من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
الجهة السابعة عشرة من الطعن على القرآن من جهة فائدته
؛
وحاصل ما قالوه هو أن المقصود بالقرآن إنما هو إظهار الدلالة على نبوة الرسول ﷺ ودلالته على ذلك ليس إلا من
جهة كونه خارقا للعادة مطابقا لدعواه، ولا شك أن الفعل الخارق للعادة لا يدل على النبوة، ولهذا فإنه يحكى عن ابن زكريا المتطبب الرازى أنه قال: إن رجلا كان يتكلم من إبطه فجاءنى يوما يشكو علة به فمازحه بعض جلسائى، وقال قل للصبى يشكو، فرد يده إلى إبطه وشكا إليه بكلام، كأنه كلام إنسان رقيق الصوت به علة، وهو كلام مفهوم، ثم إن أحدا لم يفعل ذلك، ثم إن ما هذا حاله غير دال على نبوته، وحكى ابن زكريا أن رجلا كان لا يأكل الطعام سبعة وعشرين يوما، ومثل هذا خارق للعادة، ولا يكون دالا على النبوة، فهكذا حال القرآن وإن خرق العادة، لا يكون دالا على نبوته ﵇.
والجواب عما زعموه أن ما ذكروه إنما يتقرر الجواب عليه إذا فرقنا بين المعجزة، والشعوذة، والتفرقة بينهما إنما تليق بالمباحث الكلامية، وقد فصلنا ذلك تفصيلا شافيا، فأغنى عن الإعادة، فأما ما قالوه من الكلام فى الإبط، فإنما كان الأمر كذلك من إحداث الأصوات المقطعة المتولدة عن الاعتمادات على الاصطكاك، فلا يمتنع إذا أدخل يده فى إبطه أن يضغط على شىء من الأصابع على كيفية مخصوصة، فيتولد الصوت المقطع عن الاعتماد، كما تقول فى هذه الألحان الطيبة، والأوتار الموترة على تأليف مخصوص فإنه يحصل منها تقطيعات عظيمة، تكاد أن تلحق بالقراءة لمكان تقطيعها وحاصل هذه الأمور كلها أنها مفتقرة إلى الآلات بحيث لا يمكن حصولها إلا بها، بخلاف ما ذكرناه من المعجزات الباهرة فإنها غير مفتقرة إلى الآلة، ولهذا فإن انقلاب العصا حية، ما كان بحيلة، ولا بإعمال قوة، ولا بأدوات، ولا بتحصيل آلات كما يفعله أهل الشعوذة، ومن كان ماهرا فى دقائق الحيل كأصحاب النّيرنجات وأهل الطلسمات فإنهم يعملون الحيل فى مزج قوى الجواهر لتحصل منها أمور غريبة وهذه هى النيرنجات كما يفعله أهل خفة اليد، وأما الطلسمات فحاصلها مزج القوى الفعالة السماوية بالأرض المنفعلة الأرضية، كنقش خاتم عند طلوع كوكب، فيحصل من استعماله على أمور غريبة، وكل ذلك لابد فيه من إعمال القوى وكد الحواس فى استخراج قوانينه واستنهاض غرائبه، فأما المعجزات السماوية فمما لا يحتاج فيها إلى استعمال شىء من الأشياء لكونها قد وقعت على وجه أدهش العقول، وحير الألباب، واضطرها إلى معرفة صدق من ظهرت عليه من غير كلفة ولا مشقة هناك، إلا ما كان من الجحود والعناد، فأما ما يحكى ممن كان لا يأكل الطعام أياما كثيرة، فذلك إنما كان من جهة الرياضة وقد حكى عن هذا الرجل فى ذلك بعد ما
امتحنت قوته بجذب قوسين، فقال إنما كان هذا من أجل الاعتياد والرياضة، والغرض أنه ألفه وراض نفسه بترك الطعام قليلا قليلا حتى صار إلى هذه الغاية، والرياضة تقضى بأكثر من هذا المقدار.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع