تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

الصورة الخامسة [ «لو» ]

ووضعها فى الشرط للماضى كما كانت «إن» شرطا فى المستقبل خلافا للفراء فإنه زعم أنها شرط فى المستقبل كإن، وتطلب فعلين تعلق الثانى منهما بالأول تعليق المسبب بالسبب، فإن كانا منفيين لفظا فهما مثبتان من جهة المعنى، وإن كانا مثبتين لفظا فهما منفيان من جهة المعنى، وإن كان الأول مثبتا والثانى منفيا، أو بالعكس فهما فى المعنى على المناقضة من لفظهما: لا يقال: فإذا كان الأمر كما قلتموه فى «لو» فكيف يمكن تنزيل الحديث النبوى الوارد فى حق «صهيب» فى قوله ﵇ «نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه» فإنه إذا كان الأمر على ما قررتموه فى «لو» كان حاصله أنه خاف الله فعصاه،

وهذا يفيد أن يكون الخوف سببا فى المعصية، والحقيقة على خلاف ذلك: لأنا نقول: أما القانون المعتبر فى «لو» والجارى على الاطراد فهو ما ذكرناه، فإذا ورد ما يخالفه، وجب تأويله على ما يوافق مجراه وله تأويلات ثلاثة، التأويل الأول أن جريها على ما ذكرناه من الأوجه الأربعة هو المطرد لكن قد يعرض من ذلك بسبب القرائن ما يوجب كون النفى باقيا على حاله من إفادته للنفى، وللقرائن تأثير عظيم فى تغيير الألفاظ فى العموم، والخصوص، والحقائق، والمجازات، وعلى هذا يكون المعنى فى الخبر أن الله تعالى: خصه بطهارة فى باطنه وقوة فى عزيمته بحيث إنه لو انتفى الخوف عن قلبه فإنه لا يلابس معصية، فكيف به وقد حصل فى أرفع مكان من الخوف وأعلاه، وعلى هذا يكون النفى على حاله من غير تقرير كونه ثابتا من أجل القرينة وهذا كقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ

فظاهر الآية دال على ثبوت النفاد لكلمات الله تعالى؛ لأنه منفى فى ضمن «لو» فلهذا لم يكن بد من بقائه على حاله لأجل القرينة كما ذكرناه فى مسئلة صهيب، والله أعلم.

التأويل الثانى أن «لو» وضعها للتقدير، والتقدير هو أن يعطى الموجود معنى المعدوم أو المعدوم معنى الموجود كما فى قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا

فإنه قدر وجود الآلهة ثم رتب على وجودهم الفساد، فإذا تمهدت هذه القاعدة فاعلم أنه قد يؤتى بها لقصد الإثبات للحكم على تقدير لا يناسب الحكم ليفيد ثبوت الحكم على خلاف الذى فيه مناسبة ويكون ذلك من طريق الأولى، فيعلم ثبوت الحكم مطلقا، فيجب تنزيل مسئلة «صهيب» على هذا، فإنه إذا لم يخف الله لم يصدر منه عصيان، لما أعطاه الله تعالى من تزكية النفس، وطهارة القلب، فكيف به وقد استمسك بالعروة الوثقى من الخوف، فعلى هذا يكون انتفاء العصيان أولى وأحق، ومثاله قوله تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ

فعلى هذا يجب تنزيل معنى الآية على ما قررناه من قبل، فيكون التقدير فيها لو فهّمهم الله تعالى: لما أجدى فى حقهم التفهيم، لما اختصوا به من التمرّد والعناد فكيف حالهم وقد سلبهم القوة الفاهمة، فيكون مع هذا أبلغ فى انتفاء الفهم وأدخل فى عدم القبول والهداية لا محالة،

وتقول لألزمنّ صحبتك ولو أقصيتنى ولأشكرنك ولو لم تعطنى، إلى غير ذلك من الأمثلة، وكقول امرىء القيس:

فقلت يمين الله أبرح قاعداولو قطعوا رأسى لديك وأوصالى
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

فإذا كان ملازما لها مع تقطيع الأوصال فملازمتها مع المحبة والألفة تكون أدخل لا محالة، وهذه الواو هى المطلعة على هذه الأسرار، فإذا قدّر زوالها زالت البلاغة، وكقول زهير:

ومن هاب أسباب المنايا ينلنهولو رام أسباب السماء بسلّم

والمعنى فى هذا أن كل من كان هائبا لأن تناله المنايا فى غاية البعد عنها، فهى لا محالة واقعة به ومصيبة له، فكيف حال من لا يدخل فى قلبه هيبة لها، هى فى الإصابة له أدخل وأقرب إلى هلاكه وأسرع.

التأويل الثالث أن تكون «لو» فى بابها بمنزلة إن الشرطية كما قاله الفراء، وعلى هذا يكون دخول حرف النفى مفيدا لمعناه من النفى من غير قلب له كما كان ذلك فى إن الشرطية من غير فرق بينهما، وعلى هذا يكون معناه أنه إن لم يخف الله فلا يعصيه بحال كما تقول إن لم تكرمنى لم أكرمك، فالإكرامان منفيان، وعلى هذا يكون الخوف منفيا والعصيان مثله فى النفى أيضا، والتأويلان الأوّلان عليهما يكون التعويل؛ لأن «لو» شرط فيما مضى بخلاف إن، خلافا لما زعمه الفراء، وقد قررنا معناها فى الكتب الإعرابية.

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.