تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

الصنف الثانى ما يتعلق بالأفعال

وأكثرها متعلق بعلوم الإعراب، فلا حاجة بنا إلى ذكره، وإنما نذكر منها صورة واحدة وهى لفظة «كاد» وهى موضوعة للمقاربة دالة عليها، وقد وقع

فيها خلاف بين النحاة، فمن قائل إنها كالأفعال فتكون فى الإثبات إثباتا، وفى النفى نفيا، ومن قائل إنها تخالف الأفعال، فتكون فى الإثبات للنفى وفى النفى للإثبات، وصار صائرون إلى التفرقة، فتكون فى الماضى إذا نفى للإثبات، وفى المستقبل كالأفعال، تمسّكا بقوله تعالى: وَما كادُوا يَفْعَلُونَ

وقد فعلوا، والمختار أنها جارية على حكم الأفعال فى النفى والإثبات، فإذا قلت: ما كاد يفعل، فالغرض أنه لم يفعل ولا قارب الفعل، وإذا قيل: يكاد يفعل، فالمراد من ذلك أنه قارب فعله ولم يفعله، فتجدها مطابقة للأفعال فى نفيها وإثباتها، فأما ما قاله ذو الرمة فى قصيدته الحائية:

إذا غيّر النأى المحبين لم يكدرسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أمنزلتي مي سلام عليكما علي»

فإنه يحكى أنه لما أنشد هذا البيت، ناداه ابن شبرمة ياغيلان أراه الآن قد برح، فشنق ناقته، وجعل يتأخر بها ويفكر ثم قال:

إذا غيّر النأى المحبين لم أجدرسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أمنزلتي مي سلام عليكما علي»

قال عنبسة فحكيت لأبى القصة فقال أخطأ ابن شبرمة حين أنكر على ذى الرمة، وأخطأ ذو الرمة، حيث غيّر شعره لقول ابن شبرمة، إنما هذا كقول الله تعالى: ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها

والمعنى أنه لم يرها ولم يقارب رؤيتها، وهكذا القول فى جميع مواردها يكون وضعها على هذا الوضع من غير مخالفة للأفعال.

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.