من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
الصورة الرابعة فى [حروف النفى وهى ما، ولن، ولا، ولم]
واعلم أن لحروف النفى تعلقا بالبلاغة لما يلحقها من الأسرار القرآنية والمعانى الشعرية بحسب مواقعها ومواردها لها بالإضافة إلى الأزمنة التى تدخل عليها ثلاث حالات:
الحالة الأولى أن تكون داخلة على الفعل لنفى الأزمنة الماضية وهذا نحو قولنا: لم، ولما، فإنهما موضوعان من أجل نفى الماضى، خلا أنّ «لمّا» مفارقة «للم» من وجهين، أما أولا فلأن «لم» لنفى فعل ليس معه قد، «ولما» لنفى فعل معه قد، فلم لنفى قولنا: فعل فتقول فى جوابه لم يفعل، وأما ثانيا فلأن نفى «لما» أبلغ من نفى لم، ولهذا فإنك تقول: ندم ولم ينفعه الندم، أى نفى ندمه وتقول ندم ولما ينفعه الندم أى إلى وقته، فحصل من هذا أن نفى «لمّا» أبلغ من نفى «لم» لما قررناه والسبب فى ذلك أن «لما» أنفس فى حروفها من «لم» فلا جرم حصلت المبالغة فيها من أجل ذلك.
الحالة الثانية أن تكون داخلة لنفى الحال وهى «ما» فتقول ما يفعل زيد، وما زيد منطلقا ومنطلق، فالرفع لغة بنى تميم، والنصب فى الخبر لغة أهل الحجاز، وهى فى جميع مداخلها لنفى الحال سواء كان دخولها على الفعل، أو على الاسم رافعة للخبر أو ناصبة له، ومصداق كونها واردة فى أصل وضعها لنفى الحال، امتناع قولنا: إن تكرمنى ما أكرمك، لأن الشرط للاستقبال، فلو كانت لنفى المستقبل لجاز ذلك كما جاز فى نحو لن أكرمك إن
أكرمتنى لما كانت مطابقة للشرط فى صلاحية الاستقبال، فإن وردت لنفى المستقبل فإنما هى على المجاز، والحقيقة ما ذكرناه من نفى الحال، واستغراق الكلام فى أسرارها إنما يليق بالمقاصد الإعرابية وفيما ذكرناه غنية فيما نريده ههنا.
الحالة الثالثة «لا» و «لن» وهما موضوعان لنفى الأزمنة المستقبلة، فإن استعملا فى غير الأزمنة فإنما يكون على جهة المجاز والاستعارة، فيشتركان جميعا فى كونهما دالتين على النفى مطلقا، وفى كونهما لنفى الأزمنة المستقبلة، وهذا لا يقع فيه خلاف بين أئمة الأدب من أهل اللغة والنحاة فى وضعهما حقيقة لما ذكرناه، وإنما يفترقان من جهة أن «لن» آكد من «لا» فى نفى المستقبل مطلقا، قال الزمخشرى فيما عمله فى مفصله و «لن» للنفى لتأكيد ما يعطيه «لا» من نفى المستقبل، وأراد بما قاله أن «لن» فى النفى مرشدة إلى التأكيد، وأن نفيها أبلغ من نفى «لا» ولهذا جاءت على أنها معطية لما أعطته «لا» مع زيادة بلاغة فى تلك الفائدة التى أدتها «لا» ويقوى ما ذكره الشيخ من طرق ثلاثة.
الطريق الأول قوله تعالى فى آية: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
فنفى الإدراك عن ذاته على جهة العموم فى الأزمنة المستقبلة، فلما أراد المبالغة فى النفى بأبلغ من ذلك قال جوابا لسؤال موسى حيث قال رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي
فأتى بالجواب على جهة المبالغة بقطع الرجاء وحسما لمادة الطمع والتشويق إلى ذلك لأحد، ويؤيد كونه واردا على جهة المبالغة، هو أنه عقبه بالتعليق على أمر محال حيث قال وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ
الآية فتعقيبه بالمحال عقيب ما قرره من المبالغة بالنفى فيه دلالة قاطعة على ما ذكرناه من مقالة الشيخ بلا مرية.
الطريق الثانى قوله تعالى فى آية: قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
ثم قال وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً
فجاء فى الجواب ههنا بلا، وقال فى آية أخرى قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
ثم قال فى هذه الآية وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً
فجاء فى الأولى «بلا» وجاء فى الثانية «بلن» لأنه لما لوحظ فى الثانية معنى البلاغة من جهة أنه أكده، بلكم، على جهة الملك والاختصاص من بين سائر الناس ووصف الدار بكونها آخرة مبالغة فى أمرها وإيضاحا لشأنها، وقرره بقوله «عند الله» إيضاحا للأمر أيضا ثم قال «خالصة» يعنى مختصين بها
دون غيركم، وهكذا قوله مِنْ دُونِ النَّاسِ
فيه نهاية الاختصاص، فلما حصل تأكيد هذا الخطاب بهذه الأنواع من التوكيد، أتى بالنفى «بلن» لما بالغ فى إتيانه بالغ فى نفيه «بلن» وهذا كله دال على كونها موضوعة للمبالغة.
الطريق الثالث هو أنه بالغ فى ما نفى «بلن» بأن أكّده بقوله «أبدا» وفى هذا أعظم دلالة على أن وضعها للمبالغة فى النفى، فهذه الطرق الثلاث كلها مقررة لما ذكره الشيخ من أن «لن» لتأكيد ما تعطيه «لا» من نفى المستقبل، فأما ابن الخطيب أبو المكارم صاحب التبيان فقد يتلكأ فى قبول ما ذكرناه، وزعم أن الأمر على العكس مما أوردناه، وأن النفى «بلا» آكد من النفى «بلن» وقال: إن الزمخشرى إنما ذهب إلى هذه المقالة بناء على مذهبه فى الاعتزال، من نفى الرؤية واستحالتها على الله تعالى، وهذا خطأ منه، فإنا قد دللنا على كون «لن» دالة على مبالغة النفى بها فى الأزمنة المستقبلة، ومن العجب أنه قال: إنما صار الزمخشرى إلى ما حكيناه عنه لأجل الاعتزال، فليس الأمر كما زعمه، وإنما صار إليه للدليل الواضح من جهة نص الأدباء واستعمال أهل اللغة على ذلك، ومما يؤيد ما ذكرناه ويوضحه هو أن الله تعالى لما نفى «بلا» إدراك الأبصار عن ذاته بقوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
أى المبصرون بالأبصار على جهة العموم والاستغراق فى الأزمنة المستقبلة من غير مبالغة هناك وقال ردا لسؤال موسى حيث قال رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي
«فجاء بهذه اللفظة قطعا لطمع الرؤية وإحالة لها بكونه أجابه بما يفيد الاستغراق والتأبيد، واستقصاء الكلام فى استحالة الرؤية من الأدلة النقلية يليق بالعلوم الدينية وقد أشرنا إليها فى كتاب «النهاية» وبالله التوفيق.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع