من «عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح» لبهاء الدين السبكي (ت ٧٧٣هـ)
أحوال الإسناد الخبرىّ (٢)
ــ
إنكاريا. ومن الغريب أن ابن النفيس قال فى طريق الفصاحة: الجملة الاسمية كقولنا: (زيد قائم) تدل على ثبوت القيام بالمطابقة، فهى أدل من الفعلية، مثل:
(قام زيد)، إذ (قام) يدل على القيام بالتضمن، فلذلك كانت الاسمية أقوى من الفعلية، قلت: وهذا غلط سرى إليه من قول النحاة: إن الفعل يدل على الحدث بالتضمن، ولم يعلم أن دلالة الفعل على كل من حدثه وزمانه، وإن كان بالتضمن؛ لكن دلالة جملة الكلام على كل من حدث الفعل وزمانه بالمطابقة، (فقام زيد) يدل على وقوع القيام فى زمان ماض بالمطابقة.
الخامسة: لم يتعرضوا لتأكيد الجملة الإنشائية؛ لأن هذا الباب معقود للإسناد الخبرى، وسنتكلم عليه فى باب الإنشاء إن شاء الله تعالى.
السادسة: من مؤكدات الجملة أيضا ضمير الفصل؛ فإنه تأكيد - كما سيأتى - وليس تأكيدا للمسند فقط، ولا للمسند إليه فقط كما سيأتى تقريره فى موضعه، ومن المؤكدات أيضا للجملة تقديم الفاعل المعنوى، نحو: (زيد يقوم)، و (أنت لا تكذب)، و (أنا قمت)، إذا لم تجعلها للاختصاص؛ فإنها لتأكيد الحكم، لا لتأكيد المحكوم عليه كما صرح به الجرجانى وغيره. أما (أنا قمت) إذا جعلناه للاختصاص وقلنا: إنه مقدم من تأخير، على أن أصله بدل فيحتمل أن يقال: إنما يفيد الاختصاص، فلا يفيد تقوية الحكم، ويحتمل أن يقال: يفيد مع الاختصاص التقوية، كما قالوا بمثله فى تقديم المعمول، وعلى هذا فيحتمل أن يقال: يفيد تقوية الحكم، كهو إذا لم نجعله للاختصاص، ويحتمل أن يقال: إنما يفيد تقوية المحكوم عليه رعاية لحاله قبل التقديم حين كان بدلا، فإن البدل إنما يؤكد المبدل منه، وهو فى هذا المثال هو المسند إليه، وعلى كل تقدير فلا شك أن نحو: (زيد يقوم) و (أنت لا تكذب) و (أنا قمت) حيث كانت لا تفيد الاختصاص للتقوية والتأكيد، ولعلهم إنما لم يذكروه هنا؛ لأن المسند إليه وإن كان مؤكدا للجملة لكنه جزء من جملة الكلام. وإنما يتكلمون هنا فى التأكيد بما ليس من أجزاء الكلام - كما سيأتى تنبيه المصنف عليه - والخبر فى هذه الأمثلة وإن كان جملة فهو فى حكم المفرد.
ــ
ومن مؤكدات الجملة أيضا (أما) فإنها من ألفاظ التأكيد، قال الزمخشرى فى قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ فائدة (أما) فى الكلام أن تعطيه فضل توكيد، تقول: (زيد ذاهب)، فإذا قصدت توكيد ذلك، وأنه لا محالة ذاهب، وأنه بصدد الذهاب، وأنه منه عزيمة؛ قلت: (أما زيد فذاهب) ولذلك قال سيبويه فى تفسير (مهما يكن من شئ فزيد ذاهب): وهذا التفسير مدل بفائدتين: بيان كونه تأكيدا، وأنه فى معنى الشرط اهـ كلامه. ومن مؤكدات الجملة (ألا) التى هى حرف استفتاح؛ فإنها للتأكيد كما صرح به الزمخشرى فى قوله تعالى: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ ويدل عليه قولهم: إنها للتحقيق، أى تحقيق الجملة بعدها، وهذا معنى التأكيد قال الزمخشرى: ولكونها بهذا المنصب من التحقيق لا تكاد الجملة تقع بعدها إلا مصدرة بنحو ما يلتقى به القسم، نحو:
أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ومنها (السين) التى للتنفيس - على رأى الزمخشرى - فإنه قال فى قوله تعالى: أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ: السين مفيدة وجود الرحمة لا محالة، فهى تؤكد الوعد كما تؤكد الوعيد، فى قولك: (سأنتقم منك يوما) تعنى أنك لا تفوتنى وإن تباطأ ذلك، ونحوه: سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى، سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ اهـ. وقال فى قوله تعالى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ: فإن قلت: ما معنى الجمع بين حرفى التأكيد والتأخير؟ قلت: معناه أن العطاء كائن لا محالة، وإن تأخر اهـ. يريد أن حرف التأكيد اللام، وحرف التأخير السين، وأن كون العطاء واقعا لا محالة مستفاد من اللام، وأن التأخير مستفاد من السين، وظاهره يخالف ما
ذكره فى سورة التوبة، ونقل الطيبى عن صاحب التقرير أن ما قاله الزمخشرى فيه نظر وهو جدير بالنظر؛ لأنه كالمتفرد به،
ــ
ثم أجاب الطيبى عنه بأن المقصود بالتأكيد أن السين فى الإثبات مقابلة (لن) فى النفى، وليس كما قال؛ لأنه لو أراد ذلك لم يقل: السين توكيد للوعد، بل كانت حينئذ توكيدا للموعود به، كما أن (لن) لا تفيد زيادة عن (لا) فى تأكيد الجملة، بل تفيد تأكيد المنفى بها، ولعل الزمخشرى يريد أن السين يحصل بها تربية الفائدة؛ لأنها تفيد أمرين: أحدهما - الوعد، والثانى - الإخبار بظرفه، وأنه متراخ، فهو كالإخبار بالشئ مرتين، ولا شك أن الإخبار بالشئ وتعيين ظرفه مؤذن بتحققه عند المخبر به، لكن لو تم له ذلك وجب أن كل فعل ذكر معه ظرف فيه تأكيد.
ومن مؤكدات الجملة الفعلية (قد) فإنها حرف تحقيق، وهو معنى التأكيد، وإليه أشار الزمخشرى بقوله: فى قوله تعالى: وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ معناه هدى لا محالة.
السابعة: لا فرق فى كون (إن) لتأكيد الجملة بين أن تلحقها (ما) أو (لا)، فقولك:
(إنما زيد قائم) يفيد مع الحصر التحقيق، كما صرح به القاضى عبد الوهاب المالكى وهو حق.
الثامنة: من فوائد الوالد ﵀ وهى (زيد قائم) فيه ثلاث تصورات: (زيد) و (قائم) و (النسبة)، وفيها إذا حكمت أمر رابع، وهو إيقاع تلك النسبة إثباتا أو نفيا، فعلم أن نحو: (زيد قائم) ليس فيه إثبات، ولا نفى؛ بل هو محتمل لهما على السواء، فإذا حكمت فقلت: (زيد قائم) فالإثبات؛ مستفاد منه، مع تجريدك إياه عن حرف النفى، فإذا قلت: (إن زيدا قائم) كان آكد فى الإثبات؛ لأن دلالة إن أقوى من دلالة التجرد، ولا تقول: إنها دخلت عليها وأكدتها؛ لأن التجريد مع الحرف لا يجتمعان، وإنما المعنى أنها دخلت على زيد قائم المحتمل للنفى والإثبات؛ فرجحت
طرف الإثبات، وإفادته أقوى من إفادة التجريد؛ لأنها وجودية، والتجريد عدمى، ثم تؤكد تأكيدا أقوى باللام وبالقسم، والدلالات الثلاثة كل منها أقوى من التجرد، وإنما دل التجريد على الإثبات ولم يدل على النفى وإن
ــ
كانا بالنسبة إلى اللفظ على السواء؛ لأن حكم الذهن توجه إلى المذكور، وهو وجود ذلك الشئ لا عدمه. هذا فى طرف الإثبات، أما النفى فلاحظ له فى التجرد، فلا بد من شئ يدل عليه، فوضعت له حروف أدناها ما ونحوها، فهى فى طرف النفى كالتجريد فى طرف الإثبات، إلا أنها أقوى قليلا، لأن دلالتها لفظية مستقلة مقصودة، وكذلك (ليس) وفوقهما (لا) فهى لتأكيد النفى، بمعنى أنها لنفى مؤكد، أو بمعنى أنها ترجح طرف النفى المحتمل فى أصل القضية رجحانا قويا، أكثر من ترجيح (ما) و (ليس)، ويدل عليه بناء الاسم معها ليفيد نسبة العموم، وبهذا يعتذر عن قول ابن مالك: إن (لا) لتأكيد النفى، كما أن (إن) لتأكيد الإثبات، فإن جماعة استكرهوا قوله هذا من جهة أن (إن) داخلة على إثبات أكدوه، و (لا) لم تدخل على نفى. قلت: هذه القاعدة ذكرها الوالد ﵀ بحثا، ثم رأيت كلاما فى بعض التعاليق يوافقه، لا أدرى من كلام من هو؟ فأحببت أن أذكره بلفظه، وهذا نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، مباركا عليه، كما يحب ربنا ويرضى، وصلى الله على سيدنا محمد، النبى الأمى، وعلى آل محمد، وسلم تسليما - (وبعد)؛ فإنه كان قد جرى بحث فى شئ ضاق الوقت عن تحقيقه فى ذلك المجلس، فأحببت أن أعلق فيه كلاما مبسوطا مضبوطا؛ ليكون ذلك الضبط مبعدا له عن إنكار سامعيه، والبسط مقربا لمعانيه على الناظر فيه، وذلك أنى كنت ذكرت فى أثناء كلام أن قول القائل:
(زيد قائم) و (قام زيد) ونحو ذلك من الجمل، إذا نظر إلى أصل وضعها فليست موضوعة لتدل على الإثبات من حيث هى، والذى يدل على الإثبات تجردها من علامة النفى، وغيرها من المعانى التى تضاد الإثبات. وإنما هى موضوعة للنسبة الذهنية مطلقا، من غير تعرض لكون النسبة ثابتة، أو منفية، أو مستفهما عنها، أو مشروطة، أو غير ذلك؛ فإذا قلت: (ضرب زيد) فلقولك: (ضرب) معنى معقول عند إفراده، ولقولك: (زيد) معنى، فإذا أسندت ضرب إلى زيد حدث بالإسناد معنى ثالث معقول وهو نسبة مدلول ضرب إلى مدلول زيد، فهذا المعنى الذى هو نسبة الضرب إلى زيد معقول مفهوم، وإن لم يحكم بثبوته ولا بنفيه، كما أن معنى ضرب ومعنى زيد كل
ــ
واحد منهما معقول، من قبل أن يحصل بينهما نسبة، ثم حدثت النسبة، وكذلك النسبة معقولة مفهومة، وإن لم يحكم عليها بنفى أو إثبات، ثم بعد تعقل معنى النسبة يحكم بالثبوت والوقوع تارة، وبالنفى أخرى، ويستفهم عنها مرة، ويتمنى أخرى، ويرجى، ويشترط، إلى غير ذلك من الأحوال التى تعرض لها. والذى يدل على ما ذكرناه وجوه (الأول) أن قول القائل: (ما ضرب زيد عمرا) وقوله: (هل ضرب زيد عمرا) اشتركا فى شئ، واختلفا فى شئ، فالذى اشتركا فيه نسبة الضرب إلى زيد وعمرو بجهتى الفاعلية والمفعولية، والذى اختلفا فيه أن الجملة الأولى أفادت نفى تلك النسبة، والثانية أفادت الاستفهام عن تلك النسبة، وطلب العلم بثبوتها، أو انتفائها، فالقدر الذى اشتركا فيه غير ما اختلفا فيه، ولولا أن القدر الذى اشتركا فيه معنى معقول موجود فى الموضعين لما كان المنفى هو المستفهم عنه، وإذا علم أن النسبة متحققة مع المنفى والاستفهام دل على أنها ليست ثبوتا، فإن ثبوت الشئ لا يكون حاصلا مع نفيه، والمستفهم عن الشئ لا يكون مثبتا له؛ نعم لما كانت هذه النسبة تعرض لها أحوال مختلفة جعل الواضع الحكم لكل واحدة من تلك الأحوال دلالة تدل عليها، فجعل للنفى حرفا، وللاستفهام حرفا، وكذلك للتمنى، والشرط، والرجاء، والتنبيه، وغيرها من المعانى اللاتى تعرض لهذه النسبة؛ إلا الإثبات فإنه لما كان أكثر هذه المعانى وقوعا فى الاستعمال، وقد جعل لكل واحد منهما علامة وجودية - جعل علامة الإثبات عدم تلك العلامات قصدا للتخفيف، عند كثرة الاستعمال، وتنبيها على أنه كالأصل الأول، وسائر تلك المعانى كالفرع له. ونظير ذلك فى كلام العرب فى الضمائر أنهم جعلوا لكل واحد من المتكلم، والمخاطب، والمثنى، والمجموع إذا اتصل بالفعل الماضى علامة لفظية، كقولك: ضربت، وضربت، وضربا، وضربوا، وضربن، وضربتما، وضربتم، ونحوها، وقالوا فى المفرد المذكر الغائب: (زيد ضرب) فلم يأتوا فيه بعلامة لفظية، بل كان تجرده عن تلك العلامات كلها دليلا على كونه للمفرد المذكر الغائب، لما لم يشاركه فى ذلك التجرد واحد منها، وحال الحرف مع الاسم والفعل فى مثل ذلك معلومة، تغنى عن الإطالة، والله ﷾ أعلم.
(الوجه الثانى): أن قول القائل: (ضرب زيد) لو كان بلفظه دالا على الإثبات، ولم يكن لتجريده عن أدوات الشرط وغيره مدخل فى الدلالة لكان حينئذ دالا على
ــ
الإثبات، تجرد أو لم يتجرد، وإذا كان كذلك كان دالا على الإثبات، فى قولك: (ما ضرب زيد) وهو محال؛ لأنه يلزم أن يكون قد أثبت الضرب ونفاه فى حال واحدة. والذى يوضح ذلك أن (إن) لما كانت دالة على الإثبات، و (ما) دالة على النفى امتنع دخول (ما) على (إن) فلا يجوز (ما إن زيدا قائم) فلو كان اللفظ من غير تجرد يدل على الإثبات لتنزل قولك: (ما زيد قائم) منزلة قولك: (ما إن زيدا قائم)، وهذا واضح. وكذلك (ليس زيد قائما) لما كان دالا
بلفظه على النفى - استحال دخول حرف الإثبات عليه، فلا يجوز (والله لليس زيد قائما) فكما يمتنع دخول الإثبات على النفى يمتنع دخول النفى على الإثبات؛ لاستحالة أن يكون الشئ مثبتا منفيا فى حالة واحدة، فإن قلت: فقد أدخلوا (إن) على (ما) فى قولهم: (إنما أنا بشر) ونحوه؛ قلت: ليست (ما) هنا هى النافية، وإلا كان المعنى إثبات نفى البشرية، والمراد إثباتها لا نفيها، وهذا المحال الذى ألزمناه، إنما لزم من تقدير اللفظ دالا على الإثبات بنفسه، فعلم أن ذلك باطل، لكنه دال على مجرد النسبة من غير تعرض لنفيها، ولا إثباتها، فإن أردت النفى جئت بحرف النفى، وإن أردت الإثبات جردته من علامة النفى وغيره، وكان التجريد دالا على الإثبات، وإذا دخل حرف النفى زال التجريد الدال على الإثبات، فلم يجتمع النفى والإثبات، فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون اللفظ نفسه دالا على الإثبات وشرط دلالته عليه تجرده من علامة غيره؟ قلت:
الجواب عن هذا من وجهين:
(أحدهما): أن هذا تسليم للحكم الذى ادعيناه، ومنازعة فى العبارة؛ فإذا كان اللفظ لا يدل على الإثبات إلا إذا جرد، فكأن الواضع قال: متى جردت هذا اللفظ فاعلموا أننى أردت الإثبات، ومتى لم أجرده فاعلموا أنى لم أرد الإثبات! فقد جعل التجريد علامة على الإثبات، فتسميه أنت شرطا أو ما شئت فلا مشاحة فى التسمية.
(الوجه الثانى): هو أن دلالة اللفظ على المعنى ليست لمناسبة بينهما، بل لأنه جعل علامة عليه، ومعرفا له بطريق الوضع، فإذا كان التعريف مشروطا بشئ غير اللفظ، يعدم بعدمه، ويوجد بوجوده - لم يكن اللفظ هو المعرف، إنما المعرف ذلك الشئ، ولا سيما وقد رأينا اللفظ مفيدا لشئ آخر غير الإثبات؛ وهو النسبة الذهنية التى هو مفيد لها فى الإثبات وفى غيره، والتجريد لا يفيد معنى آخر سوى الإثبات، ورأينا التجريد لا ينفك عن إفادة الإثبات، واللفظ ينفك عن إفادة الإثبات، فالحكم بأن الإثبات مستفاد من التجريد الذى لا يحصل بدونه ولا ينفك عن إفادته، وله فائدة غيره أولى من الحكم بأنه مستفاد من اللفظ الذى ينفك عن إفادته، وله فائدة غيره.
ــ
(الوجه الثالث): أنّا رأيناهم كما جعلوا فى غير القسم النفى محتاجا إلى حرف، والإثبات غنيا عن الحرف عكسوا فى باب القسم؛ فلم يجيزوا إذا كان المقسم عليه مثبتا أن يخلو من حرف الإثبات، فلا يقولون: (والله زيد قائم) ولا (والله يقوم زيد) وهم يريدون الإثبات؛ بل لا بد من حرف الإثبات، وإذا كان المقسم عليه منفيا وهو فعل مستقبل جوزوا أن يكون بغير حرف، فقالوا: تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ و (تالله يبقى على الأيام) و (تالله أبرح قائما) فنبهوا بصنعهم فى هذا الفصل ضد ما صنعوه فى عموم الأحوال على أن كل واحد من النفى والإثبات محتاج إلى علامة، وأنهم تارة يجعلون علامة هذا وجودية، وعلامة الآخر عدمية، وتارة يعكسون الأمر. وإلا فلو كان قولك: (زيد قائم)
دالا على الإثبات بنفسه إذا لم يكن قسم؛ فالقسم لا يزيده إلا تأكيدا، فلأى معنى اشترط فيه الإتيان بحرف الإثبات؟ ولو كان قولك: (يقوم زيد) فى غير القسم دالا على الإثبات بنفسه لكان إذا حذف حرف النفى فى باب القسم إثباتا؛ لكونه دالا بنفسه، وليس هناك ما يعارضه، ولا ما يمنع دلالته. فإن قلت: لا نسلم أنه ليس هناك ما يعارضه، فإن حرف النفى محذوف مراد، قلت: الأصل عدم الحذف، والتقدير.
(الوجه الرابع): أن قولك: (ضرب زيد) لو كان دالا على الإثبات بنفسه لكانت تلك الدلالة مستفادة من مفردية أو من أحدهما، أو من النسبة بينهما، أو من المجموع، وكل واحد منها موجود مع حرف النفى، وحرف الاستفهام، وهو غير دال على الإثبات معهما، فإن قلت: الحرف مانع من دلالته على الإثبات، قلت: لو كان الحرف مانعا لكان شرط الدلالة التجريد، وقد قدمنا فى الوجه الثانى أن كون التجريد علامة أولى من كونه شرطا، والله ﷾ أعلم.
التاسعة: قد يكون الخطاب ابتدائيا وطلبيا وإنكاريا، بأن تقول لمن لا يستحضر قيام زيد، ويتردد فى قيام عمرو، وينكر قيام بكر: (زيد وعمرو وبكر قائمون) فماذا تصنع ولم يبق إلا التغليب؟! والذى يظهر أن تعامل الجميع معاملة الإنكارى، فإن تأكيد الابتدائى لا بدع فيه، بخلاف ترك تأكيد الإنكارى، فإنه لا يجوز.
ثم الإسناد:
منه: حقيقة عقلية، وهى: إسناد الفعل - أو معناه - إلى ما هو له عند المتكلّم، فى الظاهر؛ كقول المؤمن: أنبت الله البقل، وقول الجاهل: أنبت الرّبيع البقل، وقولك:
جاء زيد، وأنت تعلم أنه لم يجئ.
ــ
النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع