من «جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)
علوم العرب وفنونها
العلوم والصناعات لازمة لحضارة الأمم ومن العرب أهل حضارة دلت عليها دولهم العظيمة وقدم تاريخهم وآثارهم الخالدة وهم التبابعة فيلا اليمن والمناذرة والغساسنة في الشمال وإذاً تكون هندسة إرواء الأرض وعمارة المدن والحساب والطب والبيطرة والزراعة ونحوها معروفة في الجنوب والشمال مدونة في الكتب وإن لم يحفظ لنا الدهر صوراً منها: أما البدو منهم وإن كانوا أميين يمقتون الصناعات فلا غنى لهم عن تجربة ترشدهم إلى ما ينفعهم ليعرفوا متى تجود السماء وبم يتميز الأقرباء من البعداء فكسبهم ذلك علم النجوم والطب الضروري والأنساب والأخبار ووصف الأرض والفراسة والعيافة والقيافة والكهانة والعرافة والزجر وقرض الشعر.
علم النجوم: هو معرفة أحوال الكواكب وقد كانوا أبرع
في هذا العلم منهم في كل علم سواه، تعرفه عامتهم قبل خاصتهم للاهتداء به من ظلمات البر والبحر، ومعرفة أزمنة الخصب والمحل، وبعض معارفهم فيه مستمد من الكلدان لاختلاطهم بهم ولاتفاق اللغتين في كثير من أسماء الكواكب والبروج ومن أشهرهم فيه (بنو حارثة بن كلب وبنو مرة بن همام الشيباني).
الطب الإنساني والحيواني (البيطرة) وقد عاناه من الغرب كثيرون ومن مشوريهم (الحارث بن كلدة الثقفي وابن حذيم التيمي).
الأنساب: علم تتعرف به القرابات التي بين بعض القبائل وبعض فتلحق فروعها بأصولها وإنما دعاهم إلى العناية به حاجتهم إلى التناصر بالعصبية لكثرة حروبهم وتفرق قبائلهم وأنفتهم من أن يكون لغريب عنهم سلطان عليهم وحبهم الافتخار بأسلافهم وممن اشتهر بمعرفة أنساب العرب (دغفل بن حنظلة الشيباني وزيد بن الكيس النمري وابن لسان الحمرة) ولهذا كانوا يحفظون.
الأخبار والتاريخ والقصص: هي معرفة أحوال السابقين وكانوا يعرفون منها ما كان عليه أسلافهم وبعض مجاوريهم من الأحوال المأثورة ووقائع أيامهم المشهورة كقصة الفيل وحرب البسوس وحرب الفجار.
وصف الأرض: هو معرفة كل بقعة وما يجاورها وكيف يهتدي إليها.
ومن قرأ شعر العرب في نسيبهم واطلع على وصفهم وكيف كانوا يحددون الحقير منها بحدود قلما تحد به مملكة عظيمة عرف شدة حذقهم بمعرفة بلادهم.
الفراسة: هي الاستدلال بهيئة الإنسان وشكله ولونه وقوله على أخلاقه وفضائله ورزائله وقد نبغ فيها من العرب من لايحصى عددهم ولهم في ذلك نوادر شتى.
القيافة: ضرب من الفراسة وهي الاهتداء بآثار الأقدام على أربابها أو الاستدلال بهيئة الإنسان وأعضائه على نسبه فقد كانوا يميزون بين أثر الرجل
والمرأة والشيخ والشاب الأعمى والبصير والأحمق والكيس وإذا نظروا عدة أشخاص ألحقوا الابن بأبيه والأخ والقريب بقريبه وعرفوا الأجنبي من بينهم وممن اشتهر بالقيامفة (بنو مدلج وبنو لهب).
الكهانة والعرافة: وهما القضاء بالغيب وربما خصت الكهانة بالأمور المستقبلة والعرافة بالماضية وطريقهم في ذلك الاستدلال ببعض الحوادث الخالية على الحوادث الآتية لما بينهما من المشابهة الخفية: وللعرب في الكهان اعتقاد عريض لزعمهم أنهم يعلمون الغيب فيرفعون إليهم أمورهم للاستشارة ويستفسرهم عن الرؤى ويستطبونهم في أمراضهم وممن اشتهر من الكهان (شق أتمار وسطيح الذئبي) ومن الكواهن (طريفة الخير ولسمى الهمذانية) ومن العرافين (عراف نجد: الأبلق الأسدي، وعراف اليمامة رباح بن عجلة).
الزجر: وهو الاستدلال بأصوات الحيوان وحركاته وسائر أحواله على الحوادث بقوة الخيال والاسترسال فيه ومن أشهر الزجارين: بنو لهبر وأبو ذؤيب الهذلي ومرة الأسدي.
ومن العرب من لم يعبأ بالزجر وما شاكله كلبيد بن ربيعة القائل:
لعمرك ما تدري الطوراقُ بالحصىولا زاجراتُ الطير ما الله صانعُ
وكضابئ بن الحارث القائل:
وما عاجلاتُ الطير تدني من الفتىنجاحاً ولا عن ريثهنَّ يخيبُ
ورُبَّ أمورٍ لا تضيرك ضيرةوللقلب من مخشاتهنَّ وجيبُ
ولا خير فيمن لايوطّن نفسهعلى نائبات الدهر حين تنوبُ
النص من طبعة مؤسسة المعارف ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع