تجاوز إلى المحتوى

من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)

القاضي أبو الحسن علي بن محمد بن محمد ابن النضر المعروف ب الأديب

من أهل صعيد مصر، من الأفاضل الأعيان المعدودين من حسنات الزمان ذو الأدب الجم، والعلم الواسع، والفضل الباهر، والنثر الرائع، والنظم البارع؛ وله في سائر أجزاء الحكمة اليد الطولى والرتبة الأولى. وقد كان ورد الفسطاط يلتمس من وزيرها الملقب بالأفضل نصرة أخدمة، فخاب فيه أمله، وضاع رجاؤه، وأخفق سعيه، فقال من قصيدة يعاتب فيها الزمان، ويشكو الخيبة والحرمان:

بين التعزُّزِ والتذلُّلِ مسلكٌبادي المَنارِ لعينِ كلِّ مُوَفَّقِ
فاسلكْهُ في كلِّ المواطنِ واجتنِبْكِبْرَ الأَبيِّ وذلَّةَ المتملّق
ولقد جلبتُ من البضائع خيرَهالأجلِّ مختارٍ وأكرمِ مُتَّقِ
ورجوتُ خَفْضَ العيشِ تحت رِوَاقهلابدَّ إنْ نَفَقَتْ وإِنْ لم تنفق
ظَنّاً شبيهاً باليقين ولم أَخَلْأنّ الزمانَ بما سقاني مُشْرِقي
ولعائبي بالحرصِ قولٌ بَيِّنٌلو كنتُ شِمْتُ سحابَهُ لم يَطْرُق
ما ارتدْتُ إلاّ خيرَ مُرْتادٍ ولمأَصِلِ الرجاءَ بحَبْل غير الأوثق
وإذا أَبى الرزقَ القضاءُ على امرىءٍلم تُغْنِ فيه حيلةُ المسترزق
ولَعَمْر عاديةِ الخطوبِ وإِنْ رَمَتْشَمْلي بسَهْمِ تشتُّتٍ وتفرُّقِ
لأُقارِعَنَّ الدهرَ دونَ مروءَتيوحُرِمْتُ عِزَّ النصرِ إنْ لم أَصْدُقِ

وله في سفرته هذه وقد قوي يأسه من بلوغ أمله ونيل بغيته وعزم على الصدر عن الفسطاط إلى مستقره، يحض على الزهادة، ويحرض على القناعة، ويذم الضراعة، ويتأسف على إذالة خده، وإراقة ماء وجهه:

لَهْفي لملك قناعةٍ لو أَنَّنيمُتِّعْتُ فيه بعِزَّةِ المُتَمَلِّكِ
ولكنزِ يأسٍ كنتُ قد أحرزتُهُلو لم تَعِثْ فيه الخطوبُ وتفتكِ
آليتُ أَجعلُ ماءَ وجهي بعدهكدمٍ يُهِلُّ به الحجيجُ بمَنْسِكِ
وأَخٍ من الصبر الجميل قَطَعْتُهفي طاعةِ الأَمَلِ الذي لم يُدْرَكِ
يا قاتلَ الله الضرورةَ حالةًأيَّ المسالكِ بالفتى لم تَسْلُكِ
كم باتَ مشكوٌّ إليه تَحَيَّفَتْحَلَقاتِهِ قَرْعاً براحةِ مُمْسِك
وفَمٍ على قدَمٍ رَمَتْ ونواظرٍكُحِلَتْ محاجرُها بموطىءِ سُنْبُكِ
ومسربلٍ بالصبر والتقوى دَعَتْفأجابها في مَعْرِضِ المُتَنَسِّك
ظلَّتْ تُصَرِّفُهُ كتصريف العَصارأَسَ البعيرِ لِمَبْرَكٍ عن مَبْرَك
لا أَنشأَتْنِي الحادثاتُ لمثلهاورَمُيِتُ قبل وقوعها بالمهلك

وله في رئيس كان يكلفه زيارته ويقعد عن ذلك تعاظماً وتكبراً:

أَكْرَرْتَ نَفْسَكَ أن تسعى مُصَادفةًوَسُمْتنيهِ لَقَدْ كلَّفْتَني شطَطا
لا تكذبنّ فما كُنَّا لنوجبَ مِنْحَقٍ وأنت تراهُ عنكَ قد سَقَطا
لو بعتكَ النفسَ بيعاً كنتَ تملكهابه عليَّ لكان العدلُ مُشْتَرَطَا
فهل سبيلٌ إلى أن لا تواصِلَنِيولا تُكَلِّفَ مثلي هذه الخططا
عسى صحيفةُ ما بيني وبينك أَنْتُطْوَى وما ضُمِّنَتْ غيرَ الذي فَرَطَا

وله في صدر رسالة:

أتى كتابُكَ عن شَحْطٍ فآنسنِيبما تَضَمَّنَ أُنْسَ العَيْنِ بالوَسَنِ
قرأتُهُ فجرتْ في كل جارحةٍمني معانيه جَرْيَ الماءِ في الغُصُن
فما أقولُ بعثتَ الرَّوْحَ فيه إلىقلبي، ولكن بَعَثْتَ الرُّوحَ في بدني

وله في شدة أصابته:

يا مستجيبَ دعاءِ المستجيرِ بهويا مُفَرِّجَ ليلِ الكُرْبَةِ الداجي
قد أُرْتِجَتْ دوننا الأبوابُ وامتنعتْوجَلَّ بابُكَ عن مَنْعٍ وإِرْتَاج
نخافُ عَدْلَك أَن يجري القضاءُ بهونرتجيك فكنْ للخائف الراجي

وله

يا نفسُ صبراً واحتساباً إنهاغمراتُ أَيام تمرُّ وتنجلِي
في الله هُلْكُكِ إِنْ هَلَكْتِ حميدةًوعليه أَجْرُكِ فاصْبِرِي وتَوَكَّلي
لا تَيْأَسِي من رَوْح ربِّكِ واحْذَريأَنء تستقرِّي بالقنوط فَتُخْذَلي

ولو توجد له في الغزل إلا أبيات يسيرة منها:

وفَتُوكِ سِحْرِ المقلتين يصولُ مِنْلَحَظاتِهِنَّ على القلوب بِمُرْهَفِ
حَيَّيْتُ نَدْماني بوردةِ خَدِّهِورشفتُ من فيه مُجَاجَة قَرْقَف
ونزعتُ عنه ما تَعَلَّقَ ثوبُهُمني هناك سوى تُقىً وتعفُّف
وملام عاذلةٍ قد ابتكرتْ بهسَحَراً إِلى سَجْعِ الحَمامِ الهُتَّف
يا هذه أسرفتِ في عَذْلِي ومالعزيمتي عن وجهها من مَصْرَف
فخذي إليك اللومَ عني إِنَّ لينبأً سيُعْرَفُ بعد هذا الموقف
لأَصافِحَنَّ يدَ الخطوبِ برحلةٍتَجْلُو دُجُنَّتَها بِغُرَّةِ يوسف

ثم طالعت ديوان ابن النضر بمصر فجبيت هذه الدرر من أصدافه، وجنيت هذه الثمر من قطافه، واجتليت هذه الغرر من ألطافه، فمن ذلك قوله من قصيدة:

كتبتُ عن شَمْلِ أُنْسٍ غيرِ ملتئمٍحتى اللقاءِ وشَعْبٍ غيرِ مُنْشَعِبِ
وإِنَّ للبين كفّاً غيرَ وانيةٍتظلُّ تَجْمَع بي جمعاً وتقذفُ بي

ومنها:

لو أَنَّ أنملةَ المقدار تكتبُهُفي صفحة الدهر لم يَبْلُغْ مدى أَرَبي

وقوله من أخرى في الزهد:

النفسُ أَكرمُ موضعاًمن أَنْ تُدَنّسَ بالذنوبِ
ما لذةُ الدنيا لهاثمناً وإنْ مُزِجَتْ بطيبِ
فاسبقْ إلى إعداد زادِكَ هَجْمَةَ الأَجَل القريب
والقَ الإله على التُّقَىوالخوفِ مَزْرُورَ الجيوب

وقوله من أخرى في ذم الغربة:

أرى غُرْبَة الإنسان أُخْتَ وفاتهولو نالَ فيها مُنْتَهى طلباتهِ
فلا يشتري الدنيا ببلدته امرؤٌفليس عزيزاً في سوى عَرَصَاتهِ

ومنها في ذم الأناة ومدح بعض الطيش:

نَدِمتُ على أني ثَبَتُّ وربماجَنَى ندماً للمرءِ بعضُ ثَبَاتهِ
يُزَيِّنُ أَفعالَ الفتى بعضُ طيشهويُزْرِي بفعلِ المرءِ بعضُ أَناتهِ

وقوله من قصيدة في المدح:

أَكرِمْ به بَدْرَ تِمٍ جاءَ تكنفهشُهْبُ الأَسِنَّةِ في سُحْبٍ من الرهَج
تُعْمِي بَوارِقُها الأبصارَ لامعةًكما يُصِمُّ تَوَالي رَعْدِها الهَزِجِ
مُشمِّرُ الذيلِ يُبْدِي عن نصيحتهمُواشكاً يَصِلُ الرَّوْحاتِ بالدَّلَج
إذا الجُنُوبُ تمطَّتْ في مضاجِعِهالهجعةٍ باتَ في سَرْجٍ على ثَبَج
يُسايرُ النجمَ في دعجاءَ مظلمةٍحتى يُمَزِّقَ ثَوْبَ الليلِ بالبَلَجِ
في جحفلٍ مُعْلَمِ الأَكنافِ ذي زَجَلٍشَبِّهْ به الليلَ أوْ شَبِّهْهُ باللُّجَج
من كل أَصيدَ نَظَّارٍ إلى يدهمتى أشارَ بأن لِجْ حَوْمَةً يَلِج
تَقِي الرماحُ وهيجَ الشمس أوْجُهَهُمْفإنْ دجا الليلُ أَغْنَتْهُمْ عن السُّرُج
كأنّ أَيديهمُ بالبيض سائلةًعن الجماجم بالأَقباس والخُلُج
آلَى وحرَّجَ بَرّاً في أَلِيَّتِهِوفي الأَلِيَّةِ ما يُغْني عن الحَرَجِ
ألاَّ يؤوبَ برُمحٍ غيرِ مُخْتَضِبٍمن الدماءِ، وسيفٍ غيرِ مُنْضَرِج
فويلُ مُرْتَضِعٍ دَرَّ النفاقِ إذنْمن ناظرٍ بسيوفِ الهند مُخْتَلِج

ومنها:

هو الذي يُبْرِىءُ الهاماتِ صارمُهُفي الرَّوْعِ من نَزَواتِ الكِبْرِ والهَوَج
فليعتدلْ كلُّ رأسٍ مائلٍ صَعَراًمن قبلِ عضِّ ثقافِ المَيْلِ والعَوج

وقوله:

خَلَّفْتُ خلفي للحوادث صبيةًبمحلِّ لا عمٍ لهنَّ ولا أَخِ
يَعْلَقْنَ منه بحبلِ رحمةِ راحمٍأو يعتصمنَ بظلِّ نخوة مُنْتَخ
ولقد وَجِدت لهنَّ إِذ وَدَّعْنَنيوَجْدَ القطاةِ بدامياتِ الأَفْرُخ

وقوله:

ملك يُحلِّي بالدمِ الأسيافَ إنْحَلَّى الملوكُ جُفونَها بالعسجدِ
وإذا تشكَّى من حَفاً فَرَسٌ لهلم يُحْذَ غيرَ تَرِيبِ مَلْكٍ أَصْيَد

وقوله في الزهد:

جهادُ النفس مُفْتَرَضٌ فَخُذْهابآدابِ القناعةِ والزَّهادَهْ
فإنْ جَنَحْتَ لذلك واستجابتْوخالفَتِ الهوَى فهُوَ الإِرادَهْ
وإن جَمَحَتْ بها الشهواتُ فاكبحْشكيمتها بمِقْمَعَةِ العبادَهْ
عساكَ تُحِلّها دَرَجَ المعاليوترفعها إلى رُتَبِ السعادَهْ

وقوله:

إِنْ تَنْأَ بي عَنْكَ أقدارٌ مُفرِّقَةٌفإنّ لي فيكَ آمالاً وأوْطارا
وإنْ أَسِرْ عن بلادٍ أَنْتَ قاطِنُهافالقلبُ فيها مقيمٌ بعد ما سارا

وقوله من مرثية الرشيد إبراهيم بن الزبير:

يا مُزْنُ ذا جَدَثُ الرشيدِ فقِفْ معينَسْفَحْ بساحته مَزَادَ الأَدْمُع
وامسحْ بأردانِ الصَّبا أركانَهُكي لا يُلِمَّ به شحوبُ البَلْقَع
فبودِّ نفسي لو سَقَيْتُ ترابهدمَ مهجتي، ووقيتُهُ بالأَضْلع

ومنها يخاطب القبر:

عَلِقَتْ عليكَ مَراحِمٌ كفلَتْ لمنواريت جملته ببَرْدِ المضجع
وتنفَّستْ فيك الصَّبا مفتوقةًبنسيمِ مسكِ رياضِها المتضوّع

ومنها:

أو ما عجبتَ لطَوْدِ عزٍ باذخٍمُسْتَوْدَعٍ في ذي الثلاث الأَذْرع
ولخَدِّ من وَطِىءَ الكواكب راقياًكيف ارتَضى من بَعْدِها باليَرْمَعِ

ومنها:

ولقد قفتُ على ربوعِكِ شاكياًوبها الذي بي من أَسىً وتوجُّعِ
فحمدتُ طرفي كيف أَرْشَدَني بهاوذممتُ قلبي كيف لم يَتَقَطَّع
وذكرتُ مُزدَحَمَ الوفودِ ببابهافي كلِّ حينِ وِفادةٍ أو مَطْمَع

وقوله:

يا عيشُ إنْ لم تَطِبْ فلا تَطُلِويا حياةُ اهْجُري ولا تَصِلي
كَمْ وإلى كم نَفْسي مُقَسَّمةٌبين حُلولٍ وبين مُحْتَمَل
لا حالَ لي تحمل المقامَ ولااستطاعةٌ تستغلُّ بالرَّحَل
يَصْرِفُني اليأْسُ ثم تَعْطِفُنيعواطفٌ من كواذب الأمل

وقوله:

لسانُ شُكْرِي حَسِيرٌ في يَدَيْ كَرَمِكْوباعُ فِكْري قصيرٌ عن دُنا هِمَمِكْ
ما اهتزَّ غُصْنِيَ إِلاَّ في رُباكَ ولَمْتَنْبُتْ قناتِيَ إِلاّ في ثَرَى نِعَمِكْ

ومنها:

أَنَا ابْنُ نِعْمَتِكَ المشكورِ مَوْقِعُهاوعَبْدُ طاعتك المشهورُ في خِدَمِكْ

وقوله، وقد أزعج من وطن كان يألفه:

يا دارُ ما أنت لي داراً ولا وطنَاولا قَطينُك لي أَهلاً ولا سَكَنا
لئن تنكرتِ لي عما عهدتُ لقدْخَرَّبْتُ فيكِ الذي عَمَّرْتُهُ زمنَا
أَتشتكين لبَيْنٍ حُمَّ عن بَلَدٍنَفْسِي تَرَى الذي في أنْ تَسْكُنَ البَدَنا

وقوله من قصيدة:

فأرْماحهُمْ مثلُ العرائس ما تنيمخضبةً أطرافُها بالدم القاني

ومنها:

ولم ينثنوا حتى غدا الماءُ وهو مِنْدماءِ عِدَاهُمْ لا يَحِلُّ لظمآنِ

ومن الشعراء الذين ذكرهم أبو الصلت في رسالته:

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خريدة القصر: أقسام أخرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.