من «جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)
وكتب المرحوم حفني بك ناصف إلى الشيخ علي الليثي المتوفي سنة ١٣١٣هـ?
ـ?"
وصل يا مولاي إلى هذا الطرف ما خصصت به العبد من الطرف "قفص" من عنب كاللؤلؤ في الصدف تتألق عناقيده كأنها من صناعة "النجف" ولعمر الحق أنها تحفة من أحلى التحف لا يعثر على مثلها إلا بطريق "الصدف" فقابلناه لثماً بالأفواه ورشفاً بالشفاه واحتفينا بقدومه كل الاحتفاء ولم نفرط في حبه عند اللقاء بل حللنا له الحبي وقلنا له أهلاً وسهلاً ومرحباً وأوسعناه عضاً ولثماً وتناولناه تجميشاً وضماً وحفظنا في صدورنا سره المكنون وطويناه في غضون البطون فطربت من تعاطيه الأرواح ولا غرو فهو أصل الراح وانتشينا ولم نحمل وزراً وثملنا ولم نذق طعماً مراً فهو كبيان مهدية سحر ولكنه حلال ولعب إلا أنه كمال فإن أكسبت الشمول شاربها قوة في الجنان ونفحت ذائقها طلاقة في اللسان فقد سرت في أجسامنا من حرارته شجاعة "ليثيه" ودبت في كلامنا من مذاقته فصاحة "علوية" وخلصت إلينا منه فوائد لا يحيط بها العلم ونجمت عنه منافع ليس يصحبها إثم، فإن زعم الأولون أن في الخمر معنى ليس في العنب فقد تغير الحال في هذه الهدية وانقلب وانكشف للمتأخرين حقيقة الأمر أن في العنب معنى ليس في الخمر.
وكان الأحرى بهذا العنب أن يناط بالنحور أو تزين به الصدور فما هو إلا اللؤلؤ لكنه سلم من سجن البحار وما هو إلا الدر لكن ليس فيه صغار.
ومنْ كنتَ بحراً له يا علي ... لا يلقطُ الدُّرّ إلاّ كباراً وما ضره أن ضمه القفص حصة من الحصص فإن كريم الطير يودع في الأقفاص والقلب ليس له من حنايا الضلوع خلاص فلا بدع أن تستقل في حباته حبات القلوب ويستملح في جنب حلاوته رضاب المحبوب وكأن الثريا لما أخذت شكله فغر الهلال فاه لعنقودها يريد أكله فهو يطاردها في السماء ويأخذ عليها الطريق من الوراء وهي تجري من الأمام مخافة الالتهام هذا لمجرد تشابه في الشكل فكيف بالثريا لو أشبهته حلاوة ورياً فلله تلك العناقيد ما اشد تألقها وأصفى ماءها وأحسن رونقها من كل عنقود تخاله عمود الصبح أحاطت به الدراري أو غصن البان تعلقت به القماري.
فسقى الغيث أرضاً أنبتته ولاثل الدهر عروشاً حملته وأرضاً عرفتنا بأثمارها حلاوة الجنة وأبرزت لنا لمحة من محاسنها المستكنة وأنساناً عنبها ذكرى دمشق وأزمير وأنباناً غارسها مصر خير مستقر (وَلاَ يُنَبّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) وعروساً كالعروس تتيه في الحلي والملبوس تحسدها المجرة في السماء وتود لو تكون لها هذه البهجة والرواء لازال مولاي يهدي ويهدي وصنائعه تعيد في ثنائه وتبدي
"
النص من طبعة مؤسسة المعارف ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع