تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

الصورة الثالثة [همزة الاستفهام]

وتختلف معانيها بحسب اختلاف مواقعها، فمن وجه الاستفهام أن تستفهم عما تكون شاكا فيه، فإذا وليت الهمزة الأسماء فالشك يكون فى الفاعل، فتقول: أأنت فعلت هذا، إذا كان الشك فى الفاعل من هو، فإذا قلت: أأنت كتبت هذا الكتاب، كنت غير شاك فى الكتب نفسه، وإنما وقع الشك فى الكاتب، وتقول: أأنت قلت شعرا لمن تحقق قول الشعر، وإنما وقع شكه فى قائله، قال الله تعالى: أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ

فلم يقع شكهم فى الفعل أصلا، وإنما وقع فى الفاعل، ولهذا كان جواب إبراهيم بذكر الفاعل مطابقا لما قالوه من ذلك، وهكذا قوله تعالى: لعيسى ﵇ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ

على جهة التقرير من جهة الفاعل، وإن وليت الفعل كان الشك واقعا فيه كقولك:

أخرجت من الدار؟ وأقلت شعرا؟ فالاستفهام إنما وقع فى الفعل كما ترى، ولهذا كان جوابه «بنعم أو لا» وهذا كله إن كان الواقع ماضيا، فأما إذا كان مضارعا فهو على وجهين، الوجه الأول منهما أن يكون للحال، ثم إما أن تكون الجملة مصدّرة بالفعل أو بالاسم، فإن صدّرت الجملة بالفعل، ومثاله أن تقول لمن هو مشتغل بالفعل أتفعل هذا، ويكون المعنى معه أنك أردت أن تنبيهه على فعل وهو يفعله موهما أنه لا يعلم كنه حقيقة وجوده وأنه جاهل به، وإن كانت الجملة مصدرة بالاسم كقولك: أأنت تفعل هذا، يكون المعنى فيه أنك تكون مقرا له بأنه هو الفاعل، وكان وجود ذلك الفعل ظاهرا لا يحتاج إلى الإقرار بأنه كائن وموجود، هذا كله إذا كان الفعل المضارع للحال ومنه قول الشاعر:

أيقتلنى والمشرفى مضاجعىومسنونة زرق كأنياب أغوال
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

كأنه أراد تكذيبه وأنه لا يقدر على ما قاله ولا يستطيعه.

الوجه الثانى أن يكون للاستقبال ثم إما أن تكون الجملة مصدرة بالفعل كقولك:

أتفعل هذا فى أمر مستقبل، ويكون معناه إنكار الفعل نفسه، وتزعم أنه غير كائن، وأنه لا ينبغى أن يكون أبدا، وإما أن تكون مصدرة بالاسم كقولك: أأنت تفعل كذا وأنت موجه الإنكار إلى الفاعل أى أنه لا يتأتى منه ذلك الفعل ولا يستطيعه، ويوضحه أنك إذا قلت:

أأنت تمنعنى عن الفعل، كنت منكرا منعه وأنه غير قادر وإنما يقدر على ذلك غيره قال:

أأترك إن قلّت دراهم خالدزيارته؟ إنّى إذن للئيم
للشاعر عمارة بن عقيل، اقرأ القصيدة

هكذا قرّر علماء البيان دخول الهمزة على هذه الأوجه كما ترى.

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.