من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
الضرب الأول منها فى المعاظلة بتكرير الأحرف المفردة
اعلم أن العرب الذين هم الأصل فى هذه اللغة قد عدلوا عن تكرير الحروف المتماثلة فى كثير من كلامهم إلى الإدغام وما ذاك إلا لأجل ثقله على ألسنتهم، وهكذا فعلوا فى المتقاربين أيضا فقالوا: مد وشد، والأصل فيه مدد وشدد إلى غير ذلك من الأحرف المتماثلة، ومن أجل شدة كراهيتهم لتلك أبدلوا من أحد حرفى التضعيف حرف لين حذرا من ذلك، وهذا كما قالوا: تسريت فى تسررت وتطبيت فى تطببت وفى نحو ديوان وديباج والأصل فيه
دوّان ودبّاج، فإذا تكرر الحرف الواحد فى الكلام المنظوم والمنثور، كان ثقيلا على الأنفس نازلا عن الفصاحة، معيبا فى البلاغة، فمن ذلك ما قاله بعض الشعراء:
وقبر حرب بمكان قفروليس قرب قبر حرب قبر
فهذه القافات والراءات من الأحرف قد تكررت وتقاربت فأكسبت الكلام ثقلا وركة تبعد به عن الفصاحة وتنأى لأجله عن البلاغة، وقد قيل إن هذا البيت من شعر الجن، ولهذا قيل إن أحدا لا يكاد ينشده ثلاث دفعات إلا عثر لسانه، وفى هذا دلالة على بعده عن السلاسة وقربه من الغثاثة، وهكذا ورد فى الحريريات وعد من ركيكها قوله:
وازورّ من كان له زائراوعاف عافى العرف عرفانه
فلما تكررت الراء والفاء فيه، كان محتاجا إلى بيكار يضعه الناطق به فى شدقه حتى يديره على تأليفه الذى خرج عن حد الاعتدال، وهكذا ما فعله فى رسالتيه اللتين جعل إحداهما على حرف السين، والأخرى على حرف الشين، فنالهما الثقل ومستهما البرودة من أجل ذلك، ويحكى عن بعض الوعاظ أنه قال فى كلام له أورده: حتى جنأت وجنات الحبيب، فصاح رجل من الحلقة وماد وغشى عليه، فقيل له ما حدث عليك فقال سمعت جيما فى جيم فى جيم فصحت، وفى هذا دلالة على أنه يجب على البلغاء تجنبه والإعراض عنه.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع