من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
الصورة السادسة [ما، وإلا]
اعلم أن «ما» و «إلا» إذا تركبا فى الكلام فإنهما يفيدان الحصر لا محالة، إما فى الأسماء، وإما فى الصفات، فهذان وجهان، الوجه الأول الحصر فى الأسماء، إما فى الفاعل كقولك ما ضرب عمرا إلا زيد، فالمعنى فى هذا أنه لا ضارب لعمرو إلا زيد، و ما فى المفعول كقولك، ما ضرب زيد إلا عمرا، فالمعنى فيه أنه لا مضروب لزيد إلا عمرو، ولو قلت ما ضرب إلا عمرا زيد، كانا سواء؛ لأن الغرض هو حصر المفعول، وهو ما يلى
«إلا» سواء تقدم الفاعل أو تأخر عن المفعول، ومما جاء فى حصر الفاعل قوله تعالى:
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
فالمعنى أنه لا خاشى لله إلا هم، وأنهم هم المستبدون بمراقبة الله تعالى: وتعظيم شأنه من بين سائر الخلق، ولو كان الحصر واقعا فى المفعول لانعكس المعنى، فلو قال إنما يخشى العلماء الله، لكان تقديره ما خشى العلماء إلا الله، وعلى هذا يكون الحصر فى المخشّى لا فى الخاشى ويفيد أن المخشى هو الله دون غيره، وعند هذا لا يمتنع أن يشارك العلماء غيرهم فى خشية الله، فعلى المعنى الأول الخشية محصورة فى العلماء، وعلى المعنى الثانى الله المخشى دون غيره، ومع هذا يكون مخشيا للعلماء ولغيرهم، وسرّ التفرقة بين المعنيين إنما يحصل من جهة ما ذكرناه من انحصار الفاعل، والمفعول بعد «إلا» كما قررناه، وإنما كان الحصر مختصا بإلا، ولم يكن حاصلا قبلها؛ لأن الحصر من أثر «إلّا» وأثر الحرف لا يحصل إلا بعده، ولا يكون حاصلا قبله، الوجه الثانى الحصر فى الصفات، أما حصر الأسماء عليها، فكقولك: ما زيد إلا قائما، فإنك نفيت أن يكون زيد على صفة من الصفات إلا صفة القيام، وأما حصرها على الأسماء فكقولك: ما قائم إلا زيد فإنك نفيت أن يكون القيام لأحد إلا لزيد، فالحصر إنما يتناول ما بعد «إلا» كما قررناه، فعلى هذا يكون اعتبار المسائل فى الأسماء والصفات فى الحصر، فإن قال قائل هل يكون قوله تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَ
من باب التقديم والتأخير، أو يكون من باب الحصر، فإن كان من باب الحصر فليس هنا ما يوجب الحصر ويقتضيه من الأحرف التى تدل عليه، وإن جعلتموه من باب التقديم والتأخير، فأظهروا التفرقة بين المعانى فى التقديم والتأخير، والجواب أما الحصر فلا مدخل له ههنا، لفقد ما يكون دالا على الحصر من أحرف المعانى وهى، إنما، وما، وإلا، وإذا بطل أن تكون الآية من باب الحصر وجب جعلها من باب التقديم والتأخير، وعلى هذا يكون لها فى الإعراب تفسيران، ويكون المعنى فيها تابعا للإعراب كما نوضحه.
التفسير الأول أن يكون الجعل من باب التصيير كقوله تعالى: أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً
وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً
وهو كثير الدور والاستعمال فى كتاب الله تعالى، وعلى هذا يكون له مفعولان، فالمفعول الأول هو الشركاء، والثانى هو الظرف، وهو قوله «لله» وعلى هذا يكون الإنكار متوجها على أن يكون لله تعالى: شركاء على الإطلاق، ويكون انتصاب «الجن» على إضمار فعل محذوف، كأنه قيل فمن جعلوا لله شركاء؟ قيل جعلوا الجن، فالأولى جملة على حيالها، والثانية جملة على حيالها، وعلى هذا لا يكون فيه تقديم ولا تأخير بالإضافة إلى الجن والشركاء، لانقطاع أحدهما عن الآخر كما ترى، نعم يمكن تقدير التقديم والتأخير بالإضافة إلى الظرف نفسه، فيقال: هل من فرق بين تقديم الظرف على الشركاء وتأخيره، والذى يمكن من التفرقة فيه هو أن يقال: إن الظرف إذا كان متقدما كما فى نظم الآية وسياقها، فإن الإنكار متوجه من الله حيث جعلوا له شريكا مع أن فيه دلالة على أنهم لم يجعلوا لغيره شركاء، بخلاف ما لو قال: وجعلوا شركاء لله، فإن الإنكار حاصل فيه، لكن ليس فيه دلالة على أنهم ما جعلوا لغيره شركاء، ونظير ذلك قولك: ما أمرتك بهذا، وما بهذا أمرتك، فإنك إذا أخّرت الظرف كان حاصله نفى الأمر عن نفسك من غير أن يكون فيه دلالة على أنك أمرته بشىء آخر، بخلاف ما إذا قلت: ما بهذا أمرتك، فإنه كما هو دال على نفى الأمر عن نفسك، فإنه دال على أنك قد أمرته بشىء آخر، وهكذا تكون الآية كما قررته.
التفسير الثانى أن يكون المفعول الأول لجعل، هو الجن، والمفعول الثانى هو الشركاء، وعلى هذا يكون الظرف ليس بمعتمد ويكون متعلقا بشركاء ومن ههنا يظهر سر التفرقة بين التفسيرين، فأنت على التفسير الأول يظهر لك أن الإنكار إنما توجه عليهم من جهة إضافة الشركاء إلى الله تعالى على جهة الإطلاق، سواء كان من جهة الجن، أو من جهة غيرهم؛ لأن المعنى أنه لا شريك لله فى الإلهية، لا من الجن، ولا من غير الجن، بخلاف المعنى الثانى، فإن الإنكار إنما كان متوجها من جهة مشاركة الجن لا غير، ولا شك أن الإطلاق مخالف للتقييد، وعلى هذا يكون التفسير الأول أخلق بالآية وأدلّ على المبالغة من التفسير الثانى، وبما ذكرناه تدرك التفرقة بينهما. ولقد كان إيراد هذه الآية حقيقا بفصل التقديم والتأخير لكونها منه وأخص به، والذى جر من إيرادها ههنا هو ما عرض فيها من الإشكال، هل هى من باب الحصر، أو من
باب التقديم والتأخير، فقس على هذا ما يرد عليك من أسرار النظم، فإن تحته أسرارا جمة، ونكتا غزيرة، تنبهك على كثير من الفوائد، وتطلعك على المناظم والمعاقد، هذا إذا لحظت من الله بتوفيق، يهدى إلى كل طريق من الخير والتحقيق.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع