من «عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح» لبهاء الدين السبكي (ت ٧٧٣هـ)
(من) للاستفهام للعارض المشخص
ص: (وبمن عن العارض المشخص لذى العلم كقولنا: من فى الدار).
(ش) من ألفاظ الاستفهام عن التصور" من" فإن قلت: إذا كانت" من" لا يسأل بها إلا عن التصور فكيف حصل الجواب عن قول عيسى عليه مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ وهو طلب تصور كما زعموا بالتصديق، وهو قول الحواريين: نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ قلت:
أجاب الوالد ﵀ فى بعض تعاليقه عن ذلك بأن" من" وإن كانت سؤالا عن التصور فالسائل بها تارة يجزم بحصول المبهم، ولكن يسأل عن تعيينه؟ وتارة لا يجزم، كمن يرجو ناصرا يجوز أن لا يوجد، ويرجو أن يوجد ويطلب تعيينه، فقوله: من أنصارى، محمول على ذلك قاله عيسى ﵊ راجيا من الله تعالى إقامة ناصر له، سائلا عن عينه، فهو سؤال عن التصديق والتصور، لكنه أخرجه مخرج التصور ثقة بالله ﷾ وأدبا معه تعالى ومع السامعين، فكان الأكمل السؤال عن التصور، وجعل السؤال عن التصديق مطلوبا فيه. والحواريون تفطنوا لذلك فأجابوا بالتصديق ليحصلوا المقصودين معا كأنهم قالوا هنا: من ينصرك وهم نحن، وقالوا:
أنصار الله؛ لأن نصرته نصرة الله، بمعنى نصرة دينه وليبينوا أن نصرتهم له خالصة لله لا يشوبها غيره من حظوظ البشرية.
(تنبيه): قولنا: من عندك؟ يطلب بها التصور لا التصديق كما سبق؛ لأنه يتضمن أمرين:
أحدهما: استقرار شخص أو أشخاص عند المخاطب، وأن المتكلم عالم بذلك فلا يسأل عنه.
ــ
والثانى: تعيين ذلك الشخص أو الأشخاص، وهو المطلوب بالسؤال فهو تصور محض، وإن كان يستلزم نسبة
الاستقرار عند المخاطب إلى ذلك الشخص، وهو أخص من النسبة التى كانت حاصلة للمتكلم أو لا؛ لأنها نسبة الأعم ذكره الوالد ﵀ قال:
ومن هنا غلط بعض الناس فظن أن المطلوب بها التصديق.
(فائدة): تترتب على هذا ذكرها الوالد أيضا أن الجواب مفرد لا مركب، ولا يقدر له مبتدأ ولا خبر، فإذا قلت: من عندك؟ فقيل: زيد، كان بمنزلة قولك: ما الإنسان فتقول: حيوان ناطق، فهو ذكر حد يفيد التصور فقط، وعلى ذلك قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ وقد جاء فى الآية الأخرى: خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ وهو ابتداء كلام يتضمن الجواب، وليس اقتصارا على نفس الجواب بخلاف الآية قبلها.
(فائدة أخرى): تترتب على ذلك يقال فى الجواب عن ذلك: زيد، إن كان واحدا، أو زيد وعمرو وإن كانا اثنين، أو زيد وعمر وبكر إن كانوا ثلاثة، وعلى هذا إلى أن يستغرق، ولو ذكر بعض من عنده لم يكن جوابا صحيحا، بل الجواب المطابق ما لا يزيد ولا ينقص، كما أن الجواب الصحيح بالحد أن يكون جامعا مانعا، ومن هنا تعلم أن المسئول عنه بمن هو ماهية من عنده، أعم من القليل والكثير، وبه تعلم أن" من" الاستفهامية ليست للعموم فى الإفراد، بل للماهية بخلاف ما قاله الأصوليون؛ حيث استدلوا بذلك على العموم فإن أرادوا العموم بالمعنى الذى ذكرناه فصحيح، وإن أرادوا أنها تدل على الإفراد فممنوع.
(فائدة أخرى):" من" صالحة للمذكر والمؤنث، وللمفرد والمثنى والمجموع، هذا حظ النحوى منها، وحظ الأصولى أنها للعموم. قال الوالد ﵀ فهل - العموم فى جميع هذه المراتب أو فى الآحاد، وتظهر فائدة ذلك إذا قال من دخل دارى من هؤلاء فأعطه درهما، فإن قلنا بالأول أخذ كل واحد درهما، وإن قلنا بالثانى أخذ كل واحد درهما بدخوله ونصف درهم بدخوله مع آخر، وإن دخل ثلاثة فعلى الأول يعطيهم ثلاثة لكل واحد درهم، وعلى الثانى يعطيهم ثلاثة؛ بدخول الآحاد لكل واحد
وقال السكاكى: يسأل ب (ما) عن الجنس؛ تقول: ما عندك؟، أى: أى أجناس الأشياء عندك؟ وجوابه: كتاب ونحوه، أو عن الوصف؛ تقول: ما زيد؟ وجوابه: الكريم ونحوه، وب من عن الجنس من نوى العلم؛ تقول: من جبريل؟ أى: أبشر هو أم ملك أم جنّىّ؟: وفيه نظر.
ــ
درهم، ودرهما بدخول الثلاثة لكل واحد ثلثه وثلاثة، لأن صفة الأعمية فيهم ثلاث مرات فيستحقون بها ثلاثة لكل واحد درهم فمجموع ما يستحقونه سبعة، وعلى هذا القياس قال:
ولم أره منقولا ولا مخلص عنه فيما يظهر لى الآن، إلا أن يقال: لا عموم لها إلا فى مراتب الأفراد، ولكن الأسبق إلى الفهم أنها عامة فيما يصلح، وهى تصلح للأفراد ولمجموع الأفراد، ولكل مرتبة من مراتب المثنى والمجموع، وفيه احتمال آخر، وهو أنه لا يعطى المجموع إلا درهما ومأخذه ما حققناه من أن" من" لا تدل على الأفراد، بل على الماهية مجردة عن وحدة وتعدد، ويظهر أثر ذلك فى النفى فإذا قلت: لا تشتم من يشتمك فالظاهر أن المراد الحقيقة ومعناه غير معنى لا تشتم كل من شتمك، إذا عرف ذلك، فقول المصنف يسأل بها عن العارض، يعنى أن الكلى لا يوجد فى الخارج إلا فى ضمن جزئى وذلك الجزئى مشخص لذلك الكلى فزيد مثلا عارض لماهية الإنسان الكلى ومشخص لها، فتقدير كلامه يسأل بمن عن الشئ العارض للماهية الكلية المشخص لها كقولك: من فى الدار؟ فتقول:
زيد، المعنى أى: عارض مشخص لحقيقة الإنسان هو، ومثله المصنف فى الإيضاح بقولك:
من فلان؟ فتقول: زيد، وهو فاسد؛ لأن فلانا كناية عن العلم فكيف يجاب بذكر العلم؟ ولعل المراد إذا قال شخص: فلان يعمل كذا فتقول: من فلان؟ فيقال: زيد، لكن فى الاستفهام عن ذلك بمن فيه نظر، فينبغى أن يقال: ما فلان؟ لأنه استفهام عن الاسم، فليكن بما سبق، وأورد عليه المصنف أن ما ذكره لا يطرد؛ لأنك تقول: من زيد؟ كقوله:
للجارية السوداء: " من أنا"؟ وقوله تعالى: مِنْ فِرْعَوْنَ على قراءة الاستفهام، ولست تطلب بها مشخصا لذى العلم؛ لأن زيدا هو المشخص، (وقال السكاكى: يسأل بما عن الجنس تقول ما عندك؟ أى: أى الأجناس عندك؟) وجوابه: إنسان أو حيوان، مثلا
ــ
لأن الجنسية شاملة، قال تعالى: فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ أى: أى جنس خطبكم؟
فكان جوابهم بعين جنسهم، وهو قولهم: إِنَّا أُرْسِلْنا، ويسأل بما عن الوصف، تقول: ما زيد؟ وجوابه: كريم أو
فاضل، وبمن عن الجنس من ذوى العلم، تقول: من جبريل؟ أى إنسىّ أم ملك؟ قال فرعون: فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى أى: من أى جنس؟
قال المصنف: وفيه نظر، يريد أنه لا يقال فى جواب: من زيد؟ هو بشر، ونحوه كذا ادعاه، قيل: وهو ممنوع، بل يقال فى جوابه ذلك، قلت: لعل المصنف لاحظ أن" من" إنما تستعمل لما يعقل والجنس الكلى ليس بعاقل؛ لأنه حقيقة كلية، ولا يسأل عنه بمن؛ ولذلك قال النحاة: إنه حيث أريد الجنس يؤتى بما، وقال بعض شراح المفتاح: إنه يسأل" بمن" عن الجنس أى الحقيقة، والحقيقة أعم من المطلقة والمقيدة، فإذا قيل: من فلان؟
فالسؤال عن الحقيقة المقيدة بالشخص، فيجاب بالحقيقة المشخصة، كما يقال: إنه بشر، صفته كيت وكيت، فيصح الجواب بنحو: جنى أو بشر، لا مطلقا بل مقيدا، فالمثال الذى أورده صاحب الإيضاح ليس منافيا لما قاله صاحب المفتاح، والذى قاله فى الإيضاح: إنه يجاب بزيد صحيح، لأن معنى زيد البشر المتصف بصفات معينة. انتهى. ولا يرتاب أن" من" يسأل بها عن المشخص كما قال المصنف، ويدل عليه قراءة بعضهم: مِنْ فِرْعَوْنَ على قراءة الرفع وقوله ﷺ:" من أنا" وهو سؤال عن الصفات، وقد وقع السؤال بها عن الاسم، كحديث الإسراء:" من أنت؟ قال: أنا جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ"، وقيل: إنما نظر فيه من جهة أن قوله: يسأل بما عن الجنس، وعن الوصف يخرج عنه السؤال عن النوع وعن الحد وفيه نظر؛ لأنه إنما أراد بالجنس الكلى، وهو أعم من الجنس والنوع، يدل عليه أنه جعل من جبريل سؤالا عن الجنس، وقال: إن جوابه يصح بأن يقال: بشر، وهو نوع لا جنس، ويحتمل أن يكون نظر فيه من جهة قول السكاكى إنه يسأل بما عن الوصف، فإن المنطقيين قالوا: لا يسأل عن الصفات المميزة بما، بل يسأل عنها بأى، وإنما يسأل بما عن مفهوم اللفظ، وعن حقيقة الشئ؛ ولذلك انفرد
وب أىّ عما يميّز أحد المتشاركين فى أمر يعمّهما؛ نحو: أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً أى: أنحن أم أصحاب محمّد ﵇؟.
ــ
النوع والجنس بأن كلا منهما مقول فى جواب ما هو، بخلاف الفصل والخاصة والعرض العام، وقد يجاب عنه بأن مراد السكاكى أنها قد تخرج عن حقيقتها، فيستفهم بها عن الصفات، وهذا لا ينافى كلام المنطقيين فإنهم إنما يتكلمون فى موضع اللفظ الحقيقى، وما ذكره السكاكى يوافق كلام ابن الشجرى فإنه قال: يقال: ما معك؟ فتقول: درهم أو ثوب أو فرس، ويقال: من معك؟ فتقول: زيد، فيقال بعد ذلك فى السؤال فى صفته: فما زيد؟
فتقول: رجل فقيه أو طويل أو بزاز انتهى. ولم يذكر المصنف أن" من" يسأل بها عن الوصف، وقال بعض الشارحين: إن" من" يسأل بها عن الوصف، كما يسأل بما، إذ لا فرق بينهما إلا إن ما لما لا يعقل. قلت: وهذا الفرق يلجئ إلى أنها لا يسأل بها عن الوصف؛ لأن الوصف ليس بعاقل، فلا يسأل عنه بمن التى هى للعاقل، فإنه أراد بالوصف نحو: عالم وقائم، فإنه يسمى وصفا باصطلاح النحاة فقد دخل ذلك فى قولنا: إن" من" يسأل بها عن العارض المشخص على ما سبق.
(تنبيه): قد يعترض على السكاكى فى قوله: يسأل" بما" عن الجنس، فيقال: ما عندك؟ أى: أى الأجناس، فيقال: أى لما يميز أحد المتشاركين عن الآخر فى أمر يعمهما، وما على رأى السكاكى سؤال عن الجنس، وكيف يفسر أحدهما بالآخر، وجوابه أن يقال: الأجناس مشتركة فى مطلق حقيقة الجنسية، فيسأل بأى عن الجنس، أى تعيين الجنس من بين الأجناس فتأتى بأى لتميز جنسا معينا بين مطلق الجنسية.
النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع