تجاوز إلى المحتوى

من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)

حميد بن سعيد بن يحيى الخزرجي

من ندماء تميم بن المعز بن باديس بالمهدية، وشعرائه المجيدين في البديهة والروية، وهو الذي جمع شعر الملك تميم، ونظم في عقد سلكه كل در يتيم، ومما أورده لنفسه فيه أبيات عملها على وزن شعر لتميم قال: حضرنا ليلة بين يديه فأملى علي، يعني تميماً:

يا باعثَ السُكرِ من كأس ومن مُقلِيسبي الحليمَ بتكسير وتخنيث
وحاملَ البدر فوق الغُصن منتصباًوخالِطَ الدرّ تذكيراً بتأنيث
عاهدْتني عهْد من للعهْد ينكثُهفصرتَ تأخذ في طرْق المناكيث
حدثتني بأحاديث منمّقةٍفما حصلتُ على غير الأحاديث
فالوعد ينشُرُني والخلفُ يقتلنيفصرتُ ما بين مقتول ومبعوث

قال حميد وسأل الحاضرين إجازته فأنشدته:

يا من حُرمتُ وِصالاً منه يُنعشُنيوصرتُ أقنعُ منه بالأحاديث
تشبّث السُقْمُ بي لما هجرتُ فمابغير طولِ الأسى والهجرِ تشبيثي
اللهَ في هجرِ مقتولٍ أضرّ بهوجْد عليكَ وميتٍ غيرِ مبعوث

قال ثم أنشده الحصيبي:

يا ساقيَ الكأس ليس الكأس تُسكرُنيالسُكرُ من مُقلةٍ أغرتْ بتخنيثي

وهذا الحصيبي من شعراء العصر ويستغنى بذكره هاهنا عن ذكره في موضع آخر.

ثم أنشده الكفيف:

بثثْتُ حبَّك إذ ضاقَ الفؤادُ بهفمنْ يلوم لسرٍ فيكَ مبثوثِ
نفثْتَ في القلب سحراً لا طيبَ لهفيا لسحرٍ من الألحاظ منفوثِ
وقد حلفتُ يميناً لا يُكلّمنيوالشوقُ يقضي على رَغْمي بتحنيث

فقال له تميم: أنا انتقدت على الحصيبي، فانتقد أنت على الكفيف، فقلت: كلامه كله مختل، لأنه ذكر ضيق صدره بمحبوبه، ومن كان صحيح المحبة فما يضيق فؤاده، ثم قال: فمن يلوم لسر فيك مبثوث، والبهائم لو نطقت، تلومه، وإنما الصواب: فلا تلمني لسر فيك منثوث، والمبثوث لا وجه له، فإن المبثوث بمعنى المفرّق وكيف يبث حبه بمعنى يفرقه، وإنما أراد أن يقول نثثت حبك بالنون أي ذكرته بعد ما كان مكتوماً.

قال حميد الخزرجي: وعملت بيتين ابتداء لأبيات وهما:

وغانيةٍ محيّاهابه يُغْنى عن السُرْجِ
لو اطّلعَتْ على الحُجّاج ألهتْهُمْ عن الحجّ

وبعدهما من شعر تميم:

لها وجْه لها شعَركمثل الروم والزّنْج
لها جفْنان قد شُحِنابنَبل السّحْر والغنْج
لها ثغر، لها ريقكمثل الخمر والبنجِ
لها نهدان قد نجُماكنابَي فيل شِطرَنْجِ

وحكى حميد أنه دخل الى أبي عبد الله ابن النعناع وفي يده رقعة من الملك تميم إليه يتأملها ويكثر النظر فيها وقد ألهته عنّا معانيها، فقلت:

عجبت لرقعةٍ ألهتْك عنّاوعما كنت فيه من الحديث
أظنك قد شُغِفْتَ بها لسِرّقديم قد حوتْهُ أو حديث

وحكى أبو الصلت في الحديقة: أخبرني محمد بن حبيب المهدوي قال: حضرنا ليلة في جملة النّدامى مجلس السلطان أبي يحيى تميم ابن المعز فالتفت حميد بن سعيد الشاعر الى غلامين من مماليكه متناجيين قد ضمّا خداً لخدّ فقال حميد:

انظر الى اللِّمّتَين قد حكتا

فقلت:

جنحَيْ ظلام على صباحَيْنِ

فقال:

واعجَب لغصنين كلّما انعطفا

فقلت:

ماسا من اللّين في وشاحَيْن

فقال:

ظَبْيان يحْمي حِماهما أسدٌ

فقلت:

لولاهُ كانا لنا مُباحينِ

فقال:

فلو تدانيت منهما لدنت

فقلت:

منّي في الحين أسهم الحَيْنِ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خريدة القصر: أقسام أخرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.