكري مُحَبَّرَةًفي ناظر الشمسِ من لأْلاَئِهَا سَقَمُ
ترى النجومَ لِلَفْظِي فيكَ حاسدةًتودُّ لو أنَّهَا في المدح تنتظم
وله
منالُ الثُّرَيَّا دون ما أنا طالبُفلا لومَ إنْ عَاصَتْ عَلَيَّ المَطَالِبُ
وإني وإنْ لم يسمح الدهرُ بالمُنَىفلي في كَفالاتِ الرِّماحِ مآرِبُ
تُقَرِّبُ لِي مُسْتَبْعَدَاتِ مطالبيجِيَادي وعزمي والقَنَا والقواضبُ
فما أنا ممن يقبضُ العَجْزَ خَطْوَهُوَتَعْمَى عليه في البلاد المذاهب
إذا ما كساك الدهرُ ثوباً من الغِنَىفَعَجِّلْ بِلاَهُ فالليالي سوالبُ
وَلا تَغْتَرِرْ مِمَّنْ صَفَا لَكَ وُدُّهُفكم غَصَّ بالماء المُصَفَّقِ شاربُ
نلومُ على الغدرِ الزمانَ ضلالةًوقد سَنَّهُ أَحْبَابُنا والحبائبُ
وله
مغاني اللِّوى حَيّاكِ غادٍ من الوَبْلِوطَلَّتْ دموعُ الطَّلِّ فيكِ دمَ المَحْلِ
فلا زال هَطَّالُ الغَمامِ إذا بَكَىتبسَّمَ عن أَلْمَي من الرَّوضِ مُخْضَلِّ
فكم ليَ في أظلالِ دَوْحِكِ ليلةٌغَدَتْ سِمةً في جَبْهةِ الزَّمَنِ الغُفْلِ
وله
أَأَطْلُبُ الرزقَ لا أُنْضِي الركابَ لهلا تَفْرُسُ الأُسْدُ أو تَنْأَى عن الأَجَمِ
وكيف أُغْضِي على ضَيْمٍ وما رَوِيَتْمني السيوفُ ولم تُسْقَ الصِّعادُ دمي
من لي بعَوْدِ زمانٍ كنتُ أَكرَهُهُوكيف للمَيْتِ بالرُّجْعَى إلى الألمِ
وله
أَطارقُ طَيْفٍ أَمْ خيالٌ مُرَجَّمُأَراكَ به مرأَى اليقين التوهُّمُ
سَرَى وكأنّ الأُفْقَ صفحةُ لُجَّةٍكواكبُهُ فيها سفائنُ عُوَّمُ
وكم للكَرَى من مِنّةٍ قَبْلَ هذهأَضاءَ بها وجهُ الدجى وهو أَسْحَمُ
وما شِيَمُ الأيَّامِ أن تَمْنَحَ المُنَىويبسمَ منها الكالحُ المُتَجَهِّمُ
ولكن رَأَتْ نُعْمَآ شَهِنشاهَ في الوَرىفقد أَصبَحَتْ من جُودِهِ تَتَعَلَّمُ
ومنها:
إذا كُسِفَتْ شمسُ النهار فإنهالخجلتها من نُورِهِ تَتَلَثَّمُ
وما أَطْلَعَ الأُفْقُ النجومَ لريبةٍولكنه عُجْباً بها يتبسَّمُ
وليس صَليلُ البيضِ إِلاّ لأنَّهُبِنُصْرَتِه يومَ الوَغى يترنَّمُ
وما غَرَّدَ ابنُ الأَيْكِ إِلا بمَدْحِهلو انَّ غِنَاءَ ابنِ الأَراكةِ يُفْهَمُ
وله يهنىء أفضلهم بخلعة:
شَرَفاً فقد أَدْرَكْتَ قاصيةَ العُلاَورَدَدْتَ غَرْب النائبات مُفلَّلا
هَمَّ الزمانُ على الورَى بجنايةٍفأَنَابَ قبلَ وُقوعها وتَنَصَّلا
فلو استطاعَ النطقَ أصبحَ سائلاًفي الإذْنِ أن يَطَأَ البساطَ مُقَبِّلا
الله أكرَمُ أن يُضَيِّعَ دوْلةًعنها فلم يَعْرِفْ إليها مَدْخَلا
سَدَّتْ أياديك الطريقَ عن الرَّدَىعنها فلم يَعْرِفْ إليها مَدْخَلا
ولقد رآك الله أَسْنَى خَلْقِهِفَضْلاً وقَدَّرَ أن تُسَمَّى الأفْضَلا
آتاكَ ما لم يُؤْتِ خَلْقاً مِثْلَهُوحَباك من غُرَرِ الليالي مُجْزِلا
خِلَعٌ خَلَعْنَ من العُداة قلوبَهُمْوملأنَ بالإشراق أبْصَارَ المَلاَ
لما برزتَ بها بَهَرْتَ فلم يُطِقْطَرْفٌ إليكَ من الشعاعِ
غَضَّيتْ وقد نَظَرَتْكَ من أجْفانِهاشمسُ الضُّحَى فبِوَاجِبٍ أن تَخْجَلا
وبَدا عليك التاجُ نُظِّمَ دُرُّهُفطلعتَ بدراً بالنجومِ مُكلَّلاَ
وله
أَطاع أَمرَكَ في أعدائكَ القَدَرُولا دَنَتْ أبداً من مُلْكِكَ الغِيَرُ
أَيَّامُكَ الغُرُّ مصقولٌ عوارِضُهاكأنَّ آصالَهَا من رِقَّةٍ بُكَرُ
أَخْمَلْتَ ذكْرَ ملوكٍ كنتَ خاتمَهُمْوأَنجُمُ الليلِ في الإِصباحِ تَسْتَتِرُ
أيْنَ الذي أنْتَ مُبْدِيه مُعَايَنَةًمن الفضائلِ مما تنقلُ السِّيَرُ
وما يدانيكَ في العلياءِ من أَحَدٍهيهاتَ لاَ يسْتَوِي التحْجِيلُ والغُرَرُ
بعضُ الوَرَى أنْتَ لكنْ فُقْتَهُمْ شَرَفاًإِنّ الحجارة منها الدُّرُّ والمَدَرُ
لله عَزْمُكَ ما أَمْضَى مَضَارِبَهُحيث الصوالجُ بيضٌ والطُّلاًَ أُكَر
ظَنُّوا حُسَامَكَ سيفاً في يَدَي مَلِكٍفعايَنوا مَلَكاً في كَفِّهِ قَدَرُ
منها:
لم تجتمع يدهُ والسيف يومَ وَغىًإلا تفرّقتِ الأجسامُ والقَصَرُ
بَثَّ اللهَا راغباً في الحمد يُحْرِزُهُفالمدحُ مُحْتَقَبٌ، والمالُ مُحْتَقَر
يَرْضَى وقد غَضِبَتْ بيضُ السيوفِ لهفيوسعُ الذنبَ عفواً حين يقتدر
تخالُ راحتَه والمشرفيّ بهاسحابةً ظلَّ فيها البرقُ يَسْتَعِرُ
يَلْقَى الكتائبَ فَرْداً وهْو مُبْتَسِمٌويبذلُ الأرْضَ رِفْداً وهْو مُحْتَقِر
وله
سرَى واصلاً طيفُ الكرَى بعد ما صَدَّافهل خَطَأً أَهدى الزيارةَ أَمْ عَمْدَا
ولما أَتَى عُطْلاً من الدُّرِّ جيدُهُنَظَمْتُ دموعي فوقَ لَبَّاتِهِ عِقْدَا
من مديحها:
سلِ الليلَ عنه كلَّ يومِ كريهةٍيُخَبِّرْكَ عن أَمْضاهُما في الوَرَى حَدَّا
أَبانَتْ له طُرْقَ المكارمِ نَفْسُهُبغيرِ دليلٍ والمكارمُ لا تُهْدَى
ومذ صارَ للإسلامِ سيفاً وللظُّبَاإليه انتسابٌ غادَرَتْ معه الْهِنْدَا
لأَضحى نَدَى كفَّيْك للنيلِ ثانياًوقد عَهِدْتُه أَرْضُ مِصْرَ بها فَرْدَا
ولو قاسَ بين اللجّتين مُحَقِّقٌرأَى البحرَ في تَيَّاره وَشَلاً ثَمْدَ
وله من قصيدة في مدح أبي محمد بن أبي أسامة:
لعلَّ سَنا البارقِ المُنْجِدِيُخَبِّرُ عن ساكني ثَهْمَدِ
ويا حبذا خَطْرَةٌ للنسيمتُجَدِّدُ من لوعةِ المُكْمَد
وفي ذلك الحيِّ خُمْصَانةٌلها عُنُقُ الشادنِ الأَغْيَدِ
تَتيهُ بغُرَّةِ بدرِ التمامِوسالفةِ الرَّشَإِ الأغْيَدِ
وتُلْحِفُ عِطْفَ قضيبِ الأَراكِرداءًا من الأَسْحَمِ الأَجْعَدِ
أَعاذلُ أنحيتِ لوماً عليَّيروحُ بعذٍلِكِ أو يَغْتَدِي
تلومُ زماني على صَمْتِهِوصوتيَ من ضَرْبِه المُعْمَدِ
ففضليَ يبكي على نَفْسِهِبكاءَ لبيدٍ على أَرْبَدِ
ولو كان حَظِّيَ لونَ الشبابلما حالَ عن صِبْغِهِ الأَسْوَد
فلا تأيسنَّ لمَطْلِ الزمانِفإنِّيَ منه على مَوْعِد
ولا تشكُ دَهْرَكَ إلا إليكَفما في البَرِيَّةِ مِنْ مُسْعِد
ولا تغتررْ بعطايا اللئامِفقد ينضحُ الماءُ من جَلْمَدِ
ومن نثره مما يدل حسنه على رونق فرنده وأثره، ما التقطته من ترسلٍ صنفه أبواباً، وألفه اقتضاباً.
له تهنئة بولاية: من هنىء بمنزلةٍ يرتقيها، أو مرتبةٍ يعتليها، فالخدمُ تهنىء بالحضرة لما يكسوها من جميل السيرة، والإنصاف الذي يتعادل فيه الجهر والسريرة، فخلد الله ملك المجلس العالي المالكي وثبت أيامه، ونصر أعلامه فإنه منظورٌ فيها بناظر البصيرة التي تمده القوة الفلكية سلك بتقديمها نهج السعادة الذي توضحه المادة الإلهية، فأصاب الضريبة، ووقع العقد في التربية، وأرهف الحسام القاطع، وأضرم الشهاب الساطع.
ومن أخرى: الخدم أطال الله بقاء الحضرة السامية تتشرف بمن يليها، والمنازل تسمو بمن يكون فيها، إذ كان غيرها يرقى إلى المآثر والمآثر إليها ترتقي، وينجح بيسير المفاخر وهي لديها تجتمع وتلتقي.
ومن أخرى: هذا فجرٌ يتلوه الصباح المسفر، ووسميٌّ يتبعه العارض المثعنجر.
ومن تهنئئته بقضاء: الحمد لله الذي طرز بمحاسن أيامها أردان الإسلام، وجعلها تاجاً على مفرق الأحكام، النظر السلطاني أصاب منها الغرض، وتناول الجوهر وترك العرض.
من تهنئة بالعافية إلى السلطان: الحمد لله الذي أقر القلوب بعد وجيبها، وأضحك الأيام بعد قطوبها، وقوى المنن بعد انخزالها، وشد عرى الإسلام بعد انحلالها، بما أتاحه من البر الذي أقر عيون الأولياء، وأكمد قلوب الأعداء، وأصبحت الدنيا متحليةً بعقودها، مائسةً في برودها، باسمةً عن المضحك الأنيق، لاجئةً إلى الركن الوثيق، وغدا الدين عزيز الجانب، رفيع المناكب محمي الكواكب، فمملوك الدولة أحق الأولياء بأن يستفزه الجذل ويستطيره، وتتضاعف مسرته بهذه المنحة الخطيرة، إذ هو بيمنها مشمولٌ، وعلى موالاتها مجبول، وقد جذبت بباعه من الحضيض الأوهد، وسمقت به إلى المحل الأمجد، فهو يتازر بإنعامها ويرتدي، ويروح إلى إحسانها ويغتدي.
الحمد لله الذي أبقى المجلس السامي شهاباً لا يخبو في اللأواء ثاقبه، وحساماً لا تنبو عن الأعداء مضاربه، وركناً تلوذ به الأمم، وسحاباً يهطل بأنواء الكرم.
ومن تهنئة بالبرء إلى صديق:
إذا قدم الوداد، وصح الاعتقاد، وصفت الضمائر، وخلصت السرائر، حل الإخاء المكتسب محل أخوة النسب، وصار المتعاقدان على الإيثار، والمتحابان على بعد الدار، متساهمين فيما ساء وسر، ومتشاركين فيما نفع وضر، وتلك حالي وحال حضرة مولاي، فإني وإياها كنفسٍ قسمت على جسمين، وروح فرقت بين شخصين، فأما ألمها فقد مضى وأزعجني، وأما برءها فقد سرني وأبهجني، وعرفت خبر إبلالها، من ألمٍ كان بها، فشكرت الله على خلتين معاً، ونفعين اجتمعا، أحدهما أنني لو كنت أعلم تألمها، لكنت ألاقي ما يكدر الشراب، ويمنع تلاقي الأهداب، وأجد على حال الصحة ما يجد المريض، وأرى الدنيا على آثارها بعين البغيض، والآخر علمي ببرءها عند حلوله، ومعرفتي به عند تخييمه بساحتها ونزوله.
من تهنئة بولد: وردت البشارة السيارة بالقادم الأمجد، المستقبل بالطالع الأسعد، فأخذ المملوك من المسرة بأوفر حظ الأولياء، الملخصين في الولاء، المغمورين بجزيل الآلاء، وسأل الله سبحانه تخليد الأيام المالكية، مديدة الأمد، وافرة العدد، نامية الأهل والولد، حتى ترى هذا المبشر بقدومه ممتطياً صهوات الجياد، مخوف الشد يوم الجلاد، يخفق وراءه اللواء، وتخاف سطوته الأعداء، وتحصن البلاد بقواضبه، وتشنف الأسماع بذكر مناقبه، وترى من أولاده أمجاداً عن الإسلام ذادة، وأملاكاً لأملاك البلاد سادة، لا زالت تبلغ أقصى الأماني، وتسمع نغم التهاني، وتمد ظلها على القاصي والداني.
ومن أخرى: حتى ترى نسل هذا المولود أقمار تمٍ تضيء هالاتها، وآساد غيلٍ تخاف غاباتها، وصوارم بأسٍ يحذر غربها، وأنواء جودٍ تهطل سحبها.
تهنئة بظفر: الحمد لله الذي فضل دولة أمير المؤمنين على سائر الدول، كما فضل ملة محمد ﷺ على سائر الملل، وجعل أيامه واضحة الحجول والغرر، مخصوصةً بالفتوح والظفر، يخفق النصر على بنوده، وتسير السعادة أمام جنوده، ويقابل الأقدار في جحافلها، وتصبح الملائكة الأبرار من قبائلها، فما يتوجه من جيوشه جيشٌ إلا والتأييد يقدمه، والقدرة تخدمه، والدهر يؤازره، والنصرة تضافره. نهنىء بهذا الفتح الذي ضحكت به الدنيا عن مباسمها، وتجلت به شموس النصر عن غمائمها، ونسأل الله أن يجعل الأرض قبضة يده، والأفلاك الجارية من أعوانه وعدده، وكل يوم من أيامه موفياً على أمسه، مقصراً عن غده، الفتح الذي نكست به رءوس ذوي الشقاق، وقطع به دوابر أهل الخلاف والنفاق، ورجفت به أكباد الأعداء رهباً وجزعاً، وتضعضعت به أركان الباطل خوفاً وهلعاً، وأصبح الإسلام به عزيز الجناب، فسيح الرحاب، منصور الأعوان والأحزاب، والدولة فاخرةً على الدول، بالغةً أقصى الأمل، يخفق النصر في أعلامها، ويحفها الظفر من ورائها وأمامها.
من تهنئة بفتحك أعز الله سلطان الحضرة وهنأها ما منحها من الشرف الأثير، والذكر النابه الخطير، من الظفر بالفلانيين على اشتداد أسرهم، واستفحال أمرهم، وانبساط يدهم، وتكاثر عددهم، وتناكص المقدمين عنهم، وجزع الناس منهم. لا جرم أن المجلس العالي لما رأى شأنهم يتفاقم، وخطبهم يتعاظم، نقد رؤساء دولته نقد الصيرف الخبير وقلب مقدمي مملكته بطرف العارف البصير، ولم ير كفلان ألم ولا أدفع للخطب ولا أسد للخرق، ولا أرتق للفتق، ولا أخبر بتدبير الجحافل ولا أهجم على شفار المناصل، ولا أثبت في صدور الأعداء، ولا آثر في نفوس الأولياء، ولاأعرف بمجاري أمور الحرب، ولا أثبت جأشاً عند اختلاف الطعن والضرب، ولا أكثر اجتهاداً وتشميراً ولا أمضى رأياً وتدبيراً، ولا أيسر على الأبطال، ولا أحق بالتقدم على سائر الرجال، ولا أثبت في مواقف النزال، ولا أسرع إجابةً حين تدعى نزال. رأوا في عجاجها سحابة موت تهطل بالنكال، وتمطر نوافذ النصال، وتومض عن بوارق تشعشع بالصقال، وتقطع عرى الآجال، ونار بأسٍ تلفح القلوب، وتضرم الخطوب، وتدني الأجل المكتوب، فأصبحوا بين ناكصٍ على العقب، ومجدلٍ في الأرض تربٍ، ومرملٍ بدمائه، ومجرعٍ غصص ذمائه، وهاربٍ والأرض تحصبه، والآفات تطلبه، يخاف من ظل طرفه، ويرى المنية نصب طرفه. وأقشعت الحومة والدهر إليها باسم، والنصر عليها قادم، والظفر مسطورٌ بجبينها، والسعادة مخيمةٌ عن يمينها، والإسلام لسعيها شاكرٌ، والدين لجهادها منيرٌ زاهرٌ.
ومن أخرى:
المملوك يقدم الهناءة بما يسره الله وسهله، وكمل به الإنعام وأجزله، من الظفر بالطائفة الفلانية وقط شوكتها، وإلانة شدتها، وإبادة خضرائها، وكف غلوائها ينهى أنه توجه إلى هذه الفئة واثقاً أن سعادة الدولة تعضده وتوفيقها يؤيده، ويمن تدبيرها يوضح له مناهج افقبال، وبركة أيامها تبلغه غاية الآمال، فهو يضمن لكل من يضمه الجيش أن الجبال لو عاندتها لنسفت نسفاً، والسماء لو خالفتها لسقط من كل جانب منها كسفاً، والأسد لو خافت سطواتها لما حمتها القفار، والطير لو حذرت بأسها لنبذتها إليها الأوكار، حتى تقرر في نفوسهم أن السعادة لهم شاملةٌ، ومشيئة الله بنصرهم كافلةٌ، وصاروا من مضاء عزائمهم أحد من شفار صوارمهم، فحين التقى الجمعان، وتراءت الفئتان، فما كان إلا كرجع الطرف قصراً، ومقدار ما أنيطت كل حنيةٍ وترا، انصاعوا مدحورين، وولوا الدبر مفلولين، وأصبحوا فيئاً للمنون مشهبا، واقتسمهم الفرار والبوار أيدي سبا، فغدوا بين قتيلٍ مجدلٍ وأسيرٍ مكبلٍ، يجود بنفسه، وشريدٍ يخاف من حسه.
ومن فصل: لا زالت ماضية الأحكام في الآفاق، جاريةً أناملها بمجاري الأرزاق، حالة صوارمها في أعناق عداتها مكان الأطواق، حتى تخلو السماء من الكواكب، وتطلع الشموس من المغرب، ما تفتح الزهر عن أكمامه، وتردد الزبرقان بين سراره وتمامه، ما سطعت الأهلة بلألائها، ومزقت جلابيب الظلام بضيائها.
ومن كتاب في هدية: إذا صح الاعتقاد، ذهب الانتقاد، وإذا ثبت الإدلال، حسن الاسترسال. وبحكم هذه القضية، أهديت إلى الحضرة العلية، معولاً في بسط العذر على شرف أخلاقها، وكرم أعراقها، تحفة منبسطٍ مسترسل، لا هديةَ محتفلٍ متجمل.
ومن كتاب تعزية: الخطب الحادث، الفادح الكارث، الذي كادت له القلوب أن تتبرأ من أضالعها، والعيون أن تتعوض بدمائها من مدامعها، والضحى أن يدرع جلباب الدجنة، والحوامل أن تجهض بما في بطونها من الأجنة.
إن المنية حوضٌ كل الناس وارده، ومنهلٌ كل الخليقة قاصده. المتهالك في الهلع، المتهافت في الجزع، مخالفٌ لأمر ربه، لا يستطيع دفع خطبة الموت. لا يسلم منه ملكٌ نافذ الأمر، ولا فقيرٌ خامل الذكر.
ومن تعزية ثانية: إن من الرزية ما يعد عطية، ومن المحن ما يحتسب منحة، لاسيما ومن المشهور ما جاء في الخبر المأثور، من دفن أولات الخمر، وأن وفاتهن مخيرٌ لهن من امتداد العمر، وحبذا الموت صهراً، والقبر مهراً.
ومن أخرى في العزاء بمقتول في الحرب: الدنيا دار غرور وخدعٍ، ومنزل زورٍ وطمعٍ، الموت أمرٌ لازمٌ، وحكمٌ جازمٌ، يشمل النبيه والخامل، ويحطم الزج والعامل. أكرم مصارع الرجال في معارك الأبطال، وأفضل مهالك الأجواد فوق صهوات الجياد، ولولا هذه الفضيلة، والخلة الجميلة، ما أنف الشجعان من الموت على الفراش، وتهافتت على السيوف تهافت الفراش، ورأت أن فراق النفس برماح الفوارس خيرٌ من فراقها في صدور المجالس. وفلان وقف مواقف الكرام، وأنف من فرار اللئام، وبرز في حومة اللقاء، وطعن في صدور الأعداء.
وله في العزاء بغريق من فصل: لعمري لقد نزهه الله عن سهك الجرباء، وملاقاة الحصباء، والمقام تحت أديم الأرض، وانطباق بعضها على بعض، ورفعه عن أن يذال في الجدث جبينه، ويعفر في العثير عرنينه، فجعل ضريحه في شبيهه جوداً وكرماً، وضريبه محاسناً وشيماً، فتضمنه الماء، وغطغطت فوقه الدأماء، فإذا استسقى السحاب، واستسمح التراب، فهو في البحر الوافر، واللج الزاخر، بحيث تتفرع المناهل، ويرد كل ناهل.
فصل فيمن قتل غيلة: لو كان بحيث يحمله الطرف الأجرد، ويهتز بكفه الحسام المهند، ويشرع سنان الزاعبي الأسمر، ويخرق بنوافذ النضال حجب العثير، لكان مقامه معروفاً، ونكصت عنه الجحافل ولو كانت ألوفاً، ولكنه حمامٌ حم وارده وطارقٌ لا يرد وافده، وأمرٌ سبق في القضاء المكتوب، وتبيين لعجز البشر عن مغالبة الخطوب.
ومن شعره أيضاً قوله:
وباهرةِ المحاسنِ إِنْ تَبَدَّتْبليلٍ أَطْلَعَتْ بدرَ التّمامِ
وإِنْ بَرَزَتْ نهاراً في نِقَابٍأَرَتْكَ الشمسَ من تحتِ الغَمَامِ
أَضاءَ جَبِينُها والشَّعْرُ داجٍكذاك البدرُ يَحْسُنُ في الظلام
وقوله من أول قصيدة:
إِذا أَرَدْتَ دفاعَ الحادثِ الْجَلَلِفما مُقام الشِّفَارِ البيض في الْخَللِ
لولا مخافةُ حملِ الضَيْمِ ما طُبِعَتْظُبا السيوفِ ولم تُرْهَفْ ظُبَا الأَسَلِ
وله
خَلَعَ الزمانُ عليَّ حُلَّةَ مَفْخَرٍشَرَفاً بمدحِ الأَفْضَل المِفْضَالِ
أَضْحَى به ليلي نهاراً بَعْدَ ماغَبَرَتْ به الأَيامُ وهَيَ ليال
قَرْمٌ إِذا ما جالَ في رَهَجِ الوَغَىأَضْحَتْ به الآجالُ في الأَوْجَال
وتَهُزُّ كَفَّاهُ طوالَ ذوابلٍتغدُو بها الأَعْمارُ غَيْرَ طِوَالِ
يَلْقَى المدائحَ بالمنائحِ واهباًويُصَدِّقُ الأَقْوَالَ بالأَفْعَالِ
وَسَمَتْ به العَلْيَا فأَصْبَح حافظاًما ضَيَّعَ الأَغْفالُ بالإِغْفال
وإِذا أَتَتْ منه سوابقُ نِعْمةٍكفلتْ مواهبُهُ لها بنَوالِ
وله من قصيدة:
ونَدْمَاني بدور التِّمِّ تَبْدُوبأَغْصانٍ تميسُ على روابي
ورنَّاتُ المثالثِ والمَثانيوفاقاً في اصطحابٍ واصطخاب
فحيَّتْ والدُّجَى يحكي انحساراًنُصولَ الشيبِ من تحتِ الخِضاب
براحٍ خِلْتَ كفَّ المَزْج جَادَتْلمَفْرِقها بتاجٍ من حَبَابِ
صَفَتْ وصَفَتْ زجاجَتُها وأَضْحَتْكأَخْلاَقِ الأَجلِّ أَبي تراب
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع