تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

تنبيه (٦)

اعلم أن أكثر علماء البيان على عد الكناية من أنواع المجاز خلافا لابن الخطيب الرازى، فإنه أنكر كونها مجازا، وزعم أن الكناية عبارة عن أن تذكر لفظة وتفيد بمعناها معنى ثانيا هو المقصود، فإذا كنت تفيد المقصود بمعنى اللفظ، وجب أن يكون معناه معتبرا فيما نقلت اللفظة إليه عن موضوعها. فلا يكون مجازا، ومثاله على زعمه أنك إذا قلت فلان كثير رماد القدر، فإنك تريد أن تجعل حقيقة كثرة الرماد دليلا على كونه جوادا، فأنت قد استعملت هذه اللفظة فى الأصلى وغرضك فى إفادة كونه كثير الرماد معنى يلزم الأول، وهو الكرم، فإذا وجب فى الكناية اعتبار معناها الأصلى لم يكن مجازا أصلا. هذا ملخص كلامه فى كتابه نهاية الإيجاز، وهو فاسد لأمرين، أما أولا فلأن حقيقة المجاز، ما دل على معنى، خلاف ما دل عليه بأصل وضعه، فى قوله تعالى: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ

فإن الحقيقة فى الملامسة هى مماسة الجسد للجسد، ودلالة المماسة على الجماع ليس بأصل الوضع، وهذه هى فائدة المجاز، وأما ثانيا فلأن الكناية قد دلت على معناها اللغوى الذى وضعت من أجله، فبعد ذلك لا يخلو حالها، إما أن تدل على معنى مخالف لما دلت عليه بالوضع أم لا، فإن لم تدل فلا معنى للكناية، وإن دلت عليه وجب القول بكونه مجازا، لما كان مخالفا لما دلت عليه بالوضع، والعجب من ابن الخطيب حيث أنكر كون الكناية مجازا،

واعترف بكون الاستعارة مجازا، وهما سيان فى أن كل واحد منهما دال على معنى يخالف ما دل عليه بأصل وضعه.

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.