من «عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح» لبهاء الدين السبكي (ت ٧٧٣هـ)
(هل) تخصص المضارع بالاستقبال
ص: (وهى تخصص المضارع بالاستقبالإلخ)
(ش): لما كانت (هل) ليست أصلا فى الاستفهام، بل فرعا تقاصرت عن الهمزة فاختص المضارع بعدها بالاستقبال، فلا يجوز أن تقول: هل تضرب زيدا، وهو أخوك لأن هذا استفهام توبيخ، والتوبيخ لا يكون على المستقبل إنما يكون على الحال أو الماضى، واستفهام التوبيخ لا يكون إلا بالهمزة، ويصح أن تقول: أتضرب زيدا وهو أخوك توبيخا على ضرب واقع. هذا مراد المصنف، ومراده بالحال حال الضرب فلا يتوهم ما يوهمه كلام بعضهم من أنه
يمتنع لأجل الحال الصناعية فى قوله: وهو أخوك، وكلام السكاكى شاهد لما قلناه، لأنه قال: وهو فى حال الفعل لم يبق إلا أن يقال: لا نسلم أن التوبيخ لا يكون إلا على مستقبل، فربما يوبخ على مستقبل لظهور القرائن من وعيد وغيره على أنه سيقع ثم وقعت بنقل يشهد لما قلت: إنه مراد المصنف، وهو أن سيبويه قدر فى قول الشاعر:
ــ
فما أنا والسّير فى متلفيبرح بالذكر الضابط
ما كنت وقدر فى قولهم: كيف أنت وقصعة من ثريد؟ كيف تكون بالمضارع، قال ابن ولاد وجماعة: إنما قدر كنت مع ما وقدر تكون مع كيف؛ لأن ما أنت والسير استفهام توبيخ، وهو لا يكون إلا على ماض بخلاف كيف أنت وقطعة من ثريد، ونقل ذلك جماعة من النحاة ولم يردوا على القائل: إن استفهام التوبيخ لا يكون إلا على ماض، بل منهم من وافقه، ومنهم من قال: إن سيبويه لم يقصد ذلك فثبت بهذا أن استفهام التوبيخ لا يكون إلا على ماض، ذكروا ذلك فى باب المفعول معه، ثم رأيت القاضى التنوخى قال فى الأقصى القريب: إن الإنكار قد يكون على مستقبل، وجعل منه قوله تعالى: أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وقوله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ قال: أنكر أن حكم الجاهلية مما يبغى لحقارته، وأنكر عليهم سلب العزة عن الله تعالى، وهو منكر فى الماضى والحال والاستقبال، وهو كلام لا ينتهض لدفع ما ذكره الأئمة من أن الآيتين لا دليل فيهما؛ لأن الإنكار فيهما وقع على ماض، وإن كان منكرا، سواء أوقع ماضيا أم مستقبلا، ولا يشهد له قوله تعالى: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ لأن الاستبدال وهو طلب البدل وقع ماضيا نعم قد يشهد له قوله تعالى: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وكذلك قول الشاعر:
أأترك إن قلّت دراهم خالدزيارته إنّى إذا للئيم
ولاختصاص التصديق بها، وتخصيصها المضارع بالاستقبال: كان لها مزيد اختصاص بما كونه زمانيّا أظهر؛ كالفعل؛ ولهذا كان فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ أدلّ على طلب الشكر من:
فهل تشكرون؟ خ خ، فهل أنتم تشكرون؟ خ خ؛ لأن إبراز ما سيتجدّد فى معرض الثابت أدلّ على كمال العناية بحصوله، ومن: أفأنتم شاكرون؟ خ خ؛ وإن كان للثبوت؛ لأن (هل) أدعى للفعل من" الهمزة"؛ فتركه معها أدلّ على ذلك؛ ولهذا لا يحسن:
هل زيد منطلق؟ إلا من البليغ.
ــ
النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع