تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

الصورة الثانية [حرف الإثبات «أنّ» ]

وهو «أنّ» وإنما ترد على جهة التأكيد للجملة الابتدائية، وتدخل الفاء عليها وقد لا تدخل، وهو الأكثر المستعمل فى كتاب الله تعالى، والضابط لدخولها وعدم دخولها هو أنها إذا كانت مذكورة للربط بين الجملتين حتى كأنهما قد أفرغا فى قالب واحد وسبكا سبكا منتظما، فإنها تأتى بغير فاء وهذا كقوله تعالى: وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ

وقوله تعالى: اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ

وقوله تعالى: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ

وقوله تعالى: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ

وقوله تعالى:

وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ

وهذا وارد فى التنزيل كثير لا يحصى كثرة أعنى زوال الفاء عنها كما مثلناه فأما كلام علماء البيان فالفاء إنما حذفت وهى مما تؤذن بالوصل لأن الحال محمول على تقدير سؤال كأنه قال قائل: هل صلاة الرسول سكن لهم، فقيل له: إنها سكن لهم، وهكذا القول فى جميع ما أوردناه من الأمثلة فإنه وارد على هذه الطريقة وعلى ما ذكرناه- فإنه يخالف ما قرروه فى ذلك، والغرض من زوالها ما قررناه من كون الجملتين مزجا مزجا واحدا وكقول من قال:

فغنّها وهى لك الفداءإنّ غناء الإبل الحداء

وقول بعضهم:

عليك باليأس من الناسإنّ غنى الأنفس فى الياس

وقول بعض الشعراء:

جاء شقيق عارضا رمحهإنّ بنى عّمك فيهم رماح

وحيث تكون الجملة الثانية مغايرة للجملة الأولى فإن الفاء تأتى متصلة بها وهذا كقوله تعالى: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ

وقوله تعالى: فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا

الْبُطُونَ

ومن خواص هذا الحرف أن له من المكانة ما يكسو ضمير الشأن أبهة وبلاغة يعرى عنها إذا هو فارق ظله، ومثاله قوله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ

وقوله تعالى: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ

وحكى عن الأخفش أن الضمير فى «إنّها» راجع إلى الأبصار، ويكون من قبيل الإضمار قبل الذكر على شريطة التفسير.

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.