من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
النوع الثانى فيما ورد من الكنايات فى الأخبار النبوية
فمن ذلك ما روى أن رجلا يقال له «أنجشة» غلام أسود وكان فى بعض أسفاره، فحدا بالإبل فطربت لحسن حدائه فأسرعت فى سيرها وعليها النساء فقال الرسول ﷺ ويحك يا أنجشة، سوقك بالقوارير. فهذه كناية لطيفة، وإنما كنى عنهن «بالقوارير» لأمور ثلاثة، أما أولا فلما هن عليه من حفظ الأجنة، والوعاء كالقارورة تحفظ ما فيها، وأما ثانيا فلاختصاصهن بالصفاء والصقالة، والحسن والنضارة، وأما ثالثا فلما فيهن من الرقة والمسارعة إلى التغير والانثلام، كما يتسارع الانكسار إلى القارورة لرقتها، وهذا الوجه هو الذى يومىء إليه كلام الرسول ﷺ حيث قال له. «رفقا بالقوارير» فى حديث غير هذا، ومن ذلك ما ورد عن الرسول ﷺ أنه قال: كانت امرأة ممن كان من قبلنا، وكان لها ابن عم يحبها فراودها على نفسها فامتنعت منه، فأصابتها سنة مجدبة فجاءت إليه تسأله فراودها فمكنته من نفسها، فلما قعد منها مقعد الخائن قالت له: اتق الله ولا تفضض الخاتم إلا بحقه، فقام وتركها، وهذه كناية قد وقعت موقعها فى اللطافة والرقة، وكنت بالخاتم عن بكارتها، وأنها بمنزلة الشىء المختوم الذى لم ينكسر ختمه، ومن ذلك قوله ﷺ لما جاءه رجل يشهد له بالزنا على نفسه، فقال له. لعلك لا تعرف الزنا، فقال له. والله يا رسول الله لقد غيبت ميلى فى مكحلتها كما يغيب الرشاء فى البئر، فكنى بالميل عن الذكر، وبالمكحلة عن فرج المرأة، ومن ذلك قوله ﷺ لخوّات بن جبير، وقد كان خوات كثيرا ما يرد على النساء فى مجامعهن فيقول: إن معى بعيرا شرودا فمن يفتل له منكن قيدا أقيده به، فكنى بالبعير عن ذكره، فقال له الرسول ﷺ يوما وقد لقيه: ياخوات ما فعل بعيرك الشارد، فقال يا رسول الله قيده
الإسلام، وإنما كنى بالبعير عن الذكر، لأن اشتداد الغلمة وعظم الشبق بمنزلة صعوبة الإبل، وشدة معالجتها، وعزة مراسها، فلهذا قرره الرسول ﷺ على تلك الكناية لما ذكرناه. ومن ذلك قوله ﷺ فى غزوة «بدر» حين رأى أهل مكة يصوبون من العقنقل يريدون لقاءه للحرب قال: «هذه مكة قد ألقت إليكم بأفلاذ كبدها يريدون أن يحادوا الله ورسوله» فكنى بقوله «أفلاذ كبدها» عن الرؤساء والأكابر، لأن الكبد من أعز أعضاء الإنسان، ويضاف إليها ضيق الإنسان وحزنه، وفرحه وغمه، وأفلاذها قطعها، فكنى بها عنهم. ومن ذلك ما يحكى عن بديل بن ورقاء الخزاعى وقد جاء إلى الرسول ﷺ فى عام الحديبية، حين نزل على الركية فى نفر من قومه من تهامة، فقال:
أتى ركب كعب بن لؤى وعامر بن لؤى، نزلوا على مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقوله «العوذ المطافيل» جعلها كناية عن النساء والصبيان، والعوذ جمع عائذ، وهى الناقة التى قوى ولدها «والمطافيل» جمع مطفل، وهى الناقة التى معها ولدها لقرب عهدها بالنتاج، ويجوز حمل هذا على حقيقته، أى الأموال الكريمة التى تكون قواما لهم فى الحرب، وعونا لهم عليها، ومن ذلك قوله ﷺ لما قال له عمر: يا رسول الله هلكت، فقال: وما أهلكت؟ فقال حولت رحلى البارحة، فقال له الرسول ﷺ أقبل وأدبر واتق الدبر، والحيضة. فكنى عمر بقوله «حولت رحلى» عن أنه أتى امرأته من جهة دبرها، فجعل تحويل الرحل كناية عن ذلك، لأن المرأة للرجل بمنزلة الناقة، يأتيها فى الركوب من أى جوانبها شاء، فهكذا حال المرأة، ومن ذلك قوله ﷺ «إياكم وخضراء الدمن» وهذا تحذير، وكنى بقوله «خضراء الدمن» عن المرأة الحسناء فى المنبت السوء، وإنما كنى بذلك عنها، لما فيه من المناسبة لأمرين، أما أولا فلأن أول عشرتها يكون حسنا موافقا، ومن بعد ذلك تعود إلى الفساد والرداءة، كزرع المزابل، فإنه يعجب أولا ثم يذبل ويجف ويزول على القرب، وأما ثانيا فلأن غضارتها ورونقها قليلة، وعن قريب وقد صارت مقحلة ذات ذبول. ومن ذلك قوله ﷺ لجابر حين سايره من مكة إلى المدينة، وقد سأله عمن نكح، هل بكرا أم ثيبا، فقال له «إذا قدمت فالكيس الكيس» كنى بالكيس عن حسن الشمائل فى الوقاع ولطيف المعاشرة عنده، والإقلال منه، ولنقتصر على هذا القدر من الكنايات ففيه كفاية وتنبيه بالأقل على الأكثر.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع