تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

النوع الثانى من الأخبار النبوية

فأما التشبيهات المفردة فهى كثيرة كقوله ﷺ كأن الموت فيها على غير ما كتب، وكأن الحق فيها على غير ما وجب، وكأن الذى تشيع من الأموات سفر، عما قليل إلينا راجعون، وقوله. كأنا مخلدون بعدهم، وقوله ﷺ: العلم الذى لا ينفق منه صاحبه كالكنز الذى لا ينفق منه وقوله ﵇. مثل أهل بيتى كسفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى، وقوله ﷺ: «أصحابى كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم

وقوله ﷺ: «المؤمنون كالبنيان يشد بعضه بعضا» وقوله ﵇: «المؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى عضو منه تداعى سائر أعضائه بالسهر والحمى» وقوله ﷺ: «الحياء من الإيمان كالرأس من الجسد» وقوله ﷺ «الناس كأسنان المشط فى الاستواء» وقوله ﷺ:

«مثل المنافق كالشاة العائرة بين الغنمين» وقوله: «مثل هذه الصلوات الخمس كمثل نهر جار على باب أحدكم ينغمس فيه كل يوم خمس مرات، ما عسى أن يبقى عليه من الدرن» وقوله ﷺ أمتى كالمطر، لا يدرى أوله خير أم آخره. وقوله ﵇: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له». وفى الحديث «كان رسول الله ﷺ إذا استبشر فكأن وجهه قطعة قمر». وفى الحديث عن النبى ﷺ أنه «كان إذا دخل رمضان كان أجود من الريح العاصف». وفى حديث آخر «كالريح العاصف» وقوله ﵇ فكأنكم بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل. وأما التشبيهات المركبة فهى كثيرة فى كلامه ﵇ كقوله: إنه لم يبق من الدنيا إلا كإناخة راكب أو صر حالب، لأن التقدير فيما هذا حاله إلا كراكب أناخ راحلته أو صر حالب، والصر: وضع الخيط على ثدى الناقة لئلا يرضعها ولدها، والمراد لم يبق من الدنيا فى القلة إلا مقدار صرة، لأنه عن قريب ينقضه للحلب. وكقوله ﵇: فكأن قد كشف القناع، وارتفع الارتياب، وتقرير وجه التشبيه أنه شبه وضوح الأمر فى الآخرة وتحقيق الحال فيها بشىء كان مغطى فكشف قناعه، فظهر حاله، وبان أمره واتضحت حقيقته. وأكثر ما ذكرناه فى أحاديث التشبيهات المفردة يمكن إيرادها فى المركبة وهذا كقوله: مثل الصلاة كمثل نهر جار، فإن هذا يمكن أن يكون من المركبة، لأن التركيب قد قررناه من قبل أن كل ما كان من وصفين أو أكثر من ذلك، فهو مركب.

فأنت إذا تصفحت ما ورد من الأحاديث، وجدت أكثرها مركبا. وأما التشبيهات التى أضمر فيها أداة التشبيه فهى واسعة أيضا وهذا كقوله ﵇: «إن من فى الدنيا ضيف وما فى يده عارية، والضيف مرتحل، والعارية مردودة» فالإضمار لأداة التشبيه فى هذا سهل متيسر من غير تكلف كأنه قال الناس كالضيف فى الدنيا لسرعة انتقالهم، وما فى أيديهم من الأموال عارية، وعن قريب ترد العارية، ويأخذها مالكها. ولا يكاد يخفى التشبيه على من له أدنى ذوق وفطانة وكقوله ﵇ «الدنيا دار التواء، لا دار انتواء، ومنزل ترح، لا منزل فرح» فأداة التشبيه يمكن إظهارها من غير تكلف، ولا تعسر كما ترى. وقد يخفى تقدير أداة التشبيه بعض خفاء فيحتاج إلى مزيد تفطن ومزيد خبرة ودقة

نظر، ومن هذا قوله ﵊ «ما سكن حب الدنيا قلب عبد إلا التاط منها بثلاث، شغل لا ينفك عناؤه، وفقر لا يدرك غناه، وأمل لا ينال منتهاه»، فانظر إلى ما اشتمل عليه هذا الكلام من بالغ الحكمة وعظيم الزجر ونافع الوعظ، وتلطف على تقرير التشبيه فيه بنوع احتيال وتلطف، كأنه قال إذا تمكن حب الدنيا من قلب العبد فكأنه الحال الساكن فيه، ثم إذا كان ساكنا فيه فهذه الخصال الثلاث كالملتاطة المختلطة لعظم شغفهم بها وتمكنها من سويداء قلوبهم. وقوله مادام رسنه مرخى، وحبله على غاربه ملقى، فهذا وأمثاله مما يدق تقرير الأداة فيه إلا بنوع تقدير كما أسلفنا تقريره.

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.