من «عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح» لبهاء الدين السبكي (ت ٧٧٣هـ)
باب الإنشاء
ص: (الإنشاء إن كان طلبا استدعى مطلوباإلخ)
حقيقة الإنشاء التى يتميز بها الخبر سبقت، وهو ينقسم إلى طلب وغيره، كذا قالوه، والأحسن أن يقال: إلى طلبى وغيره، وقد عدوا من غير الطلبى: نعم الرجل زيد، وربما نصحك عمرو، وكم غلاما شريف، وعسى أن يجئ زيد وفيه نظر؛ لأن الأول قد يقال: إنه خبر، وقول كثير من النحاة: إن نعم وبئس لإنشاء المدح والذم، لا ينافى ذلك لجواز أن يريدوا دلالتها على ذلك الناشئة بالإخبار. قال الطيبى فى شرح التبيان: قال الاستراباذى فى كون فعلى التعجب وفعلى المدح والذم وكم الخبرية إنشاء نظر؛ لاحتمالهما الصدق والكذب باعتبار نفس الخبر، وإن لم يحتملا باعتبار المدح والذم، ومن ثم لما بشر أعرابى ببنت، فقيل: نعمت المولودة قال: والله ما هى بنعمت المولودة.
قال الجرجانى: وهم؛ لأن هذه الأفعال لا تحتملها باعتبار النسبة التى يحصل بها الكلام. انتهى. ومما يدل على أنهما خبران وقوع نعم خبر إن فى قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ، ووقوعها جواب القسم فى قوله تعالى: وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ، وكذلك بئس، قال تعالى: وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ، وأما: ربما نصحك عمرو، فلا إشكال فى كونه خبرا، وكذلك كم الخبرية. قال ابن الحاجب فى أماليه: كم رجال عندى، يحتمل الإنشاء والإخبار، أما الإنشاء فمن جهة التكثير؛ لأن المتكلم عبر عما فى باطنه من التكثير بقوله: رجال، والتكثير معنى محقق ثابت فى النفس، لا وجود له من خارج حتى يقال باعتباره: إن طابق فصدق، وإن لم يطابق فكذب، ويحتمل الإخبار باعتبار العندية فإن كونهم عنده له وجود من خارج، فالكلام باعتباره يحتمل الصدق والكذب، فهو كلام يحتمل للأمرين باعتبار الاحتمالين المذكورين المختلفين، قلت: هذا الكلام ضعيف، والذى يظهر القطع به أن هذا
وأنواعه كثيرة:
منها التمنّى، واللفظ الموضوع له (ليت)، ولا يشترط إمكان المتمنّى؛ تقول:
ليت الشباب يعود! خ خ، وقد يتمنّى ب (هل)؛ نحو: هل لى من شفيع؟! حيث يعلم أن لا شفيع له، وب (لو)؛ نحو: لو تأتينى؛ فتحدّثنى! خ خ؛ بالنصب.
ــ
خبر؛ لأن التكثير ليس المعنى به جعل القليل كثيرا حتى يكون السائل معنيه اعتقاد الكثرة الواقع فى النفس، والتعبير عن ذلك بكم إخبار عن أمر خارجى، وإنما تعنى بقولنا: الخبر له خارج ما كان خارجا عن كلام النفس، فنحو: طلبت القيام، حكم نسبته لها خارج بخلاف: قام، كما صرح به ابن الحاجب وغيره، فقولنا: كم رجال عندى على الأول من الاحتمالين اللذين ذكرهما إخبار عن اعتقاد الكثرة كقولك:
اعتقدت هذا كثيرا فليس من الإنشاء فى شئ، وعلى الاحتمال الثانى إخبار عن الكثرة فى الخارج، وقوله: لأن المتكلم عبر عما فى باطنه يستلزم أن يكون نحو: وأبغضت زيدا، وعزمت على كذا إنشاء، ولا قائل به. وقوله: إن التكثير معنى ثابت فى النفس لا وجود له من خارج، صحيح لكن المراد بالخارج ما سبق، وأما عسى أن يجئ زيد،
فهو ترج كالتمنى، وسنذكره وهو طلبى نعم من الإنشاء غير الطلبى صيغ العقود، وإن قلنا:
إن الوعد إنشاء كما يوهمه كلام ابن قتيبة فهو غير طلبى، إذا تقرر هذا فالذى نتكلم فيه الآن هو الإنشاء الطلبى، وهو يستدعى مطلوبا ضرورة، وكونه غير حاصل وقت الطلب ضرورى؛ لأن الحاصل لا يطلب، والإنشاء لا يتعلق بالمستقبلات.
النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع