من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
الفصل السابع فى بيان [الالتفات]
اعلم أن الالتفات من أجل علوم البلاغة وهو أمير جنودها، والواسطة فى قلائدها وعقودها، وسمى بذلك أخذا له من التفات الإنسان يمينا وشمالا، فتارة يقبل بوجهه وتارة كذا، وتارة كذا، فهكذا حال هذا النوع من علم المعانى، فإنه فى الكلام ينتقل من صيغة إلى صيغة، ومن خطاب إلى غيبة، ومن غيبة إلى خطاب إلى غير ذلك من أنواع الالتفات، كما سنوضحه، وقد يلقب بشجاعة العربية، والسبب فى تلقيبه بذلك، هو أن الشجاعة هى الإقدام، والرجل إذا كان شجاعا فإنه يرد الموارد الصعبة، ويقتحم الورط العظيمة حيث لا يردها غيره، ولا يقتحمها سواه، ولا شك أن الالتفات مخصوص بهذه اللغة العربية دون غيرها، ومعناه فى مصطلح علماء البلاغة، هو العدول من أسلوب فى الكلام إلى أسلوب آخر مخالف للأول، وهذا أحسن من قولنا: هو العدول من غيبة إلى خطاب، ومن خطاب إلى غيبة؛ لأن الأول يعم سائر الالتفاتات كلها، والحد الثانى إنما هو مقصور، على الغيبة والخطاب لا غير، ولا شك أن الالتفات قد يكون من الماضى إلى المضارع، وقد يكون على عكس ذلك، فلهذا كان الحد الأول هو أقوى دون غيره، فإذا عرفت هذا فاعلم أن لعلماء البلاغة فى الوجه الذى لأجله دخل الالتفات فى الكلام أقوالا ثلاثة، فالقول الأول وهو الذى عول عليه ابن الأثير، وحاصل ما قاله هو أنه لا يختص بضابط يجمعه، ولكنه يكون على حسب مواقعه فى البلاغة، وموارده فى الخطاب، وآل كلامه إلى أن الناظر إنما يعرف حسن مواقع الالتفات إذا نظر فى كل موضع يكون فيه الالتفات، فيعرف قدر بلاغته بالإضافة إلى ذلك الموقع بعينه، فأما أن يكون مضبوطا بضابط واحد فلا وجه له، هذا ملخص كلامه بعد حذف أكثر فضلاته.
القول الثانى محكى عن بعض من خاض فى علوم البيان، وتقرير ما قاله: هو أن ذلك من عادة العرب وأساليبها فى الكلام، وزيّف ابن الأثير هذه المقالة، وقال هذا التعليل هو مثل عكاز العميان، وأراد بما قاله من عكّاز العميان، هو أن عكاز الأعمى لا يسئل عن علة حاجته إليه، فإن علة حاجته إليه ظاهرة لا تحتاج إلى بيان وكشف، فكذا ما قالوه من تعليل ورود الالتفات بكونه أسلوبا من أساليب الكلام، فإن كونه أسلوبا من أساليب الكلام ظاهر لا يحتاج إلى بيان، وهو لعمرى كما قاله، فإن كلامه لا فائدة فيه.
القول الثالث محكى عن الزمخشرى، وحاصل مقالته هو أن ورود الالتفات فى الكلام إنما يكون إيقاظا للسامع عن الغفلة، وتطريبا له بنقله من خطاب إلى خطاب آخر، فإن السامع ربما ملّ من أسلوب فينقله إلى أسلوب آخر، تنشيطا له فى الاستماع، واستمالة له فى الإصغاء إلى ما يقوله، وما ذكره الزمخشرى لا غبار على وجهه، وهو قول سديد يشير إلى مقاصد البلاغة، ويعتضد بتصرف أهل الخطاب، ومن مارس طرفا من علوم الفصاحة لاح له على القرب، أن ما قاله الزمخشرى قوى من جهة النظر، يدرى كنهه النظّار، ويتقاعد عن فهمه الأغمار، وقد زعم ابن الأثير ردا لكلام الزمخشرى بوجهين، أحدهما أنه قال إنما جاز الالتفات من أجل التنشيط للسامع، واعترضه بأن الكلام لو كان فصيحا لم يكن مملولا، وهذا خطأ وجهل بمقاصد البلاغة، فإن مثل هذا لا يزيل فصاحة الكلام، ولا ينقص من بلاغته، ولهذا فإنه لو ترك فيه الالتفات فإنه باق على الفصاحة، ولكن الغرض أن خروجه من أسلوب الخطاب إلى الغيبة، يزيد فى البلاغة ويحسّنها، ويكون الخطاب مع ما ذكرناه أوقع وأكشف عن المراد وأرفع. وثانيهما قوله: إن ما قاله الزمخشرى إنما يوجد فى الكلام المطول، والالتفات كما يستعمل فى الطويل فهو يستعمل فى القصير، وهذا فاسد أيضا فإن الزمخشرى لم يشترط التطويل فى حسن الالتفات، فينتقض بما ذكرته، وإنما أراد تحصيل الإيقاظ وازدياد النشاط بذكر الالتفات، وهذا حاصل فى الكلام سواء كان طويلا أو قصيرا، فإذن لا وجه لكلام ابن الأثير على ما قصده الزمخشرى وانتحاه، ومن العجب أنه شنّع فيما أورده على الزمخشرى وقال: كيف ذهب عنه معرفته مع إحاطته بفن البلاغة والفصاحة، وما درى أن ما قاله خير مما أتى به ابن الأثير، فإن ما أراده الزمخشرى معنى يليق بالبلاغة، ويزيدها قوة، وما ذكره ابن الأثير رد إلى عماية، وقول ليس له حاصل، ولا يدرك له نهاية، وما عابه إلا لأنه لم يطلع على أغواره، ولا أحاط بكنهه، ودقيق أسراره، ولقد صدق من قال:
وكم من عائب قولا سليماوآفته من الفهم السقيم
وإذا تم ما ذكرناه فلنرجع إلى تقرير الالتفات وتقرير أساسه، فنقول الالتفات يرد على أضرب ثلاثة:
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع