تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

الصورة الثالثة فى [تقديم الظرف وتأخيره]

اعلم أن الظرف لا يخلو حاله إما أن يكون واردا فى الإثبات، أو يكون واردا فى النفى، فإذا ورد فى الإثبات فتقديمه على عامله إنما يكون لغرض لا يحصل مع تأخيره فلا جرم التزم تقديمه؛ لأن فى تأخيره إبطالا لذلك الغرض، ثم هو على وجهين؛ أحدهما أن يكون

واردا دلالة على الاختصاص، وهذا كقوله تعالى: أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ

لأن المعنى أن الله تعالى مختص بصيرورة الأمور إليه دون غيره، ونحو قوله تعالى: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ

وقوله تعالى: لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

فهذه الظروف لا وجه لتقديمها على عاملها إلا ما ذكرناه من الاختصاص، وثانيهما أن يكون تقديمه من أجل مراعاة المشاكلة لرءوس الآى فى التسجيع، وهذا كقوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ

ليطابق قوله: باسِرَةٌ

فاقِرَةٌ

[القيامة:

] ونحو قوله وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ

وقوله تعالى: إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ

ليطابق قوله: بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ

ومثل قوله تعالى: وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ

، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ

فهذا وأمثاله إنما قدم ليس من جهة الاختصاص، وإنما كان من أجل ما ذكرناه من المطابقة اللفظية فى تناسب الآى وتشاكلها، وقد يظن الظان أن تقديم الظرف إنما يكون مقصورا على الاختصاص، وليس الأمر كما ظنه كما حققناه، بل كما يحتمل المشاكلة كما أشرنا إليه فهو يحتمل الاختصاص، فهما محتملان كما ترى، والتحكم بأحدهما لا وجه له، وأما إذا كان واردا فى النفى فقد يرد مقدما، وقد يرد مؤخرا، فإذا ورد مؤخرا أفاد النفى مطلقا من غير تفصيل، وهذا كقوله تعالى: لا رَيْبَ فِيهِ

فإنه قصد أنه لا يلصق به الريب ولا يخالطه، لأن النفى التصق بالريب نفسه، فلا جرم كان منتفيا من أصله، بخلاف ما لو قدم الظرف فإنه يفيد أنه مخالف لغيره من الكتب فإنه ليس فيه ريب، بل فى غيره كما لو قلت: لا عيب فى هذا السيف، فإنه نفى العيب عنه على جهة الإطلاق، بخلاف ما لو قلت: هذا السيف لا فيه عيب، ولهذا أخره ههنا وقدمه فى قوله تعالى: لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ

لأن القصد ههنا تفضيلها على غيرها من خمور الدنيا والمعنى أنه ليس فيها ما فى غيرها من الغول، وهو الخمار الذى يصدع الرءوس، أو يريد أنها لا تغتالهم بإذهاب عقولهم كما فى خمور الدنيا وَلا يُنْزِفُونَ

أى لا يسكرون، من الإنزاف وهو السكر.

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.