من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
الوجه الأول ما يرد من الإطناب على جهة الحقيقة
وهذا كقولنا: رأيته بعينى، وقبضته بيدى، ووطئته بقدمى وذقته بلسانى إلى غير ذلك من تعليق هذه الأفعال بما ذكرناه من الأدوات وقد يظن الظان أن التعليق بهذه الآلات إنما هو لغو لا حاجة إليه، فإن تلك الأفعال لا تفعل إلا بها، وليس الأمر كما ظن بل هذا إنما يقال فى كل شىء يعظم مناله ويعز الوصول إليه، فيؤتى بذكر هذه الأدوات على جهة الإطناب دلالة على نيله، وأن حصوله غير متعذر، وعلى هذا ورد قوله تعالى: ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ
وقوله تعالى: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ
لأن هذه الآيات إنما وردت فى شأن الإفك وفى جعل الزوجات أمهات، وفى جعل الأدعياء أبناء، فأعظم الله الرد والإنكار فى ذلك بقوله: وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ
على أهل الإفك فى الرمى بفاحشة الزنا لمن هى ظاهرة والعفاف والستر وبقوله: ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ
على من قال لزوجته هى عليه كظهر أمه، أو لمن قال لمملوكه يا بنى فبالغ فى الرد بهذه المقالة والنكير
عليها عن أن تكون الزوجة أمّا، والعبد ابنا وأن مثل هذا يكون محالا، وهو أن يجمع بين الزوجية والأمومة وبين النبوّة والعبودية.
ومن هذا قوله تعالى: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ
فقد علم أن القلب لا يكون إلا فى الجوف ولكن الغرض المبالغة فى الإنكار بأن يكون للإنسان قلبان، أكّد ذلك بقوله فى جوفه، ومن هذا قوله تعالى: فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ
فإن المعلوم من حال السقف أنه لا يكون إلا من فوق، وإنما الغرض المبالغة فى الترهيب والتخويف والإنكار والرد كما أشار إليه: بقوله قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ
يعنى بالخراب والهدم فخر عليهم السقف من فوقهم، تشديدا فى الأمر، وتهويلا لهم، وإعظاما لحاله وهكذا قوله تعالى فى سورة الحاقة نَفْخَةٌ واحِدَةٌ
فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً
فإن التاء مؤذنة بالوحدة، ولكنه أتى بالصفة على جهة المبالغة بالإطناب فى فخامة الأمر وعظمه، فأما قوله تعالى: وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى
فليس هذا من باب الإطناب بالتأكيد، وإنما هو من أجل مراعاة سجع الآى، فإنها من أول السورة على الألف، فلأجل هذا قال «الثالثة الأخرى» مراعاة لما ذكرناه.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع