من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
القاعدة الثالثة [مراعاة أحوال التأليف بين الألفاظ المفردة، والجمل المركبة]
يجب مراعاة أحوال التأليف بين الألفاظ المفردة، والجمل المركبة، حتى تكون أجزاء الكلام متلائمة آخذا بعضها بأعناق بعض، وعند ذلك يقوى الارتباط، ويصفو جوهر نظام التأليف، ويصير حاله بمنزلة البناء المحكم المرصوص المتلائم الأجزاء، أو كالعقد من الدر فصلت أسماطه بالجواهر واللآلىء، فخلص على أتم تأليف، وأرشق نظام، ولنضرب فى ذلك مثالين:
المثال الأول فى المدح وهذا كقول البحترى:
بلونا ضرائب من قد مضىفما إن رأينا لفتح ضريبا
هو المرء أبدت له الحادثات عزما وشيكا ورأيا صليبا
تنقّل فى خلقى سؤددسماحا مرجّى وبأسا مهيبا
فكالسيف إن جئته صارخاوكالبحر إن جئته مستثيبا
فانظر إلى إجادته فى تأليف هذه الكلمات التى صارت كالأصباغ التى يعمل منها
النقوش، فما أحسن موقع قوله هو المرء، كأنه قال «فتح» هو الرجل الكامل فى الرجولية، ثم تأمل إلى تنكيره السؤدد وإضافة الخلقين إليه، ثم عقّبه بقوله: فكالسيف، فلقد أجاد فى التشبيه وأحسن فى صوغه «وليس كلّ آذان تسمع القيل» فليس إذا راق التنكير فى موضع يروق فى كل موضع، بل ذاك على حسب الانتظام، ومأخذ السياق يفوق ويزداد إعجابا وحسنا، فأنت إذا فكرت فى هذه الأبيات وجدتها قد اشتملت على نهاية المدح مع ما حازته من جودة السبك وحسن الرصف فى أسهل مأخذ وأعجبه، وهكذا يكون الإعجاب فى القلة والكثرة بحسب ما ذكرناه.
المثال الثانى فى الذم وهذا كقول الشاعر:
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهمقالوا لأمّهم بولى على النار
فتأليف هذا البيت مشتمل على نهاية الهجاء حتى لا تكاد لفظة من ألفاظه إلا ولها حظ فى الذم والنقص لهؤلاء، فقوله «قوم» هو مخصوص بالرجال، وفيه دلالة على أنهم أعراب جفاة ليس لهم ثروة ولا تمكن فلا يألفون شيئا من مكارم الأخلاق، ثم إنه أتى «بإذا» التى تؤذن بالشرط المؤقت المعينّ، ليدل به على أن الأضياف لا يعتادونهم إلا فى الأوقات القليلة، ثم إنه عقبه بسين الاستفعال لتوذن أن كلبهم ليس من عادته النّباح، وإنما يقع منه ذلك على جهة الندرة لإنكاره للضيف، وأنه لا عهد له بهم، ثم جاء بالأضياف على جمع القلة، لما كانوا لا يقصدهم إلا نفر، قليل، ثم عرّفه باللام إشارة إلى أنهم قوم معهودون لا يقصدهم كل أحد، وفيه دلالة أيضا على أن كلبهم لا ينبح إلا بالاستنباح لهزاله وقلة قوته من الجوع والضعف، ثم أفرد الكلب ليدل على أنهم لا يملكون سواه لحقارة الحال، وكثرة الفقر، ثم إنه أضاف الكلب إليهم استحقارا لحالهم، ثم إنه أتى بقالوا، ليعرف من حالهم أنهم لا خادم لهم يقوم مقامهم فى ذلك، وأنهم يباشرون حوائجهم بأنفسهم، ثم جعل القول منهم مباشرة لأمهم، ليدل على أنه لم يكن هناك من يخلفها من خادمة وغيرها فى إطفاء النار، فأقام أمهم مقام الأمة والخادمة فى قضاء الحوائج لهم، ولم يشرّفوها عن ذلك، ثم جعلهم قائلين لما يستنكر من لفظ البول لأن ذكره يشعر بذكر مخرجه من العورة فى حق الأم فلم يكن هناك حشمة لهم ولا مروءة فى إضافة ما أضيف إليها من ذلك، ثم
قال على النار، فيه دلالة على ضعف نارهم لقلة زادهم، وأنه يطفئها بولة، وأنها إنما أمرت بذلك، كى لا يهتدى الأضياف إليهم ولا يعرفوا مكانهم، ثم أتى بلفظة على، ولم يقل فوق النار، ليدل بحرف الاستعلاء على أنها قصدت حقيقة الاستعلاء بالبول قائمة من غير مبالاة فى التستر ولا مروءة فى تغطية العورة، فقد وضح لك بما قررناه أن التأليف هو العمدة العظمى والقانون الأكبر فى حسن المعانى وعظم شأنها وفخامة أمرها، ومن الأمثلة الرائقة ما يؤثر عن أمير المؤمنين قاله فى أول خلافته: «إن الله سبحانه أنزل كتابا هاديا بين فيه الخير والشرّ، فخذوا نهج الخير تهتدوا، واصدفوا عن سمت الشرّ تقصدوا، الفرائض الفرائض، أدّوها إلى الله تؤدّكم إلى الجنّة، إن الله تعالى حرّم حراما غير مجهول، وفضّل حرمة المسلم على الحرم كلها، وشدّ بالإخلاص والتوحيد حقوق المسلمين فى معاقدها، فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده إلا بالحق، ولا يحل أذى المسلم إلا بما يجب، بادروا أمر العامة، وخاصة أحدكم وهو الموت فإن الناس أمامكم وإن الساعة تحدوكم من خلفكم، تخففوا تلحقوا، فإنما ينتظر بأوّلكم آخركم، اتقوا الله فى عباده وبلاده، فإنكم مسئولون حتى عن البقاع والبهائم، وأطيعوا الله ولا تعصوه، وإذا رأيتم الخير فخذوا به، وإذا رأيتم الشر فأعرضوا عنه». فلينظر الناظر ما اشتمل عليه هذا الكلام من حسن التأليف وبديع التصريف، وليلحظ ما تضمنه قوله: تخففوا تلحقوا، بعين البصيرة وما اشتمل عليه من بلاغة المعانى وجزالة الألفاظ، وإنه لكلام من استوى على عرش البلاغة واستولى، ودل بالإرشاد على مصالح الدين والدنيا، فعليك بمراعاة جانب التأليف فإنه القطب الذى تدور عليه أرحية البلاغة، ولا سبيل إلى جذبه بزمامه، والاستيلاء على كماله وتمامه، إلا بعد إحراز فصول تكون محتوية على أسراره، ومستولية على المقصود منه.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع