تجاوز إلى المحتوى

من «جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)

التخلص والاقتضاب في مواضيع الإنشاء

التخلص هو أن يأخذ مؤلف الكلام في معنى من المعاني فبينما هو فيه إذ أخذ في معنى آخر غيره وجعل الأول سببا إليه فيكون بعضه آخذا برقاب بعض من غي أن يقطع كلامه ويستأنف كلاما آخر بل يكون جميع كلامه كأنما أفرغ إفراغا وذلك مما يدل على حذق الشاعر وقوة تصرفه من أجل أن تطاق الكلام يضيق عليه ويكون متبعا للوزن والقيافة فلا تؤاتيه الألفاظ على حسب إرادته. وأما الناثر فإنه مطلق العنان يمضي حيث شاء فلذلك يشق التخلص على الشاعر أكثر مما يشق على الناثر. ومما جاء من التخلصات الحسنة قول المتنبي المتوفى سنة هـ?.

خليليَّ إني لا أرى غيرَ شاعرٍفلمَ منهم الدّعوى ومنّي القصائد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»
فلا تعجباً إنّ السيوفَ كثيرةٌولكن سيفَ الدولة اليومَ واحد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

وهذا هو الكلام الآخذ بعضه برقاب بعض ألا ترى إلى الخروج إلى مدح الممدوح في هذه الأبيات كأنه أفرغ في قالب واحد، والاقتضاب أن يقطع الشاعر كلامه الذي هو فيه ويستأنف كلاما آخر غيره من مديح أو هجاء أو غير ذلك ولايكون للثاني علاقة بالأول كقول أبي نواس المتوفى سنة هـ? في قصيدته النونية التي لم يكمل حسنها بالتخلص من الغزل إلى المديح بل اقتضبه اقتضابا فبينما هو يصف الخمر ويقوا:

فاسقني كأساً على عذلٍكرهتْ مسموعه أذني
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا كثير النوح في الدمن»
من كميتِ اللّونِ صافيةٍخيرِ ما سلسلتَ في بدني
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا كثير النوح في الدمن»
ما استقّرت في فؤاد فتىفدرى ما لوعة الحزن
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا كثير النوح في الدمن»

حتى قال:

تضحكُ النيا إلى ملكٍقامَ بالآثار والسُّنن
سنّ للناس الندى فندوافكأنّ البخلَ لم يكنِ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا كثير النوح في الدمن»

وإذا لم يستطع التخلص بأن كان قبيحا ممسوخا فالاقتضاب أولى منه فينبغي لسالك هذه الطريقة أن ينظر إلى ما يصوغه فإن أتاه التخلص حسنا كما ينبغي وإلا فليدعه ولايستكرهه حتى يكون مثل هذا.

واعلم أن التخلص غير ممكن في كل الأحوال وهو من مستصعبات علم البيان فليتدبر الشاعر.

(انتهى من المثل السائر بتصرف)

النص من طبعة مؤسسة المعارف ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.